لعنة العراق..

مرثية لوجه العراق الكريم وحزنه …

مرثية لوجوه القتلى وحزن الأمهات

أحمد الناصري

اللعنة في اللغة (لَعْنَةٌ – ج: لَعَنَاتٌ. [ل ع ن]. (الْمَرَّةُ مِنْ لَعَنَ). “عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ”: العَذَابُ، السَّخَطُ، النِّقْمَةُ. “أَصَابَتْهُ لَعْنَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. وقد وردت الكلمة في جميع اللغات والحضارات والأساطير والكتب الدينية المقدسة، وعند جميع العقلاء، لقوتها وفعاليتها في التهديد والوعيد، للتلويح بالعقاب المؤجل من أجل الردع.

هناك لعنة أكيدة، أسمها لعنة العراق، ولعنة أهله وناسه وترابه وماءه وهواءه وناره، على أعدائه أجمعين، من كل مشرب ونوع ولون. لعنة فورية، وأخرى مؤجلة تقع بعد حين، لكنها آتية، بلا ريب، وبدون أدنى شك، مهما تأخرت أو تأجلت.

في العراق، بشر وماء وطين طاهر وأصنام وفيزياء ونجوم وأقمار وأنبياء وأغبياء وآلهة وغناء ونخل وقتلة وشعراء وسفلة وأفكار وأشكال متناهية ومتنافرة في وجودها وحضورها التكويني الخارق. كما يوجد عظماء وعاهرات وأوباش وأطفال ورُقم وأضرحة ومدن جميلة وقرى تائهة ومتهيبة، وأهوار ناقعة في الماء، وسمك وقمح مقدس وملح، وزقورات تحاكي الآلهة ونذور، وطبقات من الحضارة المتكررة والمتوالدة، وأوابد، وخرافة أكيدة، وحقيقة ناقصة، وأشياء تدرك، وأشياء لا تدرك، ولغة فصحى راقية. وفي العراق جوع، حيث (ما مر عام والعراق ليس فيه جوع) وتخلف وخراب، يأتي من الداخل والخارج.

في العراق أختام تنبأت بكل هذا المستقبل وهذا المصير، وسجلته في لوح محفوظ، كتب بطين العراق النقي. في العراق كل شيء. من هذه الخلطة والمادة الواسعة، الشاسعة والعجيبة، غريبة التراكيب، المتجمعة في إناء واحد، هو أرض العراق. أتت لعنة العراق، التي هي جزء من تكوينه وطبيعته ووجوده.

ولعنة العراق، ربما تكون مادية صاعقة، أو معنوية وأدبية رادعة، وربما تكون حقيقية، أو هي ضرب من ضروب الميثولوجيا والخيال والتمني، كمعيار ومعادل مضاد للخسارة والإحساس بالظلم والجور الواقع على البلاد وأهلها، مما لا يمكن دفعه في تلك اللحظة، وجزء من دفاعات وهمية، تكتسب قيمتها بعد تحقيق الانتصار وانزياح الغمة. ولا يهمنا إن كانت موجودة أم لا، لكننا نشهرها ونرفعها بوجه أعداء العراق ونهددهم ونرهبهم بها.

العراق لديه لعنة، ربما لأنه صاحب جاه وحظوة وقيمة بين الأمم والشعوب، فهو بلد ثابت في الأرض، نابت في المكان، راسخ في التاريخ، يمتلك جميع مقومات وشروط البقاء والاستمرار. فهو بلد عريق وعميق وغني ومتنوع، بلد منتج، له شخصيته ومكوناته، شارك بفعالية في تكوين العقل الإنساني الأول، وساهم في دق أحجار مغامرة الحضارة الأولى. لذلك فهو صعب وغني وممانع وعصي على التدمير والإخضاع. من هنا تترسخ تقاليد المحافظة والدفاع عن الذات العالية، والتمرد والرفض والمقاومة، وإيقاع خسائر دائمة بأعدائها، تسمى لعنه العراق في النهاية، وهي لعنة حقيقية بهذا المعني والنحو.

العراق بلد لا يتساهل مع الغزاة والعتاة والطغاة والشقاة والعصاة والجلادين، وقد طردهم وأطاح بهم جميعاً، واحداً بعد الآخر، على مر الدهور والعصور، ولم يبق غير وجه العراق الكريم، بجلاله وألقه وصلابته ورقته وجَلَده وأسراره وخفاياه وانتصاراته وخساراته وتضاريسه الواضحة ورخاءه وبذخه وفرحه ومراراته، وبكل ما يظهر وما يخفي وما يريد.

