تعتبر إيران من أهم حلفاء روسيا الموثوقين في الكثير من النقاط الجيو استراتيجية الحساسة، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، فايران التي تبحث لها عن تموضع استراتيجي خارج مناطق نفوذها التقليدية، تخوض منذ سنوات طويلة حرباً ضدّ حلف الناتو بطريقة غير مباشرة في سوريا واليمن والعراق، فحلف شمال الأطلسي يعتبر أداة عسكرية أمريكية وظفتها في العديد من حروبها المختلفة سواء في منطقة الشرق الأوسط أو أوروبا الشرقية، وبالتحديد في حربها على جمهورية يوغسلافيا سابقاً، حيث شنت قواته حملة قصف جوي مكثف ضدّ دولة صربيا والجبل الأسود الاتحادية خلال ما عرف بحرب كوسوفو، وذلك في الفترة الممتدة من 24مارس/ أذار 1999م إلى غاية 10 جوان/ يونيو 1999م، والتي عرفت أمريكياً بعملية سندان نوبل، وكانت أول حرب تخاض على أراضي أوروبية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
فحلف شمال الأطلسي التي كانت دوله من الدول التي ساندت العقوبات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية على إيران طوال 30 سنة، وتورطت استخباراتها في تنظيم وتمويل الكثير من العمليات التخريبية والارهابية ومحاولة افتعال الثورات داخلها للإطاحة بالنظام الإسلامي الحاكم هناك منذ سنة 1979م، وقدمت كل أشكال الدعم للكثير من الجماعات الإرهابية الكردية في شمال إيران، أو تلك التي تتمركز في كردستان العراق وتشن هجماتها التي تستهدف المناطق الحدودية بين البلدين، بالإضافة للعمليات التي تشنها الحركات الانفصالية في منطقة الأهواز العربية، فلولا دعم هذه الدول الغربية لما تمكن جهاز الموساد الاسرائيلي الذي يعد أكثر جهاز استخباراتي نفذ عمليات تفجيرية وتخريبية في إيران من النجاح باستهداف العديد من الرموز والكوادر السياسية والأمنية في هذا البلد، وذلك بدعم كامل وضوء أخضر أمريكي، فالتقارب والتعاون الاستخباراتي والعسكري بين تل أبيب وعواصم دول حلف الناتو، الذي ظهر جلياً من خلال التنسيق الكبير بينهم في عدة مواضيع دولية، ودعم إسرائيل الكبير للجيش الاوكراني و قيادته السّياسية في تماهي مع المنظومة الغربية، خصوصاً بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان لطهران، بالرغم من أن تركيا تعتبر من الدول المهمة في حلف الناتو، ولكن يبدو بأن أردوغان قد أدرك بأن قواعد اللعبة الدولية قد تغيرت ومن مصلحته تنويع حلفاءه الاستراتيجيين، وعدم الاعتماد بشكل كلي على الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تتخلى عن دعم حزب العمال الكردستاني المصنف بأنه تنظيم ارهابي من طرف أنقرة، بالإضافة لحماية اليونان وتقديمها كافة أنواع الدعم المالي والاقتصادي والعسكري والسّياسي في صراعها التاريخي مع تركيا، وهي الدولة الي تعتبرها أنقرة من التهديدات الاستراتيجية الدائمة لأمنها القومي، زيادة على امتناع واشنطن عن بيع طائرات أف 35 المتطورة جداً لتركيا.
