” عندما ترحل العمالقة تتنفس الاقزام “!

اجمل ما كتب مظفر النواب - موقع المرجع

سلام موسى جعفر

ترددت قليلاً قبل قرار الرد على بعض الأصوات النشاز التي تجرأت على الإساءة لأيقونة العراق والعرب الكبير مظفر النواب، إلا أن الغمز ضد الشاعر من قبل من يُفترض بهم الدفاع عنه، إذ كانوا يوما ما على نفس القارب السياسي والفكري، واللمز الذي لم يتوقف عند حدوده، بل تجاوزه إلى التلفيق المُقرف والكذب المفضوح هو الذي دفعني لحسم ترددي .

” أعرف أن الكلمة مخيفة، ولكن الصمت تتجمع فيه الوساخات ” – مظفر النواب

دفع النواب ثمن عدم صمته، فعاش طوال حياته سجيناً ومطارداً ومغترباً في المنافي. فمن غير المعقول أن نصمت ولا نرد – بما نعرف –  على إساءات قزم هنا وآخر هناك ومحاولاتهم تلويث سمعة مناضل ضحى من أجلنا بسنوات عمره .

وقبل ردي على إساءات الأقزام – حسب توصيف الأستاذ الصديق كامل الجباري الذي منه استعرت العنوان – أود الإشارة إلى أن التشييع الرسمي، رغم ما يُمثله من إساءة كبيرة للنواب، لم يستطع تشويه صفحة النواب البيضاء ولم يُمكن النظام من محاولة تبييض سواد وجهه، لأن الرد كان حاضراً وجاءه من حيث لا يتوقع:  “مظفر للشعب… مو للحرامية” . 

لم تترك جهة سياسية أو سفارة أجنبية لحظة توديع النواب إلا ونافقت مُعزيةً شعبنا برحيله ومُشيدةً بـتاريخه ومواقفه المعادية لهم أنفسهم، ولا تستغربوا أن يشارك في جوقة النفاق قريباً ممثلاً للعدو الصهيوني الذي عانى المرارة من تأثير قصائد الراحل الكبير .

إن الشعور بالقزمية والضحالة هي حالة وتركيبة تتعدد أسبابها وتتمظهر بأشكال مختلفة، منها على سبيل المثال السلوك النرجسي، والتصرف الأثول الوراثيّ، ومنها ماهو مجهود عته شخصي .

كان السلوك النرجسي من نصيب الإعلامي في قناة ( روسيا اليوم )  سلام مسافر. والذي يبدو أنه كان ينتظر هذه المناسبة لتفريغ ما في داخله من غل وحقد على النواب إما لسبب أو لآخر. اسباب نجهلها ربما تكون شخصية. كتب المذكور على موقع “روسيا  اليوم” مقالاً بمناسبة وفاة وتشييع النواب فضح فيه نرجسيته المعروفة عنه. استعرض فيه حياة النواب السياسية بطريقة لا تخلو إما من تعمد الإخفاء أو قلة المعلومات، لكن المؤكد أنها لم تكن بريئة من محاولة الإساءة للرجل عبر التشويه .

ورد في سطور مسافر: ” ترددت أخبار عن لقاء بين مظفر والرئيس الراحل صدام حسين، وأن الأخير أهداه مسدسا، وجواز سفر، وأطلق له حرية التحرك “

هنا لا أظن أن السيد سلام مسافر الذي كان بعمر التسعة عشر عاماً وقت حدوث هذا اللقاء، لم يكن على دراية بالوضع السياسي القائم في تلك الفترة، والتي حاول فيها حزب البعث العائد لتوه للسلطة، التقرب من القوى الوطنية والشخصيات السياسية المعروفة ومنها مظفر النواب. اللقاء بمظفر النواب الذي جاء ضمن هذه المحاولات التي تُوجت بإعلان قيام التحالف بين الحزب الشيوعي العراقي – المحسوب عليه مسافر – وحزب البعث بقيادة صدام .

كان النواب على دراية ومعرفة بالنوايا الحقيقية لحزب البعث، واستشعر الخطر المُحتمل على حياته في حالة استمرار رفضه محاولات البعث، ولهذا فضل مغادرة العراق على وضع قلمه في خدمة البعث مستغلا جواز السفر الذي أهداه له صدام في ذلك اللقاء. أما سلام مسافر، الذي يبدو أنه لم يسمع بالمثل الشعبي ” من كان بيته من زجاج.. فلا يرمي الناس بالحجارة ” فقد سُر أشد السرور بهدية البعث، ووضع نفسه تحت تصرفه وراح يكتب في جريدة “الجمهورية” ومجلة “الفباء” .

