عميرة أيسر
التصريحات التي أدلى بها مسؤولين إسرائيليون، والتي فحواها بأنهم يساندون الموقف الأوكراني، ويقفون في صف الدول الغربية المناوئة لبوتين، باعتبار أن زلينسكي من أصول يهودية إسرائيلية، تعكس الموقف الرسمي الاسرائيلي، الذي يعادي السّياسة الروسية ضدّ العالم الغربي بشكل عام الذي يحاول حسب بوتين تدمير روسيا وتقسيمها، ويعتبر بأن أمريكا وإسرائيل تدعمان الحركات النازية الجديدة في أوكرانيا، وهذا ما أكد عليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الكثير من تصريحاته الاعلامية، حين ربط بين النازية واليهودية، وقال بأن هناك علاقة وثيقة بينهما وربما كان يشير في ذلك للاتفاق السّري الذي عقده الزعيم النازي أدولف هتلر مع الوكالة اليهودية لتهجير اليهود لفلسطين المحتلة، في مقابل دعمه مالياً في حربه مع الحلفاء، وهي التي عرفت تاريخياً باتفاقية النقل أو هعفراه، و تمّ توقيعها بين ألمانيا النازية ويهود ألمانيا الصهاينة، بتاريخ 25أوت/ أغسطس 1933م، وعقدت بين ثلاثة أطراف، الاتحاد الصهيوني الألماني والبنك الأنغلو فلسطيني (تحت إدارة الوكالة اليهودية)، والسلطات الاقتصادية لألمانيا النازية، وسهلت هجرة 60 ألف يهودي ألماني لفلسطين ما بين عامي 1933م- 1939م. مثلما ذكر موقع عربي بوست، بتاريخ 12ماي/ أيار 2022م. في مقال بعنوان ( هل ساعد هتلر في تأسيس إسرائيل؟ تفاصيل الصفقة التي أفضت إلى هجرة يهود ألمان لفلسطين بمقابل مادي).
فعلاقات العمل القديمة التي جمعت بين النازية واليهودية، و التي تحدث عنها وزير خارجية روسيا، يبدو أنها في طور التشكل مرة أخرى مع وصول التيار القومي الفاشي المتعصب لحكم أوكرانيا، والذي يساند الحركة الصهيونية ويدعمها، ويدعو علانية إلى القضاء على الأقليات الغير أوكرانية، كالأقلية الروسية، حيث أن الروس الذين يعيشون في أوكرانيا، أو الأكران المنحدرين من أصول روسية، رفضوا التصويت لصالح زلينسكي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في هذا البلد، بتاريخ 31 مارس/ أذار 2019م، حيث فاز بها حزب خادم الشعب الذي ترأسه فولوديمير زلينسكي بنسبة 73.22 بالمئة من الاصوات، بينما تحصل غريمه المستقل نيروبوتشنكو على 24.46 بالمئة، ليترأس زلينسكي أوكرانيا بدعم قوي من اللوبي الصهيوني الذي له نفوذ كبير في كييف، وتبني الرئيس الجديد لأوكرانيا منذ ذلك الوقت أطروحات السّياسة الإسرائيلية، وعمل على تنفيذ استراتيجيتها في شرق أوروبا، وتقوية علاقاته العسكرية والاقتصادية مع تل أبيب، التي باتت ترى في ذلك التعاون وخاصة في مجال الأسلحة المتطورة وأنظمة الدفاع الجوي تهديداً لنفوذها وتفوقها العسكري في شرق وشمال أوروبا وبحر البلطيق، فالجيش الاسرائيلي كان له دور بارز في تدريب وتأطير القوات الأوكرانية في حربها ضدّ الجيش الروسي، وهذا ما كشفه وثائقي بثه التلفزيون الصهيوني، بتاريخ 12 ماي/ أيار 2022م، في مقال بعنوان ( فيديو لوحدات خاصة قدمت من أسراءيل إلى أوكرانيا لقتال العسكريين الروس بأسلوب الجيش الاسرائيلي).
فقيادات الدولة الروسية يرون بأن التحالف الاستراتيجي بين تل أبيب وكييف، شجع الكثير من المتطوعين من مختلف الجنسيات، على الخدمة في صفوف الجيش الأوكراني، وهذا ما أغضب روسيا التي لن تغفر لإسرائيل دعمها للموقف الأمريكي في أروقة الأمم المتحدة ضدها، وخاصة بعد أن قامت وزارة الهجرة الاسرائيلية بدعوة المواطنين الروس من أصول يهودية لترك روسيا والهجرة لإسرائيل، والبالغ عددهم 165 ألف يهودي، وذلك بعدما قرر بوتين استدعاء جنود الاحتياط وإعلان التعبئة الجزئية في صفوفهم، فإسرائيل تنظر بحذر لخطوات بوتين التصعيدية والتي تستهدفها، فهو لم يتورع في إغلاق مكتب الوكالة اليهودية في كافة أنحاء البلاد، وهي التي ظلت تنشط بصفة رسمية هناك منذ سنة 1989م، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي سابقاً، و الذي كان من أوائل الدول اعترافاً بهذا الكيان الغاصب، ومن أكبر داعميه ظناً منه بأنه سيكون قاعدته الشيوعية في مواجهة الدول الغربية الاستعمارية في منطقة الشرق الأوسط في إطار الحرب الباردة، لكن سرعان ما انقلب على هذا الكيان، بعدما اختارت إسرائيل ومؤسسها بن غوريون الاصطفاف إلى جانب أمريكي وحلفاءها، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عرفت العلاقات بين البلدين توتراً وتراجعاً كبيرين، ولكن مع وصول فلاديمير بوتين للسلطة، عرفت العلاقات الروسية الصهيونية تطوراً ملحوظاً، حيث كان بوتين على علاقة وثيقة مع العديد من قادة الكيان المحتل، حيث عمل بعد الحرب الغربية على سوريا سنة 2011م، على ايجاد نوع من التوازن الاستراتيجي بين حليفه بشار الأسد، وحلفاءه في إسرائيل، حيث امتنع عن تزويد دمشق بمنظومة صواريخ أس 300 والنسخة المحدثة منها أس 400، أو أي نوع من الأسلحة المتطورة الكاسرة للتوازن، وغضت موسكو الطرف عن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مختلف المدن والبلدات السورية، واعتبرت الحرب بين محور المقاومة والجيش الصهيوني حرباً عقائدية وجودية وتكتيكية، وليست معنية بالوقوف في صف أي طرف من أطراف الصراع، بالرغم من تزويدها كلاّ من المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وحزب الله في لبنان وحتىّ الحوثيين باليمن بصواريخ الكورنت المضادة للدبابات و الدروع عن طريق الجيش السوري، فروسيا التي ضاقت ذرعاً بالتصريحات والتصرفات الإسرائيلية، أعلنت وبصفة رسمية دعمها لحق سوريا في استعادة أراضي الجولان المحتل، وكل الأراضي التي خسرتها في حروبها مع الجيش السوري.
