هل ستسير إيطاليا على خطى بريطانيا وتغادر الاتحاد الأوروبي؟
عميرة أيسر
عملت السّياسية الإيطالية اليمينية المتطرفة ذات الميول القومية الموسولينية جورجيا ميلوني منذ وصولها لسدّة الحكم في الدولة على ترسيخ فكرة أن بلادها لم تعد جزءاً من المنظومة الأوروبية خاصة في المجالات السّياسية والاقتصادية، والعسكرية بعد أن أدركت القيادة الإيطالية بأن بقاءها ضمن منظومة دول الاتحاد الأوروبي الذي كان بمثابة الكيان المؤسساتي والوعاء الإقليمي، والمظلة الحامية للكثير من دول القارة العجوز من التداعيات الإقليمية والدولية المختلفة التي عصفت بها لعقود عدة، أصبح يؤثر سلباً على قراراتها الاستراتيجية التي تعتبرها روما بمثابة قرارات مصيرية لا يمكن مناقشتها أوروبياً، فإيطاليا الجريحة لن تنسى إطلاقاً بأن الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي الذي تعتبر جزءاً منه وعضواً مؤسساً فيه قد تخلت عن مساعدتها إبان أزمة جائحة كورونا التي حصلت أرواح آلاف الإيطاليين، فهذه الدول الأوروبية قد هرعت لنجدة دول غربية أطلسية كالولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا وأخرى تقع في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، ولكنها بالمقابل قد امتنعت لو بشكل جزئي عن تقديم مساعدات طبيبة أو مادية لإيطاليا، وهذا ما خلف شعوراً عارماً بالاستياء وعدم الانتماء لهذا الكيان القاري المنظم لدى فئات وقطاعات واسعة من أبناء الشعب الإيطالي، وهذا ما عكسته نتائج استطلاع رأي أجرته شركة ( تكني) الإيطالية للاستشارات وشارك فيه حوالي 10ألاف شخص في أفريل/نيسان سنة 2019م، قال بأن 42 بالمئة منهم بأنهم يرغبون في مغادرة بلدهم الاتحاد الأوروبي، مقارنة ب 26 بالمئة في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2018م، فيما قال ربع هذا العدد بأنهم سيكونون مستعدين للبقاء في التكتل، اذا وافقت أوروبا على اتخاذ اجراءات ملموسة لصالح إيطاليا. كما ذكر موقع BBC NEWSعربي، بتاريخ 18ماي/أيار 2020م، في مقال بعنوان (فيروس كورونا: هل يفقد الايطاليون الثقة في الاتحاد الأوروبي؟).
بالإضافة للخلافات المتصاعدة مع العديد من الدول الأوروبية وخاصة فرنسا التي تتهمها إيطاليا بأنها قد أضرت بمصالحها عمداً في ليبيا عندما شاركت في الاطاحة بنظام معمر القذافي الحليف الأوثق لدى روما في شمال أفريقيا، وهذا ما جعل العلاقات متوترة بين البلدين بل ازداد الأمر سوءاً بعد الحرب الروسية على أوكرانيا وقيام باريس بإصدار قانون ينص على حظر توريد الكهرباء للدول المجاورة كإيطاليا التي كانت تستورد حوالي 17 بالمئة من حاجياتها الطاقية من باريس الخصم الأبرز لها في أوروبا تاريخياً بعد ألمانيا، والتي شاركت جيوشها في احتلال العاصمة الإيطالية روما إبان الحرب العالمية الثانية والاطاحة بالزعيم موسوليني الذي حاول الهرب لخارج إيطاليا ولكن الثوار سرعان ما ألقوا عليه القبض رفقة مرافقته وأعدموهما رمياً بالرصاص وتركوا جثتيهما في شوارع روما فريسة سهلة للحيوانات بعدما حولها المتظاهرون الغاضبون لأشلاء ممزقة.
فالأزمة الاقتصادية والطاقية التي عرفتها إيطاليا بعد قطع امدادات الغاز الروسي عن كل الدول الأوروبية التي قررت فرض عقوبات اقتصادية على موسكو ستؤدي حسب الخبراء إلى ارتفاع نسب البطالة والتضخم وسيفقد حوالي 37 ألف إيطالي وظائفهم جراء اضطرار 120ألف شركة تعمل في مجال قطاع الخدمات لإغلاق أبوابها وتسريح عمالها في ظرف 6أشهر، مما سيزيد من حجم الأعباء الاجتماعية و الاقتصادية على الدولة الإيطالية التي وقعت عقوداً بمليارات الدولارات مع دول كالجزائر وليبيا ومصر والكونغو الديمقراطية وأنغولا في محاولة منها لتعويض الغاز الروسي الذي كان يشكل 40 بالمئة من احتياجاتها الطاقية، وستحاول إيطاليا إلى جانب ذلك ايجاد بدائل أخرى للطاقة كاستعمال الفحم الحجري واللجوء إلى البدائل الطبيعية للطاقة كاستخدام الألواح الشمسية والطواحين الهوائية…الخ.