فقد طرد الغزاة الغرباء، من الفرس والروم والتتر والإفرنج وآل عثمان ومماليكهم والإنكليز، وكل من أراد به الشر، والتجاوز عليه، والتمدد على حسابه، والتلاعب بمصيره، وتغيير ملامحه وسحنته وصفاته وانتماءه، وطمس وإلغاء دوره. وسقط الطغاة والبغاة والعتاة والبرابرة، من الأجلاف القساة، حتى آخر طاغية جاهل بوضع العراق وتاريخه ومزاجه وأهميته وخصائصه ومستقبله. وقبله تخلص من الجلادين ومدراء الأمن والقتلة وشرطة الثقافة والعملاء والخونة والمرّاق الضالين، الواحد بعد الآخر. وهو يعد العدة، منذ حين، لطرد الغزاة الأمريكان، ويطهر ترابه وسماءه وتاريخه من أوهامهم وقذارتهم ودنسهم.

قاوم العراق الغزو والتمدد الفارسي الأول ودحره، ذلك الغزو الذي رأى في سهول وادي الرافدين، المنبسطة والسهلة، وأرض السواد الغنية، ما يفوق موارد إمبراطوريته، وسرق منه كل شيء، حتى الأختام والأسود وأشكال الحيوانات والطيور الخرافية، ودمجها برموزه المحلية البسيطة، وأراد تزوير مسلة حمورابي، لكن ملكهم قرأ في أسفل المسلة ما نصه، إن من يغير ويتلاعب بنص هذه المسلة، تأتيه لعنة الآلهة العراقية، التي هي نفس لعنة العراق، فخاف وعدل عن قراره. وفي النهاية طرد وطارد العراق الغزاة في عقر دارهم في دورة من دورات الزمن المتلاحق. وأستدرج الإسكندر المقدوني، حتى مات في بابل العظيمة، بعد إن عاد من أفغانستان القديمة، وهو منهك ومتعب، ولأنه تجاوز نصيحة معلمه أرسطو، وقدم السيف على الفكر، ورفعه فوقه، لرسم وتحديد الجغرافية والتاريخ على هواه، بينما أستمتع الشيخ الفيلسوف بحكمته وعزلته الأثيرة، بعيداً عن أروقة وبريق السلطة، قريباً من سلطة العقل. وقاوم العراق جميع الغزوات الأخرى القادمة من غرب العالم، وعبرت من الرها وحران، أو عبر البحر المتوسط، ولاعبها في ملعبه ولعب بها، وقاد حرب استنزاف لا تتوقف، وأستدرجها وأستوعبها وحطمها وشتتها وقضى عليها. ثم جاءت موجات التتر الرهيبة، ومذابحهم التي فاقت كل مذابح التاريخ السابق لها، بسبب وحشية وصلافة الغزاة الجدد وطبعهم القاسي وبدائيتهم، وكرههم للحضارة والتقدم، وشعورهم بالنقص أمام ما سمعوا به ورأوه، فقد دمروا جميع المدن التجارية والمراكز العلمية القائمة آنذاك، وأبادوا سكانها بشكل تام، حتى التي استسلمت منها، وسلمت مفاتيحها وفتحت أسوارها وأبوابها، وكسروا السدود أغرقوا المدن التي قاومت هجماتهم بساكنيها، الذين لجئوا إلى الأقبية والمخابئ، ودمروا وأزالوا المقابر، وحرقوا الكتب، وقتلوا التجار والعلماء والأطفال، وأقاموا تلال من الرؤوس، وهذا يعني إنهم تقصدوا قطعها وفصلها عن الأجساد، لتجميعها في أكوام، بهذه الطريقة الوحشية البشعة. والمذابح الوحشية التي حصلت لمدن مرو ونيسابور وبغداد وغيرها من المدن والحواضر الرئيسية، دليل على وحشية الغزاة، لكنهم اندحروا وذابوا وأدانهم ولعنهم التاريخ، الذي تكفل بهم وفق منطقه الصارم. وجاء العثمانيون وجندرمتهم وغلمانهم مع طبقات التخلف الثقيل والغيبوبة العقلية والطمع والرشاوى، وقاومتهم بغداد رغم خراب القرون السابقة لهم، ومرارة وهزال الحال، وظلت بغداد تشاكس وتشاغب وتماحك وتتمرد، يداهمها الفيضان ويبيدها الطاعون ويفتك بها العوز ويدوخها فقر الدم، لكنها تنهض وتصحو في كل مرة، على صوت شاعر أو عبد صالح أو محب. وقد أحصى العلامة على الوردي، مئات حالات التمرد والعصيان والانتفاضات العامة والمحدودة، ضد السلطنة العثمانية، حيث لم يمر عام واحد على بغداد، من غير أن تتمرد أو تشاكس أو ترفض. وظلت على هذه الحال حتى آخر يوم من أيام الدولة العثمانية، وحصول الاحتلال الإنكليزي لبلادنا، وأندحر وتشرذم السلاطين، بين مسموم ومخنوق ومذبوح ومعزول وشاذ ومشرد وذليل وعاجز. لكن بغداد لم تضطرب ولم تختلط عليها الأوراق والمهام، وقاومت الاحتلال الإنكليزي أيضاً منذ أول يوم من عمره الأسود، وصولاً إلى ثورة العشرين الوطنية. ولم تقبل أو ترحب به، وفضحت دعوى التحرير المزيفة واللئيمة. تماماً مثلما فعلت بعد عقود مع الاحتلال الأمريكي، والذي تصدت له، من أول يوم لوجوده الكريه والمقيت. وبغداد المحتسبة والصابرة، لا تسكت على ضيم، وهي ترمي بجمرة لعنتها القادمة، على الأعداء، فتحرقهم وتلعنهم، فلا عاصم لأحد من لعنة العراق.

