سلافوي جيجك ومرجعيّاته الثلاث!

 نايف سلوم

يقول ماركس في كتابه «الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت»: «كتب هيغل في مكان ما أن التاريخ يعيد نفسه مرّتين ونسي أن يقول: مرّة مأساة ومرّة هزل (مهزلة)». ولسلافوي جيجك كتاب بعنوان: «بداية كمأساة وأخرى كمهزلة» وهذا ينطبق على الفلسفة. مع هيغل مأساة، ومع جيجك كوميديا. والأمر ينطبق على البورجوازية؛ فصعودها التاريخي مأساة وانحطاطها العالمي وظهورها في البلدان المتخلّفة ظهور رثّ ومهزلة، لا بل مسخرة.

يكتب سمير اليوسف: «أحياناً يُصاب المركز العالمي (الذي تسيطر عليه البورجوازية الإمبريالية، والدوائر الثقافية الميتروبولية) وهو مصدر الأفكار والأذواق ومصدر السلطة والمرجعيات التابعة جميعاً، بالتخمة، فيركن إلى الاجترار الفكري، وهذا هو اجترار المُطمئِن بأن لا شيء جديد هناك يمكن إضافته إلى ما هو متوافر. ولكن فجأة يظهر القادم من الهامش، الجغرافي أو الثقافي، لكي يبيّن أن ثمّة الكثير ممّا لم يعالَج معالجةً نقديّة وافية، والكثير ممّا لم يُصَر إلى معرفته بعد، والكثير مما يمكن إضافته».

وأقول: ذلك لأن مشروع البورجوازية الإمبريالية قد بدأ بالانحطاط، والبورجوازية الرثّة في الهوامش ملحق به. لكن مشروع النهوض الديموقراطي للطبقات التابعة في الهوامش ما زال يمتلك إمكانية تقديم شيء جديد، لكن هذه المرّة على أساس اشتراكي؛ أي على أساس تعميم ملكية وسائل الإنتاج.

هذا التمييز الحاسم لعلاقات الإنتاج في هوامش النظام الرأسمالي لا يجد له مكاناً عند سمير اليوسف في مقالته «سلافوي جيجك؛ الفلسفة والكوميديا» (مجلة «نزوي» عدد 10 نيسان 2022) فهو يجعل كلاً من: جورج لوكاش، ثيودور أدورنو، والتر بنيامين، إميل سيوران، ألكسندر كوجيف، ريموند وليامز، فرانتز فانون، كيت ملُت، جرمين غرير، إدوارد سعيد وسلافوي جيجك يقفون على أرض واحدة. مع أن هناك فارقاً كبيراً بين جورج لوكاش، الفيلسوف الماركسي الشهير، وكوجيف القادم من مركز الاشتراكية في روسيا السوفياتية والمناهض للشيوعية، وإدوارد سعيد ذي الثقافة الميتروبولية وصاحب كتاب «الاستشراق» الشهير الذي يصنّف ماركس كواحد من المستشرقين الأوروبيين لا أكثر. وإدوارد سعيد فلسطيني مهاجر إلى الولايات المتحدة هجرة اختيارية.

قسم من هؤلاء ينحدر من أوروبا الشرقية، ومنهم جيجك الذي ينحدر، ليس من أوروبا الشرقية (هامش أوروبا الغربية) فحسب، بل ينحدر من هوامش الاتحاد السوفياتي. وهذا شيء مفارق ومضحك. يقول الكاتب: «الأخير بينهم هو الأشدّ إثارة للفضول. سلافوي جيجك القادم من سلوفينيا، أصغر بلدان المنظومة الاشتراكية السابقة، شهد انهيار المنظومة المذكورة، فخلافاً للمعهود، على أكثر من مستوى واحد، جيجك، أوّلاً، لم يأتِ إلى الغرب كمنشق عن النظام الاشتراكي، ولم يكتسب مكانته وشهرته في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية لكونه عاشقاً لليبرالية الغربية».

أمّا فرانز فانون، صاحب كتاب «معذبو الأرض»، فهو من أفريقيا، نصير كبيرٌ للثورة الجزائرية.

جيجك ماركسي – لينيني على سبيل التهكم والسخرية. فمرجعياته الفكرية: هيغل المأسوي، آخر الفلاسفة بالمعنى التقليدي للفلسفة، وجاك لاكان، «مجدّد» التحليل النفسي الفرويدي الهزلي، لأن التحليل النفسي الفرويدي هزل ظهر في عصر انحطاط البورجوازية وشغفها بالبيولوجي والعنصري (من العنصر) و«الجنسي» والجسد المهتوك.

