عميرة أيسر
تعيش الجزائر منذ سنوات جملة التحديات الاقتصادية والأمنية والسّياسية التي أصبحت بمثابة تهديدات استراتيجية للأمن القومي للدولة، وذلك نتيجة انتهاج سياسات خاطئة وغير محسوبة العواقب في التعامل مع المتغيرات الإقليمية و الدولية التي فرضت نفسها على القيادتين السّياسية والعسكرية خاصة بعد أحداث الربيع العربي سنة 2011م، والذي كان عبارة عن مخطط صهيوأمريكي لتخريب الدول الوطنية، وإدخال منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في دوامة من العنف والفوضى والاضطراب والاقتتال الداخلي، وهو المخطط الذي فشل في تحقيق أهدافه المرسومة في الجزائر نتيجة البحبوحة المالية التي عرفتها الدولة الجزائرية أنذاك، واستمرت المحاولات الغربية لضرب الوحدة الوطنية، وذلك عن طريق تنفيذ عملية تيقنتورين الإرهابية التي كانت بتخطيط فرنسي قطري لضرب واحدة من أهم مصافي حقول الغاز في الصحراء الجزائرية، لأن الجزائر أصبحت من أهم مصدري الغاز في العالم وهو ما شكل هاجس بالنسبة للدول الخليجية المنتجة للغاز كقطر التي تريد الهيمنة على خطوط النقل والامداد الطاقي نحو أوروبا في المنطقة بشكل كامل، بالإضافة لفشل المشروع الغربي لإشعال فتيل الحرب الأهلية في جنوبنا الكبير انطلاقاً من مدينة غرداية العريقة سنة 2015م، عن طريق توظيف الخلافات المذهبية بين أنصار المذهب المالكي و الاباظي، وهو ما دفع بوزير الخارجية الجزائري في تلك الفترة رمطان لعمامرة للتأكيد على وجود تدخلات أجنبية لزعزعة الاستقرار في غرداية، نافياً في ذات السّياق انخراط سلطة عمان في افتعال تلك الأحداث المأساوية، وذلك في معرض ردّه على الاتهامات التي وجّهت لوزير خارجية عمان الذي زارها لتهدئة الأوضاع بين الطرفين، مستغلاً في ذلك العلاقة الوطيدة التي تربط أتباع المذهب الاباظي في غرداية بنظرائهم في العمانيين، حيث قال لعمامرة في هذا الصدد وذلك في مؤتمر صحفي جمعه بنظيره العماني بأن ” ما تم التصريح به بشأن وجود تدخلات أجنبية في الأحداث الدامية التي شهدتها غرداية خلال رمضان لا ينطبق على الشقيقة سلطنة عمان”. مثلما ذكر موقع ارم نيوز الاخباري، بتاريخ 30 جويلية/ تموز 2015م، في مقتل بعنوان ( الجزائر تبرئ سلطنة عمان من تحريك فتنة غرداية ).
واستمرت تلك المحاولات المستميتة لتخريب بلاد الشهداء داخلياً خلال فترة الحراك المبارك سنة 2019م، عندما خرج الشعب الجزائري بمختلف أطيافه ومكوناته الدينية والأيديولوجية و الثقافية والحضارية رفضاً للعهدة الخامسة حيث حاولت الدول الغربية استغلال الفرصة من أجل تحويل المظاهرات السلمية لمظاهرات دموية على غرار السيناريو السوري، وصرفت المليارات من أجل ذلك لزرع بذور الشقاق والكراهية والحقد بين الأمازيغ والعرب عن طريق استغلال مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وبعض النخب والمثقفين كما يطلقون على أنفسهم، و الذين كانوا عبارة عن معاول هدم ودعاة فتنة وتفرقة، وتدعيم مشاريع فكرية وسياسية وأيديولوجية تمت صياغتها في أقبية أجهزة الاستخبارات الفرنسية والصهيونية، كمشروع صفر عربي وصفر قبائلي، وهي المشاريع التي ستكون حسب المخطط الفرنسي البداية لخلق حرب أهلية طويلة الأمد مستغلة في ذلك الظروف الاجتماعية الصعبة التي ترزح تحتها طبقات واسعة من الجزائريين، وحالة السخط الواسع اتجاه النظام الحالي الذي لا يختلف عن النظام السّابق من حيث قمعه للحريات الفردية وتقييده لحرية الرأي و التعبير، بالإضافة لازدياد نسب البطالة والتضخم والفقر سنوياً.
فالجزائر تعيش في وسط إقليمي مضطرب وغير مستقر، وهذا ما أدى لانتشار الجماعات الإرهابية في الدول التي لها حدود جغرافية معها كليبيا ومالي والنيجر، وتحوّل دول أخرى كالمغرب إلى قواعد للموساد الاسرائيلي، فالكيان الصهيوني بات على مقربة من الحدود الغربية للجزائر التي تدرك مدى الارتباط والتنسيق العسكري والاستخباراتي العالي المستوى الذي وصلت إليه العلاقات الأمنية بين الرباط وتل أبيب، التي تسعى لإقامة قاعدة عسكرية دائمة لها فوق الأراضي المغربية، في منطقة أفسو التابعة لإقليم الناظور شمال المغرب قرب مطار العروي الدولي جنوب مدينة ميلية، زيادة على توقيع العديد من اتفاقيات التعاون والدفاع الاستراتيجي المشترك بينهما، وخاصة مجال إنتاج الطائرات الإسرائيلية بدون طيار المعروفة باسم ” كاميكاز” في مصانع عسكرية مغربية، وهذا ما أشارت إليه صحيفة ” الاسبانيول”. مثلما ذكر موقع أركان الاخباري، بتاريخ 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021م، في مقال بعنوان ( المغرب ستوقع مع إسرائيل اتفاقاً لبناء قاعدة عسكرية في منطقة أفسو التابعة لإقليم الناظور).
