هل ستقدم الولايات المتحدة الأمريكية على احتلال ليبيا؟
عميرة أيسر
كانت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما من أكبر داعمي ما يسمى بثورات الربيع العربي في سنة 2011م، والتي رأت فيها واشنطن الفرصة الذهبية من أجل زعزعة استقرار بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، وتقسيم دولها بما يتوافق مع مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي صاغه المحافظين الجدد من منطلق فكري أيديولوجي وبراغماتي استناداً لأطروحات المفكر الأمريكي برنارد لويس الذي يعتبر من أعمدة الفكري السّياسي اليميني المحافظ في أمريكا، وكانت ليبيا في عهد معمر القذافي من الدول التي شهدت إحدى أكثر هذه الثورات المدعومة غربياً دموية وعنفاً، وأدت لمقتل رئيسها الذي كان يعتبر من أكبر داعمي الفكري القومي الوحدوي، ويرى بأن تكامل دول شمال أفريقيا أصبح ضرورة قصوى في ظل الأوضاع الدولية المتوترة التي كانت تعرفها المنطقة أنذاك، وكان يحضر لطرح مشروع الدينار الذهبي الذي أراد تعميمه على كل دول القارة الأفريقية، التي ترزح اقتصاديات الكثير منها تحت وطأة النفوذ الغربي والأمريكي، وربطت عملاتها المالية الدولية بالدولار الذي أخذ قوته من ربطه بأسعار البترول والغاز.
فالبنك الفيدرالي الأمريكي يقوم بسك عملة الدولار دون غطاء داعم لها من الذهب، و بالتالي يكمن لأمريكا شراء ما تريده من العالم بهذه الطريقة ، وهي التي أصبحت المسيطرة على الاقتصاد الرأسمالي العالمي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وقبل نهاية هذه الحرب بعام واحد تمّ توقيع اتفاقية بروتن وودز سنة 1944م، التي ربطت جميع العملات بالدولار الذي بقي مغطى بالذهب، حتى عهد الرئيس الأمريكي نيكسون والذي أمر بطباعة كميات مهولة من الأموال لتغطية تكاليف حرب فيتنام (1956-1975م)، ومع ذلك فقد بقي الاقتصاد الأمريكي قوياً حتى دون ربطه بالذهب، الذي تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية ما نسبته 75 بالمئة من احتياطاته الموجودة في بنوك العالم. كما ذكر موقع العربية، بتاريخ 20جوان/يونيو 2021م، في مقال بعنوان ( حكاية الذهب والدولار).
وبقي الدولار هو العملة المهيمنة على الاقتصاد العالمي، وذلك لعدة أسباب منها القدرة العالية التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية على سداد ديونها التي تخطت حاجز 22 ترليون دولار، وكذا قوة الاقتصاد الأمريكي الذي بقي محافظاً على موثوقيته بالرغم من كل الأزمات التي مر بها طوال سنوات، ولكن يبدو بأن الأوضاع السّياسية والاقتصادية العالمية لم تعد في صالح واشنطن، خاصة بعد قيام روسيا بغزو أوكرانيا وتحالفها الوثيق مع الصين، بالإضافة لأزمة الطاقة الخانقة التي تعيشها دول الاتحاد الأوروبي حالياً، ورفض روسيا التعامل باليورو أو الدولار في كل معاملاتها التجارية الخارجية وخاصة الطاقية منها مع الدول المشكلة لهذا التكتل السّياسي والاقتصادي القاري، و توقيعها لاتفاقيات ثنائية مع العديد من الدول كالهند والصين وكوريا الشمالية وايران ومصر..الخ، والتي تصر موسكو على أن تتم كل التبادلات الاقتصادية والمالية بين هذه الدول بعملاتها المحلية عوضاً عن العملات الأجنبية الرئيسية كالدولار أو اليورو أو الجنيه الاسترليني.
وهو التصرف الذي رأت فيه إدارة الرئيس الحالي جوزيف بايدن محاولة من طرف هذه الدول لإنهاء هيمنة الدولار على الأسواق الاقتصادية والتعاملات المالية الدولية، وأصبحت الخيارات المتاحة أمام واشنطن لمعالجة هذه المشكلة محدودة، وخاصة بعد رفض دول مثل السعودية والإمارات رفع حصصها من إنتاج البترول، ضاربة بعرض الحائط تحالفاتها الاستراتيجية التاريخية مع واشنطن، بل إن الرياض أكدت على أنها ستقوم بخفض إنتاجها مع البترول بسبب الهجمات التي تعرضت لها من طرف الحوثيين مؤخراً، مما ساهم وبشكل كبير في زيادة أسعار المحروقات في أسواق الطاقة الدولية، ولا ننسى بأن السعودية وقعت سنة 2016م، مع روسيا إلى جانب 12 دولة معاهدة ” أوبك”، لتنظيم الإنتاج النفطي، وهي التي تبلغ قدرتها الإنتاجية القصوى 12 مليون برميل من النفط يومياً، ولكنها لا تنتج حالياً سوى 10 مليون برميل، وبالتالي فإن صادراتها النفطية تشكل 10 بالمئة من حجم الإنتاج العالمي. كما ذكر موقع عربي 21، بتاريخ 18 فيفري/ فبراير 2022م، في مقال بعنوان ( أزمة أوكرانيا تمثل معضلة للسعودية في الإنتاج النفطي).