أمّا مرجعه الثالث، فهو ماركس، وهو الأخف وزناً بين مراجعه الفكرية الثلاثة. فماركس بالنسبة إلى جيجك مجرّد كاتب سياسي ثوري وإن كان من طراز رفيع. وهذا يخفي غمزاً من قناة مراجعي الماركسية في الغرب الرأسمالي الذين حوّلوا ماركس إلى مجرّد «عالم اقتصاد».

في كتابه المعروف «الماركسية والوجودية»، يحاول جان بول سارتر إخضاع فكر ماركس لتحليل نفسي فرويدي في حركة تهكّمية ناكسة، يخرج منها بنتيجة أن الماركسية لا يمكن تجاوزها في عصر الرأسمالية، لأن الماركسية هي الصياغة النظرية للنظام الرأسمالي في مولده وقيامته البنيوية ومآلاته. وبالتالي تنكمش الوجودية عند سارتر إلى ضرب من علم للنفس يرصد علاقة الذوات الفردية بنفسها وعلاقتها بالذوات الأخرى. حيث يؤكد سارتر وجود برزخ (عدم) يفصل بين الأنا والغير (الآخر)، ويترتّب على ذلك وجود علاقة شبيهة بالأشياء. وعلينا التمييز بين «موضعة» النشاط والفاعلية الإنسانية للأفراد، أي تحويل هذه الفاعلية إلى شيء موضوعي مادي، وبين الاغتراب أو الاستلاب، حيث «يُوقَف بوجه الإنسان الفرد نتيجة نشاطه الخاص، عمله الخاص، كشيء موضوعي مستقل عنه ويسيطر عليه بقوانين خاصة، غريبة» (التاريخ والصراع الطبقي).

 

ويرى سارتر أن الانفصال بين الذوات الفردية يجعل معرفة الغير تقتضي تحويله إلى موضوع (موضعَته)، وبذلك لن يكون الغير سوى صورة ذهنية. وهذه المقابلة المرآتية لن تُظهر حقيقة الفرد، لأن مثلها كمثل مقابلة بضاعة ببضاعة أخرى في السوق الرأسمالية، هذه المقابلة لا تظهر حقيقة البضاعة أو السلعة، لأن حقيقة البضاعة متوارية خلف جسد البضاعة. ويخرج سارتر بنتيجة مفادها: «لقد لاحظت هذه الملاحظة دوماً: إن أيّ حجة من الحجج «المناوئة للماركسية» ليست إلا تجديداً ظاهرياً لشباب فكرة سابقة للماركسية. وأي «تجاوز» مزعوم للماركسية لن يكون في أحسن الأحوال سوى اكتشاف لفِكْر قد تضمّنته سابقاً الفلسفة التي ظن أنها تُجوّزت» (في القول السياسي – 2 ، الماركسية والوجودية).

في مقدمة كتابه «الرأسمال»، يقول ماركس: إن الهدف النهائي لهذا الكتاب هو الكشف عن القانون الاقتصادي لحركة المجتمع القائم حالياً «أي المجتمع الرأسمالي البورجوازي، فدراسة علاقات الإنتاج في هذا المجتمع المحدد تاريخياً، من حيث نشوؤها وتطوّرها وزوالها، هو مضمون مذهب ماركس الاجتماعي الاقتصادي. وفي المجتمع الرأسمالي يسود إنتاج البضائع، لهذا يبدأ كتاب ماركس بتحليل البضاعة» (لينين: المختارات 5).

 

جاء في «طاسين الأَزْل والالتباس» وهو السادس من طواسين الحلاج: «وحيث إبليس تغيّر عليه العين عبد المعبود على التجريد، ولُعِن حين وصل إلى التفريد، فقال له: اسجد، قال: لا غير، قال له: وإن عليك لعنتي، قال: لا غير. إبليس سقط عن العين، وأحمد كُشف له عن عين العين. قال إبليس: ما سجدت لأحد، ولا أُذلّ لشخص وجسد» (الحلاج، الأعمال الكاملة).

جيجك المتهكم الساخر ينكص كسارتر من ماركس منحدراً نحو هيغل، من التشخيص؛ والتخصيص والحصر والتقييد التاريخي الماركسي إلى التجريد الهيغلي والإطلاق المرسل. جيجك لن يسجد لشخص ماركس. فقد عبد الديالكتيك على التجريد (هيغل) وأنكره على الشخص (ماركس)، وهذا يعني في ما يعنيه: النفور من الممارسة السياسية والحزب السياسي الماركسي.

لافت حقاً أن كل نكوص عن الماركسية وفلسفة البراكسيس (الممارسة) تقود إلى النفسانيات، هكذا وصل جيجك إلى جاك لاكان «مجدد» فرويد والتحليل النفسي الذي قال إريك فروم عن هذا الأخير إنه فكر مأزوم في كتابه «أزمة التحليل النفسي». وأضيف القول: إنه فكر انحطاط ونكوص.