فالتواجد الاسرائيلي على الحدود الجزائرية يعتبر أحد المهددات الوجودية الجيواستراتيجية للدولة، التي تعتبر من أهم داعمي القضية الفلسطينية، و التي تتبنى مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن هذا المنطق فهي تدافع عن حق الشعب الصحراوي في إقامة دولته المستقلة وفق المقررات الأممية والدولية، وهذا ما أثار حفيظة تل أبيب والرباط، بالإضافة لمحاولة دول حلف الناتو الضغط على الجزائر من أجل فك شراكتها الأستراتيجية والتاريخية مع روسيا المزود الرئيسي للجيش الجزائري بكل مستلزماته من الأسلحة والعتاد والذخيرة المتطورة، إلى جانب التماهي بين موسكو والجزائر في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية، فروسيا لن تنسى وقوف الجزائر على الحياد في الملف الاوكراني ورفضها الانخراط في المؤامرة الأمريكية الغربية لتدميرها. فالدول الأوروبية قد اصطدمت بالرفض الجزائري المتكرر لطلباتها بخصوص زيادة حصصها من الغاز الطبيعي، وهذا ما أدى لاستياء رسمي وسخط شعبي في الكثير من هذه الدول ترجمه مطالبة 17 عضو من أعضاء البرلمان الأوروبي بمراجعة اتفاقية الشراكة الموقعة مع الجزائر بسبب دعم هذه الأخيرة لروسيا في حربها ضدّ أوكرانيا. كما ذكر موقع برلمان. كوم، بتاريخ 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022م، في مقتل بعنوان (بسبب دعمها لروسيا في حربها مع أوكرانيا برلمانيون يطالبون بمراجعة اتفاقية الشراكة مع الجزائر).
فالدول الأوروبية باتت في أمس الحاجة للطاقة بعدما تم قطع امدادات الغاز الروسي عنها، ورفض حليفها الأمريكي للاقتراحات التي تقدم بها الرئيس الفرنسي ماكرون الحليف الاستراتيجي لواشنطن ضمن منظومة حلف شمال الأطلسي بضرورة الجلوس على طاولة المفاوضات مع بوتين لإيجاد حل دبلوماسي سلمي للأزمة في أوكرانيا يرضي جميع الأطراف، وبالتالي حل مشكلة امدادات الطاقة التي تعاني منها الدول الصناعية الكبرى في القارة العجوز المهددة بالانهيار الاقتصادي في السنوات القليلة القادمة، وهذا ما تريده واشنطن الساعية لتوريط حلف الناتو في حربها القادمة مع الجزائر للاستيلاء على مواردها الطاقية التي تراها واشنطن أحد أدوات الضغط المؤثرة التي تمتلكها السلطات الجزائرية في مواجهة المحاولات الغربية لاحتوائها وإخضاعها.
فالإدارة الأمريكية التي احتلت ليبيا عن طريق حلف الناتو تحت ذريعة إسقاط نظام معمر القذافي، واقامت قواعد عسكرية دائمة لها في مختلف المناطق الليبية، والمصممة على السيطرة على أهم موارد الطاقة في شمال أفريقيا بعدما سيطرت على أهم الحقول النفطية في العراق وسوريا ومنطقة الخليج عن طريق إقامة قواعد عسكرية في تلك الدول، بالتأكيد ستقوم بشنّ حرب على الجزائر من أجل احتلالها والسيطرة على منابع النفط والغاز فيها، بالإضافة لإقامة قواعد عسكرية فوق أراضيها، وهناك خطط عسكرية معدة مسبقاً لعملية الغزو موجودة في مبنى البنتاغون الأمريكي الذي يمتلك معلومات استخباراتية حساسة عن الأوضاع الداخلية لهذا البلد، وقد تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية لفرض عقوبات اقتصادية ضدّها كما فعلت مع دول كروسيا والصين والعراق وسوريا وإيران لإضعافها وتأجيج الثورات والفتن ودفع الناس للخروج للشوارع مطالبين بإسقاط النظام، وعلى الدولة الجزائرية الحذر من الوعود والتطمينات الأمريكية وخاصة بعدما أصدرت وزارة الخارجية بياناً نددت فيه بما وصفته الانتهاكات التي تقوم بها السلطات الجزائرية اتجاه الاقليات الدينية، فقد علمنا التاريخ بأن واشنطن لطالما غدرت بحلفائها وأصدقاءها وشركاءها الاستراتيجيين، مادام أن ذلك يضمن تحقيق مصالحها الاقتصادية على المدى الطويل.
– كاتب جزائري
2022-12-06