“لا أرضَ وراءَ بحرِ غزَّة!”
نصار إبراهيم
“… احتدمت المعارك العنيفة وسط الركام والأطلال في كل شارع ومبنى ومصنع، على السلالم والأقبية. فشكلت البالوعات والمجاري متاهات في المعارك. الجنود الألمان أطلقوا على حرب المدن هذه والتي لم يروا مثيلا لها تعبير “حرب الفئران”، وعبروا عن ذلك بسخرية “احتلينا المطبخ لكن ما زال علينا أن نقاتل من أجل الغرف”. حدث ذلك في ستالينغراد في الحرب العالمية الثانية. أما المدافعون عن المدينة الأسطورة فكان شعارهم: “لا خطوة إلى الوراء!” … “لا توجد أرض وراء نهر الفولغا!”.
***
غزة، حرب وحشية جديدة، جولة اشتباك جديدة، دمار عظيم، صمود عظيم وشهداء يصعدون إلى مجدهم.
غزة المحاصرة منذ خمسة عشر عاما بالبحر غربا وبالرمال شرقا وجنوبا وشمالا لا يمكن المقارنة بينها وبين ستالينغراد من حيث المساحة والديمغرافيا والإمكانيات. غزة هذه تسجل على حجارة التاريخ أسطورتها الخاصة “لا خطوة إلى الوراء!”…”لا توجد أرض وراء بحر غزة!”…
غزة تعرف بحدسها وتجربتها الممتدة أن لا الصمت ولا الهدوء ولا التكيف ولا المساومة ستنقذ الفلسطيني من القتل الفردي والجماعي. ذلك لأن الاشتباك مع الاحتلال الصهيوني وطبيعته لهما منطق آخر، منطق الاشتباك في الحالة الفلسطينية هو هكذا: كن أو لا تكون.كن ندّا أو لا تكون. تلك هي المعادلة الحاكمة في مواجهة مشروع يستهدف الفلسطيني روحا وتاريخا، أرضا وإنسانا وحياة.
في كل مواجهة تتكئ غزة على ذاتها، وعيها، دمها، دموعها، ألمها وبسالتها وتقاوم. في كل جولة تنهض لتعيد تأكيد قوانين المواجهة والمقاومة من جديد، تنهض متجاوزة المؤتمرات واللقاءات والاستجداءات والنفاق واللغو الفارغ الذي لم يوقف نزف الدم الفلسطيني منذ أكثر من سبعة عقود لحظة واحدة، حيث يوغل الاحتلال أكثر معتقدا أنه سينجح في احتلال الوعي الفلسطيني وأن لديه القدرة ليقتل كما يشاء وفي اللحظة التي يشاء، أن يحاصر كما يشاء وبقدر ما يشاء، أن يهين وينكل ويدمر، وأن يدوس على رأس هذا الفلسطيني وعينيه ووعيه وهويته ووجوده وشهدائه. وفي النهاية سينصاع هذا الفلسطيني سينصاع ويستسلم لمعادلة الموت المجّانيّ ويتعود عليها.
هكذا اعتقد المحتل وظنّ!
غير أن غزة لها كلمة أخرى وقول مختلف. ذلك لأنها تعي طبيعة الاشتباك، وتدرك أن المواجهة مفروضة عليها سواء سكتت أم قاومت. لهذا فإنها تجد نفسها دائما أمام خيار واحد وحاسم: أن تنهض للمقاومة.
فغزة في زمن المواجهة والاشتباك لها منطق آخر وثقافة أخرى ومعادلات مختلفة. تتلقى الحزن والشهداء وتعيد انتاجهما غضبا عارما. تتجاوز الدموع لكي تبقى العيون صافية حادة وصارمة باتجاه الهدف ومعادلات المستقبل، وغير ذلك هو انتحار مجاني ودماء تذهب هكذا بلا معنى أو ثمن.
غزة بحدسها ومقاومتها تترجم روح تشي جيفارا: “من الحماقة أن تخوض معركة يمكن تجنبها… ومن العار أن تتجنب معركة يجب خوضها”… معادلة ذهبية صاغها جيفارا بوهج المقاومة ودماء الثوار في كوبا وأدغال بوليفيا.
وغزة بطبيعتها وفية لميراث ثوار فلسطين منذ وجودها الأول. لهذا نراها بعد كل جولة ودمار وشهداء تستعد على طريقتها الفذة والعبقرية، تشد حيلها وتنهض للمقاومة فتربك في كل مرة العدو الواهم المختنق بجبروته وغطرسته واعتقاده بأنه قد روّض غزة وروّض الفلسطيني على تقبل القتل كشرب الشاي. إلا أن غزة تفاجئه كعادتها وتواصل المجالدة والوفاء لوصية كنفاني العالية والمنطقية حتى النهاية: لا تمت إلا وأنت ندُّ! إيّاكم والموت المجانيّ!.
هذه المعادلة التي تبدعها غزة على مساحة الزمن الفلسطيني تعيد التأسيس للمستقبل كما يريد الفلسطيني ويحلم، وبما يليق بتضحياته الكبرى. هكذا ترد غزة على معادلات الموت غير الطبيعي وغير المنطقي بفرض معادلاتها الصارمة، إنها تمسك بالاحتلال من أذنيه وتجذبه نحو رمالها المتحركة، وكأنها تقول له: هل تفهم الآن! غزة ليست ميدان تدريب للرماية، ولا تقبل معادلة الموت المجاني. هي كلمة واحدة: [لقد آن الآوان لكي تنصرفوا من أرضنا، سمائنا، مائنا، هوائنا، وعينا، دمنا، بحرنا، برّنا ودموعنا،فخذوا هزيمتكم وانصرفوا].
ولكن؛ لكي لا تبقى غزة تقاوم وحدها، يجب أن تصبح معادلتها هذه هي ذاتها معادلة شعب فلسطين أينما كان. بهذا تزهر معادلاتها الباسلة لتصنع من نفق في الرمال أفقا لوطن كامل مشتهى.
وحتى يكون ذلك: “لا خطوة للوراء… فلا توجد أرض وراء بحر غزة”.
‎2022-‎08-‎07