تشير الكثير من الدراسات الديمغرافية والأنثروبولوجية، إلى أن هناك تغير كبير حدث في بنية وتركيبة الدول الأوروبية في الخمسين سنة الماضية على الأقل، هذه التغيرات التي أدت لانخفاض كبير في عدد المواليد وازياد مطرد في عدد الوفيات، بحيث أن الهرم الديمغرافي قد أصبح مقلوباً في الكثير من المجتمعات الأوروبية، وخاصة في الدول الغربية، وهذا مرده لعدّة عوامل اجتماعية و ثقافية واقتصادية وحتىّ سياسية، والتي كان من بينها التغيرات الثقافية العميقة التي شهدتها العديد من الدول الأوروبية، وخاصة في فترة الحرب الباردة، حيث انتشرت ثقافة تحديد النسل، وقيم الانفتاح والليبرالية الرأسمالية الفردانية، والتي تشجع على الحرية الفردية، ونبذ الزواج، وتدعو إلى التعدد في العلاقات العاطفية، وترى في بناء الأسرة والانجاب، أموراً غير مهمة في الحياة، واستعاضت عنها بالتركيز على الماديات والكماليات، وضرورة أن يكون الإنسان ناجحاً في حياته المهنية والعملية، على حساب الجانب العاطفي أو الأسري بشكل شبه كامل، بالإضافة إلى القوانين الأوروبية، التي شرعتها الكثير من الدول كألمانيا وفرنسا والدول الاسكندنافية…الخ، والتي تجبر الرجل على الزواج من امرأة واحدة طوال حياته، وأن طلقها فإنها تحصل تقريباً على نصف ما يمتلكه، وهذا ما أدى لعزوف معظم الشباب الأوروبي عن الزواج، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية التي عانت منها الكثير من الدول الأوروبية بعد أزمة 2007م، والتي أثرت سلباً على معدلات الزواج والانجاب في تلك الدول.
فسياسة تنظيم النسل واستراتيجية الحدّ من الإنجاب، والتي تبناها الكثير من السّاسة والمفكرين والمثقفين في القارة العجوز، و التي تحولت لسياسات دولية تتبناها منظمات إقليمية كالاتحاد الأوروبي، أدت لنتائج عكسية، حيث انخفضت معدلات الخصوبة في أوروبا بشكل مطرد وذلك منذ سنة 2016م، وهذا ما أدى بعدد من زعماء القارة، وعلى رأسهم الباب فرانسيس لدق ناقوس الخطر، فالتقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة، يشير بأن الانخفاض المتزايد في نسب الولادات في القارة الأوربية، سيكون ملحوظاً بشدة، لأنه من المرجح أن ينخفض عدد سكان القارة من 707 مليون نسمة بحلول 2050م، إلى حوالي 645مليوناً مع نهاية القرن الحالي، وبذلك لن يشكل سكان أوروبا، إلاّ واحداً مقابل كل عشرين شخصاً حول العالم.
فيما أظهرت أيضاً بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي، أن نحو 4ملايين و 170 ألف طفل فقط ولدوا في أوروبا عام 2019م، ليبلغ بالتالي معدل الخصوبة الكلي في الاتحاد الأوروبي 1.53 بالمئة. مثلما ذكر موقع TRT عربي، بتاريخ 23 جانفي/ يناير 2022م، في مقال بعنوان ( الكلاب ليست بديلاً”، انخفاض المواليد مازال كابوساً للقارة العجوز “).