يستمر سلام مسافر بشد حبل الكذب، رغم علمه بقصره: ” بقي حادث لقاء الشاعر المتمرد مع صدام حسين عالقا في أذهان محبي وكارهي النواب. العاشقون يغفرون له ضعفا، والكارهون يتهمونه بالخضوع للدكتاتور. أما الشاعر المتحول نحو قصائد الهجاء النثرية، فقد التزم الصمت، ولم يعلق علنا، لا على هدية “الرئيس القائد” الفتاكة، ولا على احتلال العراق… ” ويضيف: ” لم يعارض الشاعر نظام ما بعد العام 2003 الذي علق صدام حسين على حبل المشنقة، ولم يتحمس لانتفاضات العراقيين ضد الفساد والاستبداد…ظل شاعر (البنفسج) رماديا حتى مماته في مستشفى بدولة الإمارات ” .

هذا كذب مفضوح ومحاولة إساءة بأسلوب لا يخلو من الدناءة. فمن غير المعقول أن سلام مسافر لم يكن يعرف أن مظفر النواب لم يلتزم الصمت وتحدث بكل وضوح وصراحة عما جرى في ذلك اللقاء بصدام. فالصحفي المحترف لابد أن تكون لديه أرشيفات يعود إليها عند الحاجة، وما ينقصه يعثر عليه بالنقر في الانترنت . 

يُمكن لقارئ سطوري الراغب بمعرفة إن كان النواب فعلاً التزم الصمت أم لا، مشاهدة وسماع مظفر النواب وهو يتحدث شخصياً عن ذلك اللقاء، وسيكتشف المشاهد بنفسه حقيقة الأمر . 

مظفر النواب ليس حزباً سياسياً وبالتالي ليس ملزماً أن يُصدر وثيقة سياسية توضح موقفه من كل حدث. ومع ذلك فقد وقف ضد احتلال بلاده وصرح بذلك في أكثر من مناسبة، ورفض العودة إلى العراق في ظل بقاء قوات الاحتلال. مظفر زار وطنه فقط بعد اعلان انسحاب جيش الاحتلال في العام 2011، واستقبله وقتها الرئيس السابق جلال الطالباني.

رفض النواب ما عُرض عليه من تعويضات عن سنوات السجن والمطاردة والمنافي. ويبدو أن هذا الرفض هو الذي دفع بحكومة الخضراء إلى فرض شرط عودته لمزاولة وظيفة التدريس لمدة لعامين – وهو في عمر ال 77عام – مقابل الموافقة على صرف تقاعد الخدمة. ثم ينظم له الآن ” أولاد الق.. ” جنازة رسمية، فهل يوجد نفاق أكبر من هذا ؟!

يبدو أن الموقف الرمادي عند السيد مسافر هو ذلك الموقف الذي يرفض الإشادة ب “شجاعة صدام حسين”، كما كتب المذكور يوما ما، كشرط لمناهضة الاحتلال .

لا أستغرب أن شاعرنا الكبير احتاط مسبقاً حين كتب: ” إذا كان البعض يفكّر في النّيل منِّي، هذا أنا، لست أملك إلا القميص الذي فوق جلدي وقلبي وراء القميص يلوّح ” .

وبخصوص الثول فقد عُرف عن أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية العراقية السابق قلة الفهم. وهذا الذي سهل على صدام حسين تحويل البكر إلى مجرد صورة في إطار معلق على الجدار ( طرطور )، وبالتالي الانفراد بالسلطة. وحين قرأت ما كتبه عبد السلام البكر عند وفاة مظفر النواب تأكد لي أن الثول نعمة وراثية خصها الله لصنف من الناس. فابن الاثول يُعيب على النواب ترك بلده ” ولم يكن ملاحقاً “، ويتهمه بالصمت على احتلال بلده ثم يعيب عليه عدم العودة إلى العراق في ظل الاحتلال

 أما العته بالمجهود الشخصي المحض

فهي الحالة التي سأعرضها لمغمور يدعي الشعر أراد الشهرة عن طريق ” خالف تُعرف ” فكتب خبط لزق:

” إنَّ ما كتبهُ مظفّر النوّاب بالدارجة لا يخرج عن الإطار المبتذل من الشِعر. وقد شَعرَ بذلك مُبكراً. فانتقل إلى كتابةِ الشِعر الفصيح، لكنَّ اللغة خذلته! لأنَّ ركوبَ الحمار ليس ركوب الحصان!

السكينة والرحمة لروح مظفّر النوّاب. “

وعلى الرغم من مئات التعليقات التي تناولته بالسخرية والاهانة، إلا أنه أصر على إبقاء منشوره المُبتذل. ولأن هدفه الشهرة امتنع عن ذكر اسمه كي يبقى في مكانه الطبيعي.

‎2022-‎05-‎26