ويبدو بأن رئيسة وزراء إيطاليا الحالية تتبنى سياسة أحادية الجانب في التعامل مع أوكرانيا، فبدل الصدام المباشر مع موسكو فإن ميلوني ستحاول جاهدة الاستفادة من الظروف الإقليمية والدولية الراهنة لمحاولة لعب دور الوساطة لتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف الفاعلة في هذا الملف وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية تجعل من إيطاليا الدولة المحورية في حل الخلافات الروسية الأوروبية في محاولة منها لإعادة الدفء للعلاقات الدبلوماسية مع موسكو، والتي تدهورت بعد قيام قوات الأمن الإيطالية باعتقال ضابط في القوات البحرية الإيطالية، أثناء تسلميه لوثائق عسكرية سرية لمسؤول عسكري روسي يعمل كدبلوماسي في سفارة روسيا في إيطاليا، وهو ما أدى بوزارة الخارجية الإيطالية لطرد اثنين من الدبلوماسيين العاملين بالسفارة الروسية بتهمة التجسس، وهذا ما دفع بموسكو للرد بالمثل. مثلما ذكر موقع BBC NEWSعربي، بتاريخ 31مارس/أذار 2021م، في مقتل بعنوان ( إيطاليا تطرد دبلوماسيين اثنين يعملان في سفارة روسيا بعد كشف عملية تجسس).
فجورجيا ميلوني التي تلقب بحفيدة موسوليني، المرأة الحديدية كما يطلق عليها الشارع الإيطالي، قادت حزبها اخوان إيطاليا للفوز ضدّ خصومها السّياسيين في الانتخابات التشريعية وبفارق كبير، مما سمح له بحصد أغلبية المقاعد البرلمانية، وهو الفوز الذي كان بمثابة زلزال سياسي ضرب أحزاب السلطة والمعارضة معاً، وامتدت موجاته الارتدادية لتطال كل دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وبالرغم من تأكيداتها المستمرة بأن إيطاليا ملتزمة بكل الاتفاقيات القانونية والدولية التي تربطها بدول الاتحاد الأوروبي، وبأن بلادها لن تغير سياستها في التعامل مع القضايا الكبرى التي توحد كل دول الاتحاد، كالحرب الروسية على أوكرانيا، ومسائل الهجرة الغير شرعية وحقوق الإنسان والحرب على الارهاب، ولكن المتغيرات السّياسية والاقتصادية التي تعرفها أوروبا حالياً، وعجز دول الاتحاد الأوروبي عن التوافق حول مشكلة الطاقة التي باتت تورق قادة دول القارة العجوز، وتبني سياسة موحدة في التعامل مع هذه الأزمة، بالإضافة لرغبة جورجيا ميلوني في انقاذ الاقتصاد الايطالي المترنح، وتوفير أموال اضافية لدعم القدرة الشرائية للمواطنين ومواجهة الارتفاع المستمر في أسعار الوقود ومختلف المواد الواسعة الاستهلاك، وذلك خوفاً من خروج مظاهرات عارمة في شوارع إيطاليا تطالب باستقالتها، كل هذه العوامل قد تدفع بزعيمة حزب اخوان إيطاليا للخروج من الاتحاد الأوروبي كما فعلت بريطانيا سنة 2020م، وسعت منذ ذلك الوقت لتوقيع اتفاقية للتجارة الحرة مع دول الاتحاد الأوروبي على غرار كندا، وهو ما عده رئيس الوزراء البريطاني أنذاك بوريس جونسون بداية جديدة، وفصلاً مميزاً في مسيرة بلاده الوطنية الكبيرة، وأضاف ” الأهم هذه الليلة هو أن نقول أنها ليست النهاية بل البداية، أنها لحظة شعور بالفخر وبدء فصل جديد في مسيرتنا الوطنية الكبرى”. مثلما ذكر موقع SKY NEWSعربية، بتاريخ 1فيفري/ شباط 2020م، في مقال بعنوان (بريطانيا تخرج رسمياً من الاتحاد الأوروبي).
وبالرغم من أن معظم استطلاعات الرأي تشير إلى شعور البريطانيين بالندم لخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي، نتيجة تداعيات الأزمة الاقتصادية التي تمر بها بريطانيا، ولكن هذا لا يمنع الاقرار بحقيقة أن خروج هذه الدولة العظمى من الاتحاد الأوروبي، قد ساهم بشكل كبير في الحدّ من انهيار قيمة عملتها الوطنية، فالجنيه الاسترليني لم يتأثر بالحرب على أوكرانيا، وتداعياتها الوخيمة على المجتمعات الأوروبية مثلما حدث مع عملة اليورو الذي يعرف تراجعاً كبيراً في سعر صرفه مقارنة بالعملات الرئيسية في البورصات العالمية.
فالاقتصاد الإيطالي على عكس الاقتصاد البريطاني لا يزال مرتبطاً بشكل وثيق مع الاقتصاد الأوروبي الذي تهيمن عليه دول الاتحاد القوية كألمانيا، وبالتالي فخروج إيطاليا من منطقة اليورو وتخليها بالتالي على الامتيازات التي تحظى بها حالياً بصفتها بلد عضواً في الاتحاد الأوروبي ومختلف مؤسساتها المالية وأسواقه التجارية يجعلها تبذل جهوداً جبارة من أجل إعادة التوازن والاستقرار للاقتصاد الإيطالي، وإعادة ثقة المستثمرين الدوليين الذين قد يرون في خروج إيطاليا من الاتحاد الأوروبي فرصة سانحة من أجل الظفر بفرص استثمارية أكثر والحصول على امتيازات لا توفرها بقية الدول الأوروبية.