ويبدو أن المكون الأوروبي الذي يعد حجر الزاوية لدول القارة العجوز، لن يكون هو المسيطر على تركيبة الدول الأوربية في السنوات القادمة، وهذا ما دفع بالعديد من السّاسة الأوروبيين، وخاصة زعماء الأحزاب اليمينية المتطرفة، وخاصة في دول مثل فرنسا وهولندا وبريطانيا، للدعوة صراحة لطرد المهاجرين، وخاصة المسلمين والعرب والأفارقة وترحيلهم لبلدانهم الأصلية، ومن هؤلاء زعيمة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبان، والتي حصلت سنة 1998م لأول مرة على مقعد مجلس مقاطعة نوربادكالي، ثم أصبحت عضواً في الحزب عام 2000م، وفي 2004م انتخبت لعضوية البرلمان الأوروبي لتصبح زعيمة للحزب سنة 2011م، وذلك بعد تنحي والدها عن رئاسته سنة 2010م، وتعرف بمواقفها المناهضة للمهاجرين، حيث دعت لترحيل كل المهاجرين الذين يقيمون في فرنسا بصفة غير قانونية فوراً، وأمهال الأجانب الذين لا يجدون عملاً ثلاثة أشهر لإيجاد وظيفة، أو الرحيل، إن كانوا مقيمين بطريقة شرعية. كما ذكر موقع BBC NEWS عربي، بتاريخ 14 ديسمبر/ كانون الأول 2015م، في مقتل بعنوان ( ” مارين لوبان: المرأة التي تريد ترحيل جميع المهاجرين” من فرنسا).
وحتى بريطانيا التي كانت تعرف بجنة المهاجرين في أوروبا، قد غيرت سياستها بهذا الخصوص، وقامت تحت ضغط أحزاب اليمين المتطرف، بسنّ قانون صوت عليه أغلبية أعضاء مجلس العموم البريطاني، يدعو صراحة لطرد المهاجرين الذين لم تقبل ملفات لجوئهم في بريطانيا، وذلك بعدما ازدادت أعدادهم وخاصة أولئك القادمين عبر بحر المانش، حيث بلغ عدد حوالي 28 ألف مهاجر غير شرعي عام 2021م، ووقعت الحكومتان البريطانية والرواندية، اتفاقاً يقضي باستقبال رواندا للمهاجرين الغير شرعيين المرحلين من بريطانيا، في مقابل تقديم لندن مساعدات مالية واقتصادية لكيغالي، تقدر ب 120 مليون جنيه استرليني سنوياً ( 157 مليون دولار، ما يعادل 144 مليون يورو)، ليتم دمج (مهاجرين) في مجتمعات عبر البلاد، وفق بيان كيغالي، وهي الصفقة التي لقيت تنديداً واسعاً من طرف منظمات انسانية تعني بالمهاجرين الغير شرعيين، إذ يتهم تيم تاور هلتون، وهو عضو في منظمة Réfugagee Action للاجئين، الحكومة البريطانية بأنها ” تنقل مسؤوليتها إلى المستعمرات الأوروبية السّابقة بدلاً من اضطلاعها بحصتنا العادلة لمساعدة بعض الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في العالم”، وتابع أن ” خطة المال- مقابل البشر القذرة هذه ستكون طريقة جبانة وهمجية وغير انسانية في التعامل مع الأشخاص الفارين من الاضطهاد والحروب. كما ذكر موقع فرانس 24، بتاريخ 14أفريل/ نيسان 2022م، في مقال بعنوان ( ” بريطانيا تقرر إرسال طالبي اللجوء إلى رواندا”).
نظرية الاستبدال العظيم.
تعود جذور هذه النظرية التي تدخل ضمن نطاق نظريات المؤامرة، والتي تعتبره بمثابة عقيدة راسخة لدى الكثير من النخب الأوروبية، وخاصة القومية التي تدافع عن الهوية المسيحية البيضاء لأوروبا، إلى النصف الثاني من القرن العشرين، عندما كتب الروائي الفرنسي جان راسبيل روايته ” معسكر القديسين”، والتي صدرت عام 1973م، حيث تصور نهاية وانهيار الحضارة الغربية، بسبب ” موجة مد” ساحقة من العالم الثالث، جبناً إلى جنب مع الكاتب السويسري الصهيوني بات باور عام 2005م، واللذان مهدا الأرض لرينو كامو لتطوير وتقديم كتابه المعروف ” نظرية الاستبدال العظيم”، وهي النظرية التي لخصها بقوله ” الاستبدال العظيم بسيط للغاية، لديك شعب ما، وفي غضون جيل واحد سيصبح لديك أناس مختلفون”، حيث يزعم أنصار هذه النظرية ومعتنقوها بأن الثقافة والحضارة والهوية الأوروبية في خطر، بسبب الهجرة الجماعية التي تتعرض لها أوروبا من طرف شعوب شمال أفريقيا والشرق الأوسط وغيرهم، والتي تهدف في النهاية لاستبدالهم بالشعوب الأوروبية فعلياً.
فهذه النظرية العنصرية إلى حدّ بعيد، تقوم على افتراضات لا أسس واقعية تدعمها، مثل أن هناك جهات خفية غير ظاهرة، تسعى لاستبدال الأعراق الأخرى، وخاصة العرب والبربر والمهاجرين الشرق أوسطيين، وخاصة المسلمين ليحلوا محل الأوروبيين، وذلك لتغيير الوجه الحضاري والثقافي والديني وحتى العرقي لأوروبا، وهي النظرية التي ساهمت في تأجيج مشاعر الكراهية والحقد والعنصرية لدى الكثير من الأوروبيين ضد المهاجرين الأجانب، وخاصة المنتمين منهم لأحزاب اليمين المتطرف.
فالمجتمعات الأوروبية التي تعيش حالة شيخوخة مبكرة في معظمها، والتي تعاني من مشاكل عويصة في جميع المجالات، و التي تفاقمت أزمتها الاقتصادية بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، باتت ترى في المهاجرين الغير أوروبيين، باعتبار أن المهاجرين الأوكران مرحب بهم في كل دول القارة، بل ويعاملون معاملة تفضيلية، مقارنة بغيرهم من المهاجرين السوريين أو العراقيين أو الليبيين الخ، والذين لجؤوا لأوروبا هرباً من جحيم الحروب في بلدانهم، خطراً داهماً على مستقبل شعوبها وبقاءها، كشعوب أوروبية بيضاء، مع عجز حكوماتها على تعديل الهرم الديمغرافي، الذي ان استمر في شكله الحالي في السنوات القليلة القادمة، فإن هذا سيؤدي لاختفاء شعوب ودول بأكملها كبلجيكا أو اسبانيا أو ايطاليا.
فالكثير من الدراسات تؤكد بأن شعوب هذه الدول ستصبح أقلية في بلدانهم في 100 سنة القادمة، حيث أن عدد الألمان من أصول ألمانية، سينخفض بشكل كبير، وذلك مع ارتفاع عدد المواطنين الألمان من أصول أجنبية لحوالي 16 مليون نسمة، ما يشكل 30 بالمئة من مجموع سكان ألمانيا البالغ 82 مليون نسمة، مثلما أظهرت احصائية نشرها الجهاز الألماني للإحصاء سنة 2010م. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 15 جويلية/ يوليو 2010م، في مقال بعنوان (30 بالمئة من مواليد ألمانيا أجانب).
وبالتالي فإن الشعوب الأوروبية سوف تندثر في معظمها مستقبلاً، ما لم تستعن بالمهاجرين الأجانب الذين سيكونون بمثابة الرافعة الاقتصادية لها، وكذلك ان لم تقم هذه الدول بتقديم حوافز إضافية للشباب الأوروبي لحثه على الزواج والانجاب، وكذلك فإن عليها تبني سياسات حكومية، واضحة تمنع أو تحدّ من مظاهر الانحلال والشذوذ الأخلاقي، وتعود الشعوب الأوروبية بالتالي لأصولها المحافظة، و تقوم بتسخير المنجزات الطبية والعلمية في بناء استراتيجيات وطنية تهدف لزيادة نسب النمو الديمغرافي لهذه الدول، لمنع التفكك الحتمي لمجتمعاتها.