فالتقارب التركي الروسي في قمة استانة، وأهمية تركيا لحلف الناتو ترجمته خبيرة الاسرائيلية في الجغرافيا السّياسية والأزمات الدولية عنات هو شيبرج ماروم، مثلما ذكرت صحيفة معاريف الصهيونية حيث قالت ” بأنه بالنسبة لإسرائيل، فإن القمة الإيرانية الروسية هي فرصة استثنائية لتقوية العلاقات مع أنقرة، تشمل طلباً واضحاً لأرد وغان بأن لا ينضم لهذه الجبهة، بزعم أن تركيا حليف غربي، وهي مهمة للانضمام لباقي الدول العربية في الشرق الأوسط لكبح التهديد الإيراني، فضلاً عن الأهمية الجيوسياسية لتركيا على السّاحة الدولية كعضو مهم في حلف الناتو، ومرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، وتعمل على تنويع علاقاتها التجارية حول العالم”. مثلما ذكر موقع عربي 21، بتاريخ 19 جويلية/ يوليو 2022م، في مقال بعنوان (” قلق إسرائيلي من مشاركة تركيا في قمة إيران بحضور روسيا”).
وبالتالي فإن النظرة الإسرائيلية لتطور علاقات إيران بحلفائها الاستراتيجيين، والذين كانوا يعتبرون أعداء بالنسبة لها في حقب تاريخية مختلفة، واستعانة دول عظمى كروسيا بأسلحتها الهجومية المتطورة كالطائرات بدون طيار ذاتية الحركة والتوجيه من نوع ” مهاجر6″، و” شاهد 191″ و” شاهد 129″، وهي التي تمكنها من شنّ هجمات انتحارية وأخرى الكترونية، بالإضافة لتنفيذ هجمات جو- سطح، بحسب تقارير استخباراتية أمريكية، وهي التي استعملتها روسيا في تنفيذ عملياتها العسكرية في الأيام القليلة الماضية، بعدما أعطى الجنرال سيرغي سوروفيكين أوامره باستخدام الجيش الروسي لطائرات ايران المسيرة ذاتياً، وهو الجنرال المخضرم الذي شارك في الحرب الأهلية في طاجكستان و حرب الشيشان الثانية، بالإضافة إلى أنه كان من أبرز القادة الروس الذين شاركوا في حرب سوريا عام 2015م. كما ذكر موقع قناة الحرة، بتاريخ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2022م، في مقال بعنوان ( الجيش الروسي يعلن تغيير قائد الحرب على أوكرانيا).
فهذا الجنرال الذي يتبع سياسة الأرض المحروقة في أوكرانيا، والذي يريد حسم الصراع فيها لصالح روسيا بأية وسيلة كانت لن يتوانى عن الاستعانة بالمزيد من الطائرات الإيرانية المسيرة، وهي الفرصة السانحة بالنسبة لطهران من أجل إيصال رسالة قوية من خلال القوات الروسية بأن أسلحتها الفتاكة ستكون تحت تصرف حلفاءها لضمان أمنهم ومصالح دولهم ضدّ أعدائهم المشتركين كحلف الناتو، الذي يقدم كل أنواع الدعم اللوجستي للجيش الأوكراني، فالحرب الروسية الأوكرانية التي لا تزال محتدمة، قد تجذب كلا الطرفين للمشاركة المباشرة فيها، في إطار سياسة حرب المحاور باعتبار أن هذه الحرب ستكون حاسمة في رسم خارطة توزيع القوى في شرق أسيا وغربها وشرق أوروبا ومنطقة القوقاز مستقبلاً، فايران قد تستغل الظروف الدولية الحالية لإعلان الحرب على أوكرانيا التي تعتبر بمثابة الحلف الاستراتيجي لإسرائيل في شرق القارة العجوز، وهذا الأمر قد يدفع القيادة العسكرية في هذا البلد لإقحام قوات الحرس الثوري الإيراني في هذه الحرب التي تعتبر ساحة معركة حقيقة تمكن القوات الإيرانية من اكتساب المزيد من الخبرات القتالية وتجريب أحدث أنواع الأسلحة المختلفة المحلية الصنع، بالإضافة إلى إنزال خسائر كبيرة بالقوات الصهيونية التي تشارك في هذه الحرب إلى جانب القوات الاوكرانية عن طريق قواتها الخاصة ومختلف أذرعها الاستخباراتية.