فالتغيرات التي حصلت في الموقف السّياسي والاستراتيجي الروسي مع أسراءيل نابعة من حرص موسكو على ردع أية دولة تعادي وتعرقل مصالحها ليس في أوكرانيا بل حتىّ في الشرق الأوسط، لأن بوتين الذي عمل على إعادة النفوذ الروسي في البحر الأبيض المتوسط، واحياء علاقات الصداقة والتعاون السّياسي والاقتصادي والعسكري التي كانت تجمع الاتحاد السوفياتي قبيل انهياره مع عدد كبير من بلدانه، يريد تحجيم الدور الاسرائيلي الذي يراه قد تجاوز كل الخطوط الحمراء، وأصبح يشكل عائقاً أمام المصالح الروسية في المنطقة.
فالروس ومن خلال عقيدتهم العسكرية الجديدة، التي غيرت من مفهوم الأمن القومي للدولة الروسية، يحاولون تنويع حلفاءهم في كل النقاط الاستراتيجية، وخاصة تلك التي تقع في المناطق الساخنة كالشرق الأوسط، ويعتمدون بالدرجة الأولى على حلفاءهم التقليديين، فالنظام الروسي الحالي أصبح يرى في إسرائيل العدو المتحمل لها في المنطقة، وهذا ما جعله يعطي الضوء الأخضر لقوات الجيش الروسي العاملة في سوريا، لاستعمال بطاريات صواريخ نظام أس 300 المتطورة للدفاع الجوي، والتي استهدفت طائرات اسرائيلية أثناء عودتها من هجوم نفذته على مواقع إيرانية شمال غرب سوريا، بحسب تقرير ل ” القناة 13″ الاخبارية الصهيونية. كما ذكر موقع العربية، بتاريخ٠17ماي/ أيار 2022م، في مقال بعنوان ( طالت طائراتها………. هكذا ردت روسيا على إسرائيل في سوريا).
وكذلك فإن التنافس الروسي الاسرائيلي في الشرق الأوسط قد انتقل إلى ميدان الطاقة، وخاصة الغازية إذ أصبح الكيان الصهيوني يعتبر كأحد البدائل التي تفكر الدول الأوروبية في استيراد الغاز منها، لتغطية عجزها الكبير المسجل في احتياجاتها من هذه المادة الطاقية الحيوية، بالإضافة لدول كقطر والولايات المتحدة الأمريكية والجزائر ومصر، وهذا ما لا يريد
بوتين حدوثه لذلك فإنه قد يفتعل حرباً إقليمية شرق أوسطية عن طريق حلفاءه كإيران أو سوريا، خاصة وأن هناك تصعيداً في اللهجة من طرف قادة حزب الله ضدّ إسرائيل فكل الخيارات باتت متاحة أمام قياداته، بعد أن أبدى الكثير من أعضاء حكومة لابيد وحتى قادة المعارضة في إسرائيل وعلى رأسهم نتنياهو رفضهم ترسيم الحدود البحرية بين تل أبيب وبيروت وفق ما تنص عليه اتفاقيات الأمم المتحدة البحرية الملزمة، إذ تريد إسرائيل حرمان لبنان من استغلال ثرواته الغازية الواقعة ضمن تلك الحدود، والتي تستطيع في حال استخراجها والبدأ في تصديرها اخراجه من الأزمة الاقتصادية التي يتخبط فيها، لذلك فهي تضغط بدعم أمريكي لثنيه عن مطالبه المتعلقة بتشغيل حقل كاريش الغازي، لتبقى إسرائيل الدولة الوحيدة التي تمتلك أكبر عدد من المنصات الغازية البحرية في المنطقة، التي تدر عليها مليارات الدولارات سنوياً، وبالتالي فموسكو ليس من مصلحتها أن تتوطد العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني، خاصة فيما يخص انشاء مشاريع طاقية مشتركة في البحر الأبيض المتوسط، لذلك هي ستضغط من أجل تحجيم النفوذ الطاقي لتل أبيب، التي تسرق ثروات الشعب الفلسطيني البحرية، لأن بوتين لن يسمح لكيان مصطنع أن يتحدى قوته العسكرية و الطاقية الكبيرة، وسيجعل إسرائيل تدفع غالياً ثمن مواقفها العدائية ضدّ روسيا مستقبلاً.
-كاتب جزائري
2022-10-08