رسالة الى مظفر النواب!

رحيل الشاعر العراقي مظفر النواب | الميادين

كتب الدكتور علاء بشير

في احد ايام شتاء 1960، اصطحبتك بسيارتي من داركم في كرادة مريم وذهبنا الى دار صديقنا الكبير حافظ الدروبي في الكرادة الشرقية كعادتنا كل يوم اثنين وخميس. يومها قررت الا اذهب معكم لرسم الطبيعة او رسم بورتريه او شيء من الحياة التي نشعر انها جامدة، وقتها بينت لك الاسباب التي دعتني لذلك. انت نهضت وقبلتني مؤيدا لمواقفي من الفن.

في ذلك اليوم لم نمكث طويلا كعادتنا في دار المرحوم حافظ الدروبي، اوصلتك لداركم في كرادة مريم ورجعت انا لدارنا في العطيفية، وفي الطريق كررت عليّ اكثر من مرة من اني ابدوا غير مرتاح، وكنت صائبا كعادتك، وصلت دارنا قبل منتصف الليل بقليل، سمعت رنين التلفون وكنت انت على التلفون تسألني ان لا زال مزاجي ليس طبيعيا كما وصفته انت؟ انتهت المكالمة بامنياتنا ان يحمل لنا الصباح الخيرات، مرت نصف ساعة وسمعت صوت جرس باب الدار كانت الساعة قد قاربت الواحدة بعد منتصف اليل، فتحت الباب فكنت انت جئت بسيارة أجرة، دخلنا غرفتي، سألتك ما الذي دعاك للمجيء في هذه الساعة من الليل؟ قلت: شعرت ان مزاجك ليس كما هو فقررت المجيء لاكون بقربك لاغني لك مقاطع من اغنيات أم كلثوم التي تحبها، واقرأ لك من اشعاري التي تحبها.

من يفعل ما فعلت يا مظفر؟

ليلتها حقا تغير مزاجي ليس بالاغنيات لكن بوجودك الغني الذي ينضح منه الصدق والوفاء والكرم والامانة وسمو الاخلاق النقية.

وقتها اخبرتك عن رؤيتي للفن في رصد رحلة الانسان، من رحم الام الى رحم الارض، وقلت لك ان رحم الام يشبه في شكله شكل القبر (رحم الارض)، والرحلة بينهما وهم، ونحن لا ندرك كيف كنا في رحم الام ولن ندرك ماذا سنكون في رحم الارض. قلت لي اذن .. من يذهب اولا عليه ان يبعث اشارات للثاني.

اليوم اقول لك وانت في القبر . يا مظفر انت اغنيت حياتي حيا وميتا، وتركت عندي فراغا بعمق الحياة والموت.

رحمك الله وطيب ثراك واحسن اليك. وستبقى معي مادمت انا حيا .

‎2022-‎05-‎26