هل قررت روسيا معاقبة أمريكا اقتصادياً؟
عميرة أيسر*
رغم أن روسيا قد تضررت إلى حدّ ما بالعقوبات الغربية التي طالتها بعد اجتياح أوكرانيا، إذ أدت تلك العقوبات لتراجع مداخيل البلاد من العملات الأجنبية الصعبة، ولضرر جزئي أصاب اقتصادها، ولكن صناع القرار في الكرملين قد نجحوا في التخفيف من وقع هذه العقوبات على الدولة الروسية وتحويلها لصالحهم من خلال جعلها ذريعة لإيقاف امدادات الطاقة للكثير من الدول الأوروبية الداعمة للموقف الأوكراني ولحزم العقوبات الأمريكية المتتالية، التي كانت الأقسى والأكثر تشدداً وخاصة تلك المتعلقة بقطاع البنوك، حيث فرضت واشنطن عقوبات مالية وقامت بتجميد أرصدة عدد من رجال الأعمال الروس المحسوبين على الكرملين في أمريكا، بالإضافة لذلك قامت بفرض عقوبات قاسية على كل الشركات الأمريكية العاملة في روسيا والتي رفضت الانسحاب من الأسواق الروسية امتثالاً للعقارات الغربية، واعتبرتها شركات معادية للسياسة الأمريكية، وقامت أيضاً بفرض عقوبات مالية واقتصادية على العديد من الشركات العمانية والاماراتية والروسية والصينية …الخ، لتورطها كما تقول واشنطن في صناعة الطائرات المسيرة الروسية، اذا أكدت وزارة التجارة الأمريكية أن تلك الكيانات قد زودت شركة روسية مدرجة على القائمة السوداء بأجزاء لصنع طائرات بدون طيار لدعم مجهود موسكو الحربي في أوكرانيا، فالعقوبات بالمجمل تستهدف 28 كياناً. كما ذكر موقع عربي 21، بتاريخ 26 سبتمبر/ أيلول 2023م، في مقال بعنوان ( عقوبات أمريكية على شركات بينها إماراتية وعمانية لتورطها بدعم روسيا).
فالعقوبات الأمريكية على روسيا والتي انعكست سلباً على الاقتصاد العالمي جعلت روسيا تفكر في انتهاج نفس الأسلوب مع واشنطن لأن روسيا تمتلك عدة أوراق اقتصادية وتجارية رابحة استطاعت توظيفها في معركتها مع العم سام، إذ أوعزت قيادة الكرملين لشركة روسا توم الروسية التي تعتبر من أهم الشركات العالمية في مجال تخصيب اليورانيوم والواقع مقرها في مدينة سان بطرسبورغ بإيقاف توريد اليورانيوم للولايات المتحدة الأمريكية حسبما ذكرت على حسابها على تلغرام، و المعتمدة بشكل كبير على اليورانيوم الروسي في تشغيل مفاعلاتها للطاقة النووية لإنتاج الطاقة الكهربائية إضافة إلى ذلك المستورد من كازاخستان والنيجر وأستراليا، فارتفاع أسعار اليورانيوم المخصب بسبب الأزمة في النيجر وزيادة الطلب العالمي عليه، دفع الولايات المتحدة الأمريكية لمحاولة فرض هيمنتها على مناجم اليورانيوم في النيجر، وملأ الفراغ الذي تركته الشركات الفرنسية، ولكن على ما يبدو فإن روسيا تسيطر على سوق اليورانيوم بما في ذلك السوق الكندية، عن طريق شركة يورانيوم وان غروب، فحسب الأرقام الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فإن الولايات المتحدة الأمريكية حصلت على 16 بالمئة من منتجات اليورانيوم الروسي سنة 2020م، لتكون روسيا أكبر مورد لأمريكا بعد كل من كندا وكازاخستان حيث حصلت كل منهما على 22 بالمئة من منتجات اليورانيوم فيما حظرت واشنطن استيراد منتجات الوقود الأحفوري من روسيا، الاّ أنها لم تفرض عقوبات ولم تحظر استيراد اليورانيوم الروسي. كما ذكر موقع الروية، بتاريخ 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، في مقتل بعنوان ( تسيطر على 36 بالمئة….. هيمنة روسيا على سوق الوقود النووي. يزيد قلق الغرب).
