البعد الثوري في التصوف، نزعة ناس الغيوان الصوفية أنموذجاً!

ندى سلام

يتبادر للذهن غالباً عند ورود كلمة ” تصوف ” النظرة المثالية التي تُرجعه إلى عوامل ذاتية فردية تستمد جذورها من الفلسفات الشرقية القديمة. أو بإرجاعه للبعد الباطني الروحاني للأديان وأن التصوف لا يعدو كونه سوى تكثيف لهذا الجانب الروحي. وعلى الجانب الآخر هناك من يُعزيه لعلل نفسية تطال رواده و دراويشه .

المتأمل لهذه الأراء يجد أنها تبحث المسألة في البُنية الفوقية للمجتمع، أراء غارقة في المثالية الذاتية وبعيدة عن الطبيعة الجدلية بين البُنية التحتية والواقع المادي وطبيعة انعكاسه على الأفكار والرؤى .

وإذ نحن نُقر بعالمية التصوف من حيث اقترانه بالأديان فهذا لا يُعزز النظر للتصوف كمضمون روحي يستمد نفسه من الدين وكونها علاقة عِلة ومعلول. لأن النظر من خلال المنهج التاريخي والإجتماعي يتضح جلياً تشابه العلاقات الإجتماعية في تلك الظروف التاريخية وهذا بالتالي ما وَلّد التشابه ” النسبي ” في منتجات هذه الظروف – التصوف – في عالم الوعي والفكر .

وبعد هذا فإن أردنا التخصيص المتعلق بواقعنا والتماح الجانب الثوري للتصوف الإسلامي في بداية نشوؤه من خلال بنيته ومنظومته الفكرية بإختصار شديد جداً فإن الرؤية التقديسية للإنسان من حيث هو ” العالم الأصغر ” ورفعه لمستوى الألوهة في اتحاده بالله أو من جانب تأنيس الله في الحلول أو بإمتزاجهم بوحدة وجود. تتضح لنا تلك النزعة لتحرير الإنسان من كهنوت الشريعة، القيد الذي كَبّل الطبقات الكادحة من فقراء وفلاحيّ المجتمع من الثورة على الفئة الإقطاعية الحاكمة .

فبعد أن كانت الفئة الحاكمة والمسيطرة اقتصادياً وسياسياً خلفاء لله في الأرض مستمدين هذا السلطان من الله كونهم الممثل لشريعته – ظاهرياً – وممثلي إرث النبوة، كانت للعوامل التي تتحرك في الواقع المادي من احتجاج ورفض للقهر والظلم والجور القدرة على خلق أيديولوجية مضادة لإيديولوجية السلطة . إن الثورية العفوية والمكبوتة التي اتخذت موقفاً سلبياً في نشأتها بالاعتزال والتزهد – أبو ذر الغفاري مثالاً – والكف عن الأحداث السياسية والإجتماعية، تطورت للحد الذي أصبحت فيه قادرة بالتأثير على الوعي الإجتماعي لتكوين إيديولوجية تُلغي كل وساطة بين الله والإنسان. بحيث أصبحت الشريعة لا تعدو كونها شكلاً ظاهرياً لا حاجة به عند الوصول للباطن أي الحقيقية ” الله ” . هذا الرفض للشريعة ليس هدماً للأساس الذي يفصل بين الله والإنسان فحسب وهذا صحيح من ناحية النظر الفكري التجريدي ولكن الهدف الأبعد بناء على مبدأ الانعكاس كان رفضُ للشريعة التي تُحدد علاقة الخليفة ” ظل الله في الأرض ” ألا وهو حلّ القيد الفاصل بين الإنسان وحريته .

