هل سترد روسيا عسكرياً على تفجير أنابيب خط غاز السّيل الشمالي2؟
عميرة أيسر
يبدو أن الأزمة في أوكرانيا تتوسع وتتشعب وتزيد الأمور تعقيداً مع الوقت، إذ أن الحرب الروسية على أوكرانيا أدت لحدوث تغيرات جيو سياسية مهمة في العلاقة بين روسيا، فالكثير من الدول الأوروبية قد أيقنت بأن هذه الحرب هي مسألة أمن قومي بالنسبة لروسيا، وأن وقوفها في الطرف المعادي لها قد كلفها الكثير من الخسائر ، خاصة على المستويين الاقتصادي و الطاقي كألمانيا وفرنسا والسويد، فاختيارها الاصطفاف إلى جانب واشنطن وتبني عواصمها الرؤية الأمريكية والطرح الشمولي المتطرف في التعامل مع روسيا باعتبارها العدو الاستراتيجي لأوروبا، يهدد بتكرار ما حدث إبان حكم إيفان الرابع لروسيا سنة 1547م، وبطرس الأكبر سنة 1721م، الذي قام بإنشاء إمبراطورية امتدت من أوروبا الشرقية لغاية سيبيريا، ومن خلفه من القياصرة الذين خاضوا عدّة حروب ضدّ السويديين والعثمانيين والكومونولث البولندي الليتواني، وهو ما أدى لبروز روسيا كقوة إقليمية عظمى نافست الامبراطورية البريطانية على حكم أوروبا.
فهذه الإمبراطورية الروسية التي كانت بمثابة الهاجس الدائم لأوروبا، والمنافس الأكبر لها في منطقة بحر البلطيق والبحر الأسود، تريد أن تبعث من تحت الرماد من جديد، مستغلة في ذلك القوة العسكرية الكبيرة التي باتت تمتلكها، والتأييد الشعبي الجارف للرئيس فلاديمير بوتين، بالإضافة لتصاعد المدّ القومي السلافي الروسي، فالرئيس الروسي الذي رفع من ميزانية وزارة الدفاع الروسية إلى حوالي 154 مليار دولار للعام الحالي. مثلما ذكر موقع CNN بالعربي نقلاً عن موقع Globel Fire Power بتاريخ 16 مارس/أذار 2022م، في مقال بعنوان ( بعد تقارير استعداد الصين لمساعدة روسيا، إليكم مقارنة بحجم الإنفاق العسكري).
قام بتخصيص جزء كبير منها لتطوير الصناعات العسكرية الروسية، وبناء أنظمة دفاعية وهجومية قادرة على منافسة أقوى الأنظمة الغربية العسكرية الأحدث من نوعها، فالرئيس الروسي الذي عاش الهزيمة و الضعف والانكسار بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، مستعد لفعل أي شيء من أجل رؤية الولايات المتحدة الأمريكية في نفس الوضع الذي وصلت إليه موسكو في التسعينيات إبان فترة حكم بوريس يلتسن عقب الانهيار التاريخي المدوي للإمبراطورية الشيوعية الحمراء الذي كانت روسيا تمثل الجزء الأكبر منها، فالعقيدة العسكرية الروسية قد تطورت كثيراً و استطاعت بالإضافة إلى بناء جيش قوي ومتطور وعصري، جعل الجندي الروسي من أفضل الجنود الذين يتمتعون بمهارات قتالية عالية، وذلك في أقسى الظروف الجوية والمناخية، حيث تصل درجة الحرارة في معظم المناطق الروسية إلى حدّ التجمد، ومع ذلك استطاع جنود هذا الجيش التأقلم بسرعة مع هذا الوضع.
ورغم كل الخسائر التي تكبدها الجيش الروسي في أوكرانيا، إلاّ أنه ظل متماسكاً، ولم تسجل حالات فرار جماعي ومنظم للقوات الروسية في خاركييف، بل واصل جنود الجيش الروسي القتال في الكثير من المناطق، متجاهلين الأوامر التي صدرت إليهم بالانسحاب التكتيكي، على عكس جنود الجيش الأوكراني الذين رأينا كيف استسلم الكثير منهم للجيش الروسي حتى دون قتال في مصنع أروفستال في مدينة ماريوبول، وهذا ما جعل الرئيس بوتين واثقاً من تحقيق النصر في أوكرانيا بدون استعمال الأسلحة النووية التكتيكية التي خرجت من مخابئها، ولن يتردد بوتين في استخدامه اذا طال أمد هذه الحرب أكثر من اللازم، وهذا ما دفع وزير دفاعه سيرغي شويغو إلى التصريح بأن كل أسلحة الجيش الروسي ستستعمل في أوكرانيا بما فيها الأسلحة النووية، ما يعني حرفياً اندلاع الحرب العالمية الثالثة، لأن الغرب ماض قدماً تطبيق استراتيجية الاستنزاف التي تبناها منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، من أجل الدفع باتجاه إجبار بوتين على ارتكاب المزيد من الأخطاء الاستراتيجية في نظرهم، مما سيؤدي إلى تعاظم نفوذ التيار المعادي له ليس داخل الدول الغربية أو أوكرانيا، بل حتىّ في روسيا، فإعلانه تنظيم استفتاء لضم كل من خيرسون وزا باروجيا إلى الأراضي الروسية، بالإضافة لجمهوريتي لوهانسك و لوغانسك، هو في نظر الغرب اعتراف ضمني بفشله في السيطرة على