فبوتين يدرك أكثر من غيره بأن إطالة أمد الحرب الروسية على أوكرانيا سيتطلب ضخ المزيد من الأموال لتمويل المجهود الحربي، فالاقتصاد الروسي هو اقتصاد ريعي يعتمد على مداخيل المحروقات والغاز وبيع المواد الأولية الخام بالدرجة الأولى، على خلاف الاقتصاد الصيني أو الأمريكي الذي يعتمد على الصناعات الثقيلة و التكنولوجية وعلى استيراد المواد الأولية من الدول النامية، لذلك لجأ بوتين لأهم مورد تصدره روسيا خارج قطاع المحروقات وهو اليورانيوم المخصب والخام، فالاستراتيبجية الروسية الاقتصادية أصبحت تعتمد على إلحاق الضرر بالاقتصاد الأمريكي، ودفع المواطن في بلاد العم سام للاحتجاج على ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات المقدمة من طرف الحكومة الأمريكية، لأن ارتفاع أسعار المحروقات في الأسواق الدولية كما هو حاصل حالياً بالإضافة لأسعار اليورانيوم، والكثير من المواد الخام المستخدمة في العديد من الصناعات والبتروكيماوية يؤدي بالتبعية لتدني شعبية الرئيس بايدن، وخسارته للانتخابات الرئاسة القادمة وهذا ما يريده الكرملين، الذي يعتبر بايدن معادي لسياساته الدولية ويريد هزيمة الروس في أوكرانيا بل عمل منذ توليه مقاليد الحكم في بلاد العم سام على حصار روسيا وعزلها عن المجتمع الدولي، فبايدن من يقف خلف مذكرة الاعتقال الدولية التي صدرت من محكمة الجنايات الدولية، إذ قال في مؤتمر صحفي : بأن نظيره الروسي فلاديمير بوتين قد ارتكب جرائم حرب في أوكرانيا، وأن قرار محكمة الجنايات الدولية إصدار مذكرة اعتقال دولية بحقه لها ما يبرره. مثلما ذكر موقع الجزيرة نت، بتاريخ 18 مارس/ أذار 2023م، في مقال بعنوان ( بايدن يؤيد اصدار الجنائية الدولية مذكرة اعتقال دولية بحق بوتين).
فحرب الطاقة والمواد الأولية حتى وإن أثرت على الاقتصاد الدولي، وأضرت بمصالح الكثير من الدول والشعوب وخاصة الفقيرة منها، ولكن في عرف الدول العظمى هي حرب للسيطرة وفرض سياسة الأمر الواقع على الخصوم السّياسيين، فسياسة الحرب الباردة التي عادت بشكل أوضح بين موسكو وواشنطن، منذ وصول الدب الروسي للحكم لن تقف عند حدود أوكرانيا، أو أوروبا الشرقية، بل امتدت لمناطق أخرى في وسط أسيا بين أرمينيا وأذربيجان و لأدغال افريقيا و أمريكا الجنوبية، وعادت سياسة الحروب بالوكالة بين المعسكرين الشرقي والغربي في العديد من البلدان، وقد تتحول في ظل الظروف الدولية المتوترة لحروب مدمرة، فالضغوط التي تمارسها روسيا على أمريكا عن طريق رفع أسعار اليورانيوم وتخفيض انتاجه، سيكون لها بالتأكيد من يتبعها من سياسات اقتصادية روسية سيكون الهدف منها هو خلط أوراق الإدارة الأمريكية داخلياً، ومحاولة جرها لاتخاذ اجراءات وسياسات قد تؤثر سلباً على مكانتها الدولية، وبالتالي قد تضطر للرضوخ للمطالب الروسية فيما يخص الملف الأوكراني.
– كاتب جزائري
2023-10-04
