… وحتى الآن!

كتبت:ميسر السردية
يرى محمد عمارة في كتابه “مسلمون ثوار” أن الماوردي سبق ابن خلدون ومفكري النهضة الأوروبية بقرون، حيث قدّم في “أدب الدين والدنيا” رؤية متكاملة تجمع بين حكمة الشريعة وواقع العمران، مؤسساً لمجتمع متوازن تقوم عليه حياة المجتمعات ويستقر شأن الدولة.
يؤكد الماوردي أن الإنسان “حيوان اجتماعي ومدني بطبعه”، ومن هذه الطبيعة تنشأ المجتمعات، ومن حاجاتها تبرز السلطة كأداة مدنية لمعالجة المشكلات الناتجة عن اجتماع البشر. والفرد في هذه الرؤية ليس كائناً معزولاً، بل الاجتماعيّة غريزة أصيلة في جوهره.
الماوردي يدعو إلى نظرة متوازنة تجمع بين حقوق الفرد ومصالح المجموع، فـ”صلاح الفرد مرتبط بصلاح المجموع، وصلاح المجموع لا يتحقق إلا بصلاح الأفراد”.
مفهوم الأدب يتسع عنده ليشمل “أدب الشريعة”، وهو ما يؤدي الفرض، و”أدب السياسة”، وهو ما يعمر الأرض. وكلاهما يرجع إلى العدل الذي يمثل القاعدة الثالثة من قواعد الإصلاح. فالعدل شرط لاستقرار السلطان وعمران البلاد، وبدونه تتحول الطاعة إلى انقياد جبري. يقول الماوردي: “الطاعة اختيارية لا تكون في بيئات يسودها الظلم”.
أما نظرية الأمن عند الماوردي فتجمع بين الأبعاد المادية والمعنوية؛ فالأمن لا يقتصر على تحقيق الطمأنينة النفسية، بل يتعداه إلى تمكين الإنسان من ممارسة حياته الطبيعية وإطلاق الطاقات الكامنة في المجتمع.
على المستوى الفردي، يحقق الأمن انبعاث الهمم والطاقات الكامنة، وتحقيق الذات في مختلف الميادين، وحلول السكينة في النفوس. أما على المستوى المجتمعي، فيؤدي إلى انتشار النشاط الاقتصادي، وازدهار حركة العمران، وتنامي الثروة والقوة.
ذلك أن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم، ويكفّهم عن التصرف بحرية، ويمنعهم عن أسباب الثروة، مما يعطل قوام حياتهم وانتظام مجتمعهم. وتظهر نظرية الأمن كنتاج طبيعي للعدل، حيث تلعب عدالة توزيع الثروة دوراً محورياً في تقويم السلوك.
وفي النهاية، يمثل “الأمل الفسيح” القاعدة السادسة في منظومة الإصلاح، حيث يُدفع الناس لتخطي حاجاتهم الآنية والعمل من أجل المستقبل. فبدون الأمل، لا يبني الإنسان لما بعد عمره، ويسود التقهقر والخراب.
وعليه، كانت قواعد الإصلاح الماوردية ستة: دين متبع، سلطان قاهر، عدل شامل، أمن عام، خصب دائم، وأمل فسيح، تمثّل خلاصة رؤيته لمجتمع يجمع بين متطلبات الدنيا والآخرة، والفرد والجماعة، في توازن بديع يسبق عصره بقرون.
المُحيّر في أمتنا أن ذات التحديات التي أرقت مجتمعات الأسلاف تتكرر عبر القرون بمسبباتها وعواقبها المماثلة. والسؤال الذي يظل مطروحاً: لماذا ما زلنا نواجه المعضلات ذاتها بعد كل هذا الدهر؟ حتى تبدو مجتمعاتنا وكأنها تسمرت وتكلست في مكانها بفعل ساحر لا يُفك له طلسم.
المشهد واحد، وإن اختلف المسرح والأزياء ووسائل التصوير ووقت العرض. لقد اجتهد هؤلاء الأوائل على اعتبارات “لعل وعسى” وماتوا حزانى، وفي نفوسهم شيء من “حتى”، نفس تلك “الأشياء” مازالت تتراءى في أحلام من بعدهم وهم يغطون تحت لحاف “بلا كيف”.
2025-11-29