منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية والتي وقف فيها الغرب إلى جانب أوكرانيا ، التي تعتبر بمثابة امتداد للنظام الاستعماري الامبريالي الغربي، الذي يرى فيها بوابته الشرقية من أجل اختراق روسيا ومحاولة زعزعة أمنها وضرب استقرارها، باعتبارها تقع على الحدود الشرقية لروسيا، التي يعتبرها حلف الناتو تهديداً استراتيجياً يمكن أن يؤثر على تغيير موازين القوى والمعادلات الجيواستراتيجية في الكثير من نقاط الارتكاز الجغرافي في العالم، باعتبار أن حلف الناتو له تواجد مباشر في الكثير من المناطق المهمة كدول أوروبا الشرقية والشرق الأوسط و شمال أفريقيا .
فهذا الحلف العسكري يعتبر بمثابة الذراع العسكرية القوية للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وهي التي تتبنى سياسة عدائية واضحة ضدّ توجه الرئيس فلاديمير بوتين للحفاظ على الأمن القومي الروسي، وضمان استعادة روسيا لدورها الريادي، وخاصة في مناطق نفوذها التقليدي، وذلك بعدما تعافت كلية كما يؤكد على ذلك الكثير من الخبراء من آثار انهيار الاتحاد السوفياتي سابقاً، حيث كانت روسيا دولة منهارة اقتصادياً و ضعيفة عسكرياً وقرارها السّياسي مرهون بيد الولايات المتحدة الأمريكية التي كان مستشار وها هم من يديرون الكريملن، ويوجهون السّياسات الخارجية الروسية في الكثير من الملفات الإقليمية والدولية بما يخدم السّياسة الامبريالية الأمريكية.
فالاتحاد السوفياتي إلى جانب دول الكتلة الشيوعية، شكل سداً منيعاً وقف في وجه المخططات الغربية لاستعباد شعوب العالم ونهب ثرواتها واستعمارها، وبسقوطه استطاعت واشنطن وباستعمال أدواتها الوظيفة السّياسية والاقتصادية والعسكرية، كمنظومة حلف الناتو أن تهيمن على صناعة وتوجيه القرار الدولي بما يخدم استراتيجيتها التوسعية، فقامت بغزو يوغسلافيا في عهد سلوغودان ميلوزوفيتش في 1995م، ثم غزت أفغانستان واحتلتها في2001م ثم العراق في 2003م…الخ، تحت ذريعة محاربة الإرهاب الدولي وسط صمت دولي مريب.
فحلف الناتو إلى جانب تقديمه مساعدات مالية وعسكرية وإقامة جسر جوي نحو أوكرانيا لتزويدها بأحدث أنواع الأسلحة والذخيرة، قامت دوله بفرض عقوبات قاسية ومجحفة على روسيا والدفع باتجاه إسقاط الاقتصاد الروسي، وتشديد الخناق عليها من أجل عزلها عن النظام المصرفي الدولي، بل ذهبت لأبعد من ذلك عندما قامت باستهداف حلفاءها كما فعلت واشنطن مع الرئيس الباكستاني عمران خان بعدما قام بزيارته الأخيرة لموسكو، حيث التقى الرئيس فلاديمير بوتين، وهو الذي رفض الانصياع للإملاءات الأمريكية والغربية ورفض التصويت لصالح قرار أمريكي في الأمم المتحدة يدين الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث أكد في تصريحات صحفية بأن تحرك المعارضة لعزله، هو محاولة أمريكية لتغيير النظام في باكستان، واتهمها صراحة بأنها تتآمر ضده منذ أن زار موسكو، فيما كانت روسيا ماضية في غزوها لأوكرانيا. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 2أفريل/نيسان 2022م في مقتل بعنوان( عمران خان يتهم الولايات المتحدة بدعم محاولة الاطاحة به، والبيت الأبيض يرد).
فقادة منظومة الناتو باتوا على يقين بأن حضارتهم الغربية والتي يدعون بأنهم يمثلونها ويدافعون عن قيمها لم تعد بذات القوة التي كانت عليها في القرن 18م، وبأن التوازنات الأستراتيجية قد بدأت تتغير لصالح دول كروسيا والصين وإيران، وهذا ما أشار إليه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في تصريح صحفي، والذي يمكن اعتباره أهم تصريح له طوال مسيرته السّياسية، حيث قال: على هامش مؤتمر دول السبع الكبرى الذي عقد في مدينة بيارينز على شاطئ المحيط الأطلسي، ” نحن لا نشك حالياً بأننا نعيش مرحلة نهاية الهيمنة الغربية على العالم، فلقد كنا معتادين على نظام عالمي منذ القرن 18م يستند إلى الهيمنة الغربية، ولا شك في أن هذه الهيمنة كانت فرنسية في القرن 18م، بفضل عصر الأنوار، وفي القرن 19م كانت بريطانية بفضل الثورة الصناعية، وبصورة عقلانية كانت تلك الهيمنة أمريكية في القرن 20م، لكن الأمور أخذت في التقلب و التغير بسبب أخطاء الغربيين في بعض الأزمات”. كما ذكر موقع صحافة الجديد، بتاريخ 27أوت/تموز 2019م، في مقال بعنوان(ايمانويل ماكرون يعترف بأفول الهيمنة الغربية على العالم).