التاريخ والموقع وعوامل وأحوال عديدة أخرى، تفرض أحياناً على حضارة أو بلد معين، مواجهات وتحديات مستمرة. وبعض هذه الحضارات والبلدان تسقط وتتلاشى وتصمت، بسبب العامل الخارجي الرهيب، بينما يقاوم ويستمر البعض الآخر، رغم كل الظروف العصيبة وطولها وتكرارها وثقلها، وهذا ما حصل في العراق وعموم منطقتنا، بل في عموم الشرق.، ومنذ أن أراد الغرب توسيع ما يسمى ب (المجال الحيوي) وحماية (المصالح الحيوية)، وتطبيق وفرض النزعة الاستعمارية القديمة والجديدة، على منطقتنا العربية، بكافة الأساليب والطرق الدموية والوحشية.

ها هي بغداد تنهض كل صباح، تمسح وتشد جراحها، وتراجع ذاتها، تحتضنها وتصونها، وتصون أسرارها وتخبئها في ليلها الطويل الدامي، وبين ثيابها الرثة، تراقب الثغور، وتراقب العدو، وتلاعبه وتلعب عليه، في حرب استنزاف لا تتوقف، ودورة دموية جديدة، مرعبة ومريعة. رغم أوجاع وآلام الماضي القريب، وما لحق بها من أضرار بالغة بعد تجربة دموية طويلة.

قد تكون أزمة الانهيار المالي الأمريكي العميق والشامل، بداية مفاعيل اللعنة العراقية، حيث كانت تكاليف غزو العراق واحتلاله، أكبر من موجودات خزائن الإمبراطورية الأمريكية، كما حصل لإمبراطورية الإسكندر التي تشرذمت بعد موته، لأسباب عديدة، منها أتساعها الكبير، وكبر كلفة تغطيتها، وصراع ملوك الطوائف والولايات فيما بينهم، كما حدث في نهايات الدولة العباسية ودولة الأندلس. فكلما توسعت الإمبراطورية، كلما تكاثرت نقاط ضعفها ووهنها. وها هو بوش، الذي يلغ بدماء العراقيين، كضبع قميء، يقضي أيامه الأخيرة في البيت الأبيض، كمجرم قاتل، تلاحقه تلك الدماء البريئة من كل ذنب. فهو خائب وبائس ومنبوذ ومأزوم ومرذول ومعزول ومكروه وملعون ومطرود من جنة وعائلة الحكماء والعقلاء والطيبين أصدقاء الناس والأطفال والحيوانات والحشرات والنباتات والزهور والطحالب والمعادن والجن والأنس، أصدقاء الحياة.

سوف يسجل ويذكر التاريخ بوش وتشيني ورامسفيلد، وكل من شارك في الهجوم على بغداد ومحاولة تدميرها، كقتلة ومجرمين وسفاحين، وسوف تلاحقهم لعنة العراق وضحاياه، في كل حياتهم الباقية، وتلاحقهم إلى قبورهم.

بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر إلا ذوت ووريق غصنك أخضر

لتحل لعنة العراق الأبدية على المجرمين، من القتلة والعملاء، وعلى كل من قمع وقتل، ومن أيد وساعد وتعاون وسرق وفسد وفسق أو تخاذل وصمت.

*قلق

كمن يتوازن بحبة رمل

كنت…

 كمن يحاول أن يتوازن بحبة رمل صغيرة

أو بعشب رقيق

أو بخيط من قميص غيمة عابرة

 كمن يقلب الشارع راكضاً فوق رصيف السنوات

يحكي له عن قصة القلب

كمن يمشط أيامه، يسرح شعرها

كمن يعرف معنى الذهول ومعنى الذبول

كمن يتسلق سلالم السماء ومدرجات الحقول

كمن يمشى فوق الماء وينثر مسراته

كمن يعود مطمئناً الى الأرض السابعة وما فوقها من هواء

كمن يحاول المغادرة

كمن يحاول المغامرة

كمن يفشي أسراره دفعة واحدة. يكتبها فوق حيطان المدينة

إلا سر أخير عن الحيرة والخسارة…

كمن يكتم السر لكنه يقول كلَ شيء

كمن لا يجهل الآخرة

كمن سقط في ارتفاع السكون

كمن أكلته الظنون

كنت

كل هذا في هذه الرحلة الماثلة…

‎2022-‎07-‎27