كامل الأراضي الأوكرانية، وخاصة العاصمة كييف، لأن ضمّ هذه المناطق لروسيا في نظر واشنطن هو خطأ عسكري فادح، لأن هذه الأراضي حتى ولو نجح بوتين في ضمها رسمياً إلى دولته كما أعلن مؤخراً، فإنها ستبقى على الدوام نقاط ضعف وتوتر لروسيا، فبوتين كلما قام بضم مناطق جغرافية أكثر لبلاده، فإنه سيحتاج للمزيد من القوات والموارد لحمايتها وتأمينها، وهذا ما سيزيد من الضغط على هذه المناطق التي لن يسمح الغرب للقوات الروسية بالاستقرار الدائم فيها، دون تنظيم عمليات عسكرية خاطفة اعتماداً على حرب العصابات، وهناك أيضاً معطيات الطاقة التي لا يريد بوتين أن تتغير، فارتفاع أسعار البترول والغاز محكومة بقانون العرض والطلب، فحتى عندما قام بوتين بتخفيض سعر الغاز وبيعه لدول كالهند والصين والبرازيل، في مقابل تعهد هذه الدول بأن تكون روسيا هي المزود الرئيسي لهم بالبترول والغاز، بالإضافة لدعمها سياسياً في المحافل الدولية، وخاصة في موضوع حربها على أو كرانيا، فإنّ هاته الدول بالنهاية محكومة بقانون سوق الطاقة العالمي، فالتعاون بين هذه الدول في موضوع الطاقة قد أثار حفيظة الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن الذي لا يريد لهذه الدول الثلاثة أن تشكل ثالوث استراتيجي طاقي وصناعي وعسكري، يكون بمثابة التكتل الأكبر والأقوى في أسيا، فالولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح بتشكيل قوى خارج سيطرتها وقبضتها في قارة حيوية ومهمة لأمنها القومي، وخاصة الطاقي كالقارة الآسيوية التي فيها أهم وأكبر القواعد العسكرية الأمريكية، وكذا مخزونات مهمة جداً من البترول والغاز في دول مهمة كالسعودية وقطر والعراق، وكل الدول التي تدور في فلك الهيمنة الأمريكية، وبالتالي عملت أمريكا على أن تبقى المسيطرة والمتحكمة في سوق الطاقة الدولية، وعملت ما في وسعها من أجل تحجيم الدور الطاقي لروسيا في مختلف الدول، وخاصة في مناطق نفوذها التقليدية كالقارة الأوروبية، فأمريكا التي كانت وراء جر الروس لحرب طويلة الأمد وقاسية في أوكرانيا، لن تسمح بأن تكون روسيا المزود الرئيسي لدول أوروبا بالغاز والبترول، لذلك قامت بتدمير خط أنابيب السيل الشمالي 2في بحر البلطيق، حيث اعتبرت السويد وفرنسا والدنمارك والكثير من الدول الأوروبية أن ما حدث هو ضرب للأمن الطاقي الأوروبي، فهذه الدول كانت تأمل في تحسين علاقاتها مع روسيا وتخفيف الضغوطات الاقتصادية عليها في مقابل إعادة ضح الغاز الروسي إليها، خاصة وأننا مقبلون على فصل شتاء قاس وصعب هذه السنة، فالكثير من الخبراء والتقارير الصحفية تؤكد بأن المخابرات الأمريكية من يقف خلف ذلك التفجير، فحسب تغريدة لوزير الخارجية السّابق لبولندا رادوسلاف سيكورسكي الذي شكر الولايات المتحدة الأمريكية بقوله ” شكراً للولايات المتحدة الأمريكية دون أن يحدد ما كان يقصده، فإنّ هذا مؤشر واضح لا لبس فيه، على أن واشنطن من نفذت تلك العملية الإرهابية حسب وجهة نظر رئيس وزراء الدنمارك وبوتين، فالجميع يذكر تصريحات جوزيف بايدن الذي هدد فيها موسكو بأنها ستفقد خط السيل الشمالي في حالة ما إذا أقدمت على عزو أوكرانيا، وبالتالي بعد هذا التفجير سوف تضطر دول مثل ألمانيا لاعتماد بشكل كلي وكامل على امدادات الغاز الأمريكية، وهذا يعني أوتوماتيكيا ربط قرار برلين السّياسي في الملفات الدولية الكبرى بالسّياسة الخارجية الأمريكية، خاصة في الملف الأوكراني، وهذا يعني ضمنياً عودة الاتحاد الأوروبي كله للسير على خطى النهج الأمريكي، فالأسفين الذي تحاول أمريكا دقه بين روسيا وأوروبا الهدف الاستراتيجية منه هو منع تشكل قوة جديدة تضم أقوى الدول في أسيا وأوروبا، التي ليس من مصلحتها أن تحكم الولايات المتحدة الأمريكية العالم بشكل أحادي القطب، وهذا ما سيؤدي في النهاية إلى الصدام العسكري المباشر بين موسكو وواشنطن، خاصة وأن واشنطن تعمل على تزويد الجيش الأوكراني بأسلحة هجومية متطورة لها القدرة على استهداف أهم المدن الرئيسية في روسيا، وهذا ما يراه الكرملين خطاً أحمر لن يسمح لأحد بتجاوزه إطلاقاً.
تعليق واحد
شكرا جزيلا استاذنا الكريم على هذا العمل الجاد ونرجو ان تحظى بلادنا بمنصة اعلامية بهذا المستوى وهذا التنوع الجميل .