السخرية قائمة في تجديد فكر غير قابل للتجديد، وحين حاول لاكان عمل ذلك وجد نفسه في حقل اللسانيات واللغة، وهو الحقل (حقل الكلمة) الذي برع فيه ميخائيل باختين بعد نقده للفرويدية، حيث خرج بنتيجة خطرة مفادها أن النفس ليست أكثر من محتوى أيديولوجي، أي كلمات.

لهذه الأسباب ولكونه متهكماً وساخراً، وبالرغم من كونه فيلسوفاً بالأساس، فإن جيجك كما يقول اليوسف «لم يترفّع عن الكتابة في أمور متنوعة ومختلفة من دون تمييز ما بين موضوع أعلى أو أدنى مرتبة فكرية. فهو كتب عن الأفلام السينمائية، الهوليودية الترفيهية الطابع، عن الروايات البوليسية، السياسة الراهنة، القضايا الكبرى أو الفضائح، مختلف ظواهر الإعلام والدعاية التجارية بل وحتى عن مقاعد المراحيض، بما يدل عليه الفارق ما بين مقعد مرحاض في بلد أوروبي غربي وآخر هامشي. ولكونه متهكماً وساخراً فجيجك فيلسوف كوميدي ونجم إعلامي إلى حد الظهور بمظهر البهلوان».

يقارب اليوسف جيجك عبر قضايا ثلاث:

الأولى، تجديد الاعتبار للأيديولوجيا، وهذه نعمة لاكان عليه؛ وهي نعمة باختين الذي أعاد الاعتبار للأيديولوجية والكلمة.

الثانية، إعادة الاعتبار للدِّين، بالأحرى إعادة الاعتبار لنقد الدِّين، وهذا الاعتبار النقدي أمر مهمّ. وكنا قد نشرنا مقالاً تحت عنوان «الماركسية في عود لنقد الدين»، وخاصةً أنه نتيجة لظروف نموّ الفكر الاشتراكي في أوروبا وروسيا، فقد اختلط نوع من الإلحاد بالفكر الاشتراكي، لقد حذّر باختين من خطر اشتراكية لا تلقي بالاً للأموات. هذا الإلحاد هو الذي حذّر منه ديستويفسكي وقبله غوغول في أعمالهما الإبداعية العظيمة. الإلحاد ضرب من العدمية المميتة والماركسية فكر اجتماعي – اقتصادي سياسي ذو مقاصد وغايات تاريخية ثورية أبعد ما يكون عن العدمية، وهو لذلك الوارث نقدياً للدين التاريخي، ومنه الإسلام الذي نقل العرب من نظام القبيلة إلى نظام الدولة المركزية (راجع خليل عبد الكريم: «قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية»).

كتب ماركس في مكان ما، والأرجح سنة 1841، أن «الدِّين هو خلاصة الكفاح النظري للبشرية، وإن الدولة هي خلاصة نضالاتها العملية».

يورد اليوسف عبارة منسوبة لجيجك تقول: إنَّ «الدِّينَ أهمُّ قيمة من أن يُترك لرجال الدين».

أمّا القضية الثالثة فهي «المزحة» ودورها الخطير الثوري في تكسير الكثير من المعتقدات والأوهام والضلالات وتقويضها، إنها إبرة ثورية ومطرقة من خشب لتكسير الدوغمائيات. وكان الكاتب التشيكي ميلان كونديرا قد كتب أولى رواياته تحت عنوان «المزحة».

يقول اليوسف: جيجك الكوميدي ودور الكوميديا في الفلسفة الثورية.

عندما زار ماركس الجزائر قبيل وفاته، خرج إلى البحر على قارب يقوده نوتي جزائري. قال له ماركس مسامراً: هل سبق لك وقرأت هيغل، قال النوتي: لا. قال ماركس: لقد خسرت ربع عمرك، وأضاف: هل قرأت الاقتصاد السياسي الكلاسيكي: قال النوتي: لا. قال ماركس: لقد خسرت الربع الثاني من حياتك. وأضاف ماركس: وهل سبق أن قرأت عن الاشتراكية الفرنسية وعن برودون، قال النوتي: لا. قال ماركس: لقد خسرت الربع الثالث من حياتك. وعندها اضطرب المركب ومال وسقط ماركس في مياه البحر. فقال له النوتي: هل سبق أن تعلّمت السباحة؟ قال ماركس: لا. قال النوتي: لقد خسرت حياتك كلّها إذاً. وضحكا… ها ها ها.

* كاتب سوري

الاخبار

‎2022-‎06-‎16