هل تخوض أمريكا حرباً بالوكالة ضدّ الروس في أوكرانيا؟
عميرة أيسر
المتغيرات الجيوسياسية في أوروبا الشرقية التي حدثت بعد انهيار جدار برلين بتاريخ 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 1989م، والذي كان يعتبر أخر مسمار يدق في جسد الاتحاد السوفياتي الذي سرعان ما انهار لتصبح بذلك الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الوحيدة التي تمتلك المقدرة والأليات والميكانيزمات اللازمة لبسط نفوذها على دول أوروبا الشرقية الاشتراكية الفقيرة والضعيفة، والتي كانت تمتلك أنظمة اقتصادية وسياسية كرست تبعيتها للمعسكر الشرقي لعقود من الزمن، أدت بواشنطن للعمل على استقطاب تلك الدول وادخالها ضمن المحور الغربي عن طريق اشراكها في المؤسسات الأوروبية والأحلاف العسكرية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة الأمريكية كالاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو وأصبحت العديد من تلك الدول بمثابة حصان طروادة الذي تستعمله واشنطن لحصار روسيا الفيدرالية وتطويقها وخنقها استراتيجياً من خلال منعها من التغلغل ضمن حيز نفوذها الإقليمي، وكانت روسيا طوال سنوات، وخلال فترة حكم الرئيس بوريس يلتسن تعاني من عدة أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية عويصة أثرت سلباً على مكانتها الدولية، وأصبحت دولة من دول العالم الثالث بعدما كانت موسكو العاصمة التي تقرر مصير الكثير من الأنظمة والشعوب طوال أكثر من نصف قرن، واضطرت للتوقيع على مجموعة من المعاهدات والاتفاقيات المذلة التي تنازلت بموجبها عن العديد من الجمهوريات السوفياتية السّابقة لتصبح دولاً مستقلة كمعاهدة مينسك التي وقعت في 30ديسمبر/ كانون الأول 1991م، و التي تشكل بموجبها ما عرف لاحقاً برابطة الدول المستقلة، وقد وقعت تلك الاتفاقية دول الكومونولث البريطاني، وتم بموجبها تكليف الحكومة الروسية بمسؤولية إدارة وجمع الأسلحة النووية الموزعة بين أربع بلدان وهي على التوالي روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان. مثلما ذكر موقع المصري اليوم، بتاريخ 18مارس/أذار 2022 م، في مقال بعنوان (” حين تنزع درعك”……أوكرانيا تقاتل روسيا بلا أنياب بعدما كانت ثالث أكبر قوة نووية في العالم).
وبقي الوضع على ما هو عليه إلى غاية انتخاب بوتين كرئيس جديد لروسيا، وهو المحسوب على الحرس القديم في الاتحاد السوفياتي والحامل لفكر ستاليني قومي والحالم باستعادة أمجاد الامبراطورية الحمراء التليدة، فعمل بوتين بعد توليه زمام الأمور في روسيا على تقوية الاقتصاد وبناء مؤسسات الدولة بالإضافة لإطلاق مشاريع بحثية في كافة المجالات، وخاصة العسكرية وحوّل الجيش الروسي من جيش ضعيف ومتهالك يمتلك أنظمة دفاعية ومعدات عسكرية تعود للحقبة السوفياتية لجيش عصري وقوي ومتطور يتبنى عقيدة عسكرية صلبة وقناعات راسخة تقضي بضرورة إعادة روسيا كلاعب دولي مهم في رسم التوازنات الاستراتيجية في منطقة غرب أسيا وشرق أوروبا وبحر قزوين، وهذا ما لم يعجب واشنطن والدول الغربية التي تتضارب مصالحها مع الدب الروسي، فعملت بالتالي على اضعاف منظومة الحكم في الكرملين عن طريق محاولة دعم المعارضة الليبرالية المحسوبة عليها كما قدمت الدعم المالي للكثير من وسائل الاعلام والقنوات الفضائية والأحزاب السّياسية المعارضة، من أجل تشويه صورة الرئيس بوتين والتشكيك في سياساته الإصلاحية، واتهمت بوتين بارتكاب جرائم حرب في كل من الشيشان وجورجيا وجزيرة القرم، ولم تكتفي تلك الدول الغربية بذلك بل قامت بفرض العديد من العقوبات الاقتصادية على العديد من الشركات والبنوك الروسية، وسعت لتوسيع حلف الناتو بعدما تعهدت سابقاً بعدم ضم دول الكتلة الشرقية إليه، وخاصة تلك التي كانت جزءاً من حلف وارسو كأوكرانيا الملاصقة جغرافياً لروسيا، وذلك في رسالة استفزاز واضحة لموسكو، فواشنطن قد رفضت المطالب المتكررة لروسيا بعدم ضم أوكرانيا لناتو، واعتبرت ذلك حقاً سيادياً لكييف، رغم عدم تحقيقها للمعايير والشروط اللازمة لذلك، كما قال ويليام ألبيركي مدير الاستراتيجية والتكنولوجيا والسيطرة على الأسلحة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الذي أكد على أنه بالرغم من تحسن أداء الجيش الأوكراني منذ 2014م، إلاّ أن أوكرانيا بحاجة لتنفيذ إصلاحات قانونية واقتصادية ومكافحة الفساد قبل الانضمام لحلف الناتو، وأضاف أنه فيما يتعلق بمكافحة الفساد والاصلاحات في المجالات العسكرية أبدى الأوكرانيون تحسناً واقتربوا من المطلوب لكنهم ما زالوا يواجهون عقبات الفساد الحكومي والاصلاحات القضائية. كما ذكر موقع euronewsبتاريخ 20فيفري/ شباط 2022م، في مقال بعنوان ( ما مدى قرب أوكرانيا من الانضمام إلى الناتو؟).
فالرئيس الأوكراني زلينسكي الذي يعتبر بلاده هي بمثابة درع أوروبا الذي يحميها في مواجهة الجيش الروسي، والطامح للانضمام للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، أكد خلال زيارته السرية لواشنطن على أن بلاده تخوض حرباً ضد بوتين نيابة عن واشنطن وكل العالم الحر، وعلى هؤلاء جميعاً دعمه مادياً ولوجستياً وعسكرياً واستخباراتياً، وذلك في كلمته التي ألقها في مبنى الكونغرس الأمريكي وعاد بعدها للعاصمة كييف عن متن طائرة عسكرية أمريكية، بعدما تلقى تأكيدات بأن واشنطن ستمد بلاده بأنظمة صواريخ باتريوت، بالإضافة لحوالي 45 مليار دولار كمساعدات مالية عاجلة لأوكرانيا، التي تعاني عجزاً رهيباً في موازنتها السنوية نتيجة الخسائر الهائلة التي تكبدتها نتيجة الحرب الروسية المستمرة منذ قرابة 10أشهر، خاصة وأن الضربات الروسية في الآونة الأخيرة قد تركزت على كييف، وأدت لتعطيل حوالي 30 بالمئة من محطات إنتاج الطاقة الكهربائية، وهذا ما جعل مناطق واسعة من أوكرانيا تغرق في ظلام دامس.
فهذه الحرب التي طال أمدها دفعت بالكثير من الجنود الأوكران الذي أدركوا بأن بلادهم تخوض حرباً بالوكالة نيابة عن واشنطن للتمرد على القيادة السّياسية والعسكرية في كييف، وخاصة أولئك الذين يقاتلون في الصفوف الأولى في مواجهة الجيش الروسي، وخاصة في مدن كراسون و ستاريتسا وستريليكيا وأمبارني بمنطقة خاركوف، بالإضافة لمواقع تمركز القوات الروسية في الجبهة الشرقية في كل من تشيرنوبيفكا وأنتونفكا. كما ذكر موقع Skey Newsعربية، بتاريخ 19ديسمبر/كانون الأول 2022م، في مقال بعنوان (تصعيد القصف الروسي على أنحاء أوكرانيا…..ماذا يريد بوتين؟).
فالتصعيد الروسي المستمر خاصة بعد استهداف أحد الجسور في جزيرة القرم التي تعتبر خطاً أحمر بالنسبة للعقيدة العسكرية لدى الجيش الروسي، وحصول الجيش الأوكراني على صواريخ الباتريوت الأمريكية الصنع، التي تستطيع ضرب أهداف حيوية واستراتيجية مهمة في الأقاليم الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا، هذا إلى جانب وظيفتها الدفاعية، و قيام حلف الناتو بتعزيز قواته المتمركز في بولندا والسويد وفنلندا، كلها مؤشرات تدل على أن الحرب الأوكرانية الروسية ستتوسع لتشمل دولاً أخرى، وبالتالي فإن الحرب بالوكالة التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على روسيا من خلال أوكرانيا لن تبقى محصورة في رقعة جغرافية محددة، وهذا ما يفسر ربما رغبة واشنطن المعلنة في افشال أي عملية سياسية تؤدي لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، لذلك فإن حليفها زلنسكي يرفض بشكل قاطع الجلوس على طاولة المفاوضات مع الجانب الروسي، ويضع شروطاً تعجيزية من أجل ذلك، ويشترط على الدولة الروسية قبل البدء في إجراء أي نوع من المحادثات بين الطرفين، تقديم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاستقالته، بالإضافة إلى الانسحاب الكامل والغير المشروع من كل الأراضي الأوكرانية التي استولت عليها روسيا بما في ذلك جزيرة القرم.
وبالتأكيد فإن واشنطن هي من ستدير هذه المفاوضات من خلف الستار، وستعمل على افشالها لأنه ليس من مصلحتها إيجاد حل سلمي يرضي الطرفين، لأن الإدارة الأمريكية تتخذ هذه الحرب كوسيلة من أجل تحقيق العديد من المكاسب الاستراتيجية، لأنها ببساطة لا تريد التورط في حرب مباشرة مع الجيش الروسي حفاظاً على أمنها القومي وخوفاً من عواقبها الكارثية على مصالحها الحيوية في المنطقة.