وبالتالي فإدراكهم لهذه الحقيقة التاريخية، يدفع الدول الغربية لمحاولة منع حدوث ذلك الانهيار الحتمي للحضارة الغربية وباستعمال كل الطرق والوسائل الممكنة، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد المحافظة على مكانتها و استمرار هيمنتها على القرار الدولي، و ذلك من خلال منع سقوط أوكرانيا بيد الروس، والتي تعتبر بمثابة أخر قلاع المقاومة الغربية التي تحول دون إعادة بناء النظام العالمي بعيداً عن الهيمنة الغربية، و الخطوات التصعيدية التي تحضر الولايات المتحدة وبريطانيا لها مستقبلاً والتي تهدف إلى طرد روسيا من عضوية مجلس الأمن الدولي، وهي التي تعتبر من ركائزه الأساسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، باعتبارها إحدى الدول التي ساهمت في انتصار الحلفاء على دول المحور، بالإضافة إلى أن واشنطن قد وضعت قوات الناتو على أهبة الاستعداد، ورفعت من جهوزيتها القتالية، بما فيها قوات التدخل السريع التي تعتبر بمثابة قوات النخبة في حلف شمال الأطلسي، ضف إلى ذلك أن أمريكا رفعت من عدد قواتها في قواعدها العسكرية المتواجدة في دول أوروبا الشرقية واليابان وكوريا الجنوبية، بعدما عجزت القوات الأوكرانية المدعومة بآلاف المرتزقة الذين قدموا من مخالف الدول، في دحر تقدم القوات الروسية نحو العاصمة كييف.
فالرئيس الأمريكي جوزيف بايدن والذي أكد في العديد من المرات بأن بلاده لن ترسل جنوداً لأوكرانيا وبأنه لن يدخل في مواجهة مباشرة مع روسيا، قد يضطر في نهاية المطاف لتشكيل حلف دولي كما فعل سلفه جورج بوش الابن في العراق، وهذا ما سيؤدي لاندلاع الحرب العالمية الثالثة، فروسيا ليس أمامها طريق سوى النصر كما أكد على ذلك المفكر الروسي الشهير البروفيسور ألكسندر دوغين، حتى ولو كلفها ذلك استعمال السّلاح النووي، وذلك من أجل ضمان أن تبقى روسيا دولة قوية، فالاستخبارات الروسية على يقين بأن الولايات المتحدة الأمريكية تخطط منذ سنوات لاحتلال روسيا، و السيطرة على موسكو وهي المدينة التي فشل هتلر في احتلالها خلال الحرب العالمية الثانية، فيما نجح نابليون بونابرت في ذلك سنة 1812م، ولكنه فشل في احتلال ما تبقى من الإمبراطورية الروسية المترامية الأطراف، وكذلك نجح العثمانيون في احتلالها واحراقها بالكامل فيما عرف بالحريق العظيم سنة 1571م، ولم يستطع أحد احتلال روسيا بالكامل إلا التتار ما بين سنتي 635_636م، وارتكبوا في أثناء ذلك مجازر كبرى مروعة. كما ذكر موقع اليوم السابع، بتاريخ 4أفريل/نيسان 2022م في مقال بعنوان( احتلال موسكو نابليون والتتار، حققا ما فشل فيه الجميع).
فواشنطن التي تدرك جيداً بأن انتصار روسيا في حربها على أوكرانيا، سيؤدي لبروزها كقوة عظمى مركزية جديدة، وهذا ما سيؤدي بالتالي لأفول وتراجع دور ومكانة الإمبراطورية الأمريكية، التي أدرك حلفاءها التقليديون في الشرق الأوسط أوروبا، بأنها باتت أضعف مما كانت عليها في عهد أوباما، وأصبحت غير قادرة على حمايتهم، وبالتالي عليهم إعادة النظر في علاقاتهم الاستراتيجية معها، و تعويضها بالتقارب مع دول كروسيا والصين، أو أحد حلفاء روسيا الموثوقين، وهذا ما سيفرض على أمريكا وحلفاءها في حلف الناتو الدخول في مواجهة شاملة مع روسيا، و عدم الاكتفاء بدحر قواتها عن أوكرانيا، بل اجتياحها بالكامل، وهذا ما ستكون له عواقب وخيمة على الحضارة الغربية، حيث ستمحى دول بأكملها من الخارطة الجيوسياسية لأوروبا اذا ما تمّ استخدام السلاح النووي، لأنها ستكون بمثابة حرب وجودية بالنسبة لجميع الأطراف المشاركين فيها، ولن تكون حرباً تقليدية أو بالوكالة بين أمريكا والاتحاد السوفياتي كما كانت إبان فترة الحرب الباردة .