انطلاقاً من هذه الرؤية نستطيع من خلال استعراضنا ل ” ناس الغيوان ” وظروف نشأتهم التي كانت في نهاية الستينات بعد خروج كل من بوجميع، العربي باطما وعمر السيد من فرقة الطيب الصديقي المسرحية إثر وصف الطيب الصديقي أثناء حوار نُشر بأحد الجرائد الفرنسية لممثلي فرقته ” بفئران تجارب، أجرب فيهم مسرحي “، الواقعة التي تحدث عنها عمر السيد بحوار مع جريدة الاتحاد الاشتراكي نُشر عام 1991: [ لم تكن ثورة عنف وخصام بل كانت ثورة فن.. حتى أنيّ أقول كان اتحاد ممثلين ضد سنين عنف وخصام وسب. رحم الله بوجمعة – بوجميع – فهو الذي أفتى علينا ذلك.. قال لنا : ” إن الخشبة هي ميداننا، ففيها سيكون اتحادنا وثورتنا وانتقامنا منه ولنظهر بأننا لسنا فئران تجارب ” ] وبهذه الطريقة الدراماتيكية وُلدت ناس الغيوان في الحي المحمدي في الدار البيضاء الذي كان معقلاً للمقاومة ضد الاستعمار. بالبداية كان يشار للفرقة باسم ” الدراويش الجدد ” وتالياً اختار لها بوجميع اسم ناس الغيوان التي تدل في الموروث الشعبي على ” أهل الفهم ” من الشعراء الصوفيون الجوالون – عبد الرحمن المجذوب مثلاً – الآخذين بالباطن لا الظاهر، بينما يُشير علال يعلى – عازف البانجو والأكاديمي الموسيقي في فرقة ناس الغيوان – أن أصل التسمية مأخوذ من الملحون ” بحر الغيوان ” والملحون هو الفن الشعري الغنائي العاميّ المستمد من فن العيطة الشعبي والغناء الأندلسي والذي يتناول العشق الإلهي والمدائح النبوية .

موهوب التوصل انفجار اغاني ناس الغيوان الممنوعة mp3 - kovamsa.com

آثرت ناس الغيوان خلال الحرب الباردة بين معسكريّ الشرق والغرب وتغول الرأسمالية الركون للتراث والقيم انتصاراً للإنسانية في ظل موجة تسليع الفن والإنسان. كان بوجميع – بوجمعة أحكور- أيقونة الفرقة فناناً مسرحياً وزجلياً شديدُ الولع بالأهازيج الشعبية والحضرات الصوفية. مهتماً بالقضية العربية بحيث كانت ” فلسطين ” أحد مسرحياته. المستمع لأغاني الغيوان يلمح تتفاوتاً في مضمونها بين التصريح ذو العنفوان الساخط  بدءاً من : ” ماهموني غير الرجال إلا ضاعوا ” و ” أمي فلسطين ” و ” أهل الحال ” إلى الترميز المنطوي على نَفَس روحاني في كلاً من : ” الصينية ” و ” الشمس الطالعة ” و ” آه يا وين ” و ” فين غادي بيا خويا ” وأغنية ” غير خذوني، لله غير خذوني” الأغنية التي كان فلكها : علاش أنا ضحية للصمت . السامع لهذه الأغاني يلمس الحس الثوري الكامن في الميل للإله طلباً للعون وهروباً من اليأس الواقع عند الإنسان المقهور. ومن اللطيف أن الفيلم الوثائقي [ الحال – 1981 ] الذي تناول ناس الغيوان يعرض هذه النفس الثورية الممتزجة بالروح الصوفية المغاربية من حيث الإيقاع الگناوي الصوفي عند باكو – عبد الرحمن قيروش – والانعكاسات التي ظهرت على نصوص العربي باطما وهذا هو الملمح الإيجابي للتصوف من حيث اتخاذه موقفاً فعّالاً في المقاومة وبهذا فإن الغيوان وظفوا التصوف توظيفاً جيداً بخلاف ظاهرة ال ” Hippie ” وال ” Betels ” اللتان يشبهها حسين مروّة بظاهرة  ” الدروشة ” الصوفية في مرحلة انحطاط التصوف الإسلامي وانحلاله .

‎2022-‎06-‎21