وهذا ما ترك الولايات المتحدة الأمريكية في وضع صعب مع تأكيد الخبراء بأن استمرارها في ضخ حوالي 30 مليون برميل من النفط من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية، وذلك في إطار الاتفاق الذي يشمل 30 دولة عضوة في وكالة الطاقة الدولية. كما ذكر موقع قناة الميادين، بتاريخ 16مارس/أذار 2020م، في مقال بعنوان ( بصورة طارئة بايدن يأمر بطرح 30 مليون برميل من احتياطي النفط في الأسواق).
وذلك في محاولة منها للحدّ من الارتفاع المستمر في أسواق النفط دولياً، سيؤدي لتآكل تدريجي في مخزونها النفطي الاستراتيجي الذي تخزنه منذ 47سنة والبالغ 604.5 مليون برميل، بحسب أرقام وزارة الطاقة الأمريكية، والذي تخزنه في مجمع حكومي مكون من أربعة مواقع بها كهوف تخزين عميقة تحت الأرض تمّ انشاءها في قباب الملح على طول سواحل خليج تكساس ولويزيانا. كما ذكر موقع RT الروسي، بتاريخ 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2021م، في مقال بعنوان ( كم يبلغ احتياطي أمريكا من النفط….. و أين تخزنه ولماذا!).
وللتغلب على أزمة الطاقة التي تعيشها الكثير من الدول الغربية، والتي أدت لارتفاع رهيب في أسعار المنتجات النفطية والبترولية في هذه الدول، فإن إدارة جوزيف بايدن قد تلجأ لخلق الكثير من المشاكل والازمات في ليبيا، وذلك من أجل إيجاد الذرائع والمبررات الكافية لغزوها واحتلالها والسيطرة بالتالي على مواردها الطاقية، تماماً مثلما فعلت مع العراق في 2003م، حيث اختلفت حججاً واهية لغزوه، وادعت إدارة جورج بوش الابن وقتها امتلاك النظام العراقي للأسلحة النووية وهو الادعاء الذي تبين بأن لا أساس له من الصحة لاحقاً، فواشنطن قد حوّلت بمعية حلف الناتو ليبيا لدولة فاشلة، والتي أصبحت قبلة لكل الجماعات المتطرفة في أفريقيا والشرق الأوسط، وبدعم أمريكي لأن أمريكا ليس من مصلحتها أن تتحول ليبيا لدولة مستقرة تجرى فيها انتخابات رئاسية تأتي برئيس توافقي بين مختلف الأطياف السّياسية في ليبيا، ويكون هو المثل الشرعي والوحيد للدولة في المحافل الدولية، ويعيد ليبيا كقوة اقليمية لها وزنها ومكانتها كدولة طاقية مهمة في أفريقيا.
وهذا ما تحاول الإدارة الأمريكية عرقلته بكل الطرق والوسائل الممكنة، لأن ما يهمها هو الاستيلاء على ثروات ليبيا الطبيعية وخاصة الطاقية منها، فالسّياسات التي تتبعها أمريكا لإفشال العملية السّياسية في هذا البلد، ومحاولة السيطرة عليه واحتلاله عسكرياً قد يضعها في مواجهة مباشرة مع روسيا على الأراضي الليبية ، والتي لن تقبل بأن تظل على الحياد كما فعلت سنة 2011م، عندما تعرضت للخداع والتضليل الأمريكي والغربي، وكانت تعتقد بأن أمريكا ستدعم الحل السّياسي في ليبيا، وستكون حريصة على إجراء انتخابات نزيهة وشفافة بعد الاطاحة بالقذافي، ولكن حدث العكس، حيث سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على أبار النفط في ليبيا، وتركت بقية المناطق والمدن دون حماية، وهو ما أثار حفيظة الرئيس فلاديمير بوتين، الذي ضاق ذرعاً بالاستفزازات الأمريكية المستمرة ، وربما سيقوم بتنفيذ عملية عسكرية تستهدف طرد القوات الأمريكية المتواجدة على الأراضي الليبية، وهو ما قد يدخل المنطقة في أتون حرب عالمية كبرى، ستكون لها انعكاسات وخيمة جداً على كل دول المنطقة.
_ كاتب جزائري
2022-04-16