مغول العصر الحديث ينهبون حضارة بلاد الرافدين!
عميرة أيسر
أثناء الغزو الأمريكي الصهيوني للعراق، ارتكب مغول العصر الحديث أكبر جريمة في التاريخ البشري تخص التراث الإنساني، إذ لم يكتفي هؤلاء بقتل و تهجير ملايين العراقيين عند غزوهم لبلاد الرافدين سنة 2003م، بل قاموا بما هو أبشع من ذلك بكثير عند احتلالهم لمدن البصرة وكركوك وسامراء وبغداد اذ سرقوا ونهبوا آلاف القطع الأثرية النادرة والقيمة، ولم تنفع كل الاستغاثات والنداءات التي أطلقتها جمعيات المتاحف في مختلف الدول مطالبة الجيش الأمريكي بالكف عن سرقة هذه الآثار حيث قالت: عالمة الآثار العراقية ومستشارة المتحف البريطاني الدكتورة لمياء الكيلاني في لقاء تلفزيوني مع قناة روسيا اليوم بأن عدد القطع المسروقة من المتحف الوطني العراقي لوحده إبان الغزو الأمريكي للعراق بلغ حوالي 200 ألف قطعة أثرية نادرة فيما يؤكد خبير الآثار في جامعة بغداد حيدر فرحان بأنه لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد الآثار المسروقة عند احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية التي لم تكتفي بنهب ما هو موجود من أثار قيمة في مختلف المتاحف في معظم المحافظات العراقية بل تعدى الأمر لتشمل مواقع الحفريات الأخرى. كما ذكر موقع ARABIC.NEWS.CN، بتاريخ 11 أفريل/ نيسان 2023م، في مقال بعنوان ( وسائل اعلام: سرقة الكثير من الآثار الثقافية في العراق بعد الغزو الأمريكي).
بالإضافة لسرقات المتاحف العراقية فإن هناك مواقع أثرية قد تمت مداهمتها والاستيلاء على ما وجد فيها بعدما تمت عملية طرد تعسفي لكل الفرق البحثية المتواجدة هناك، كما فعلت القوات الأمريكية في مدينة أور العائدة للحضارة السومرية عاصمة الملك جلجامش، حيث تم تحميل 200 صندوق من الآثار التي وجدت في تلك الحفريات، ومن ثم شحنت للولايات المتحدة الأمريكية بعد أن وضعوا ذلك الموقع تحت الحراسة المشددة، فواشنطن التي أوهمت المجتمع الدولي بأن عملية غزوها للعراق كانت من أجل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومنع العراق من امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وغيرها من هذه الأكاذيب المفضوحة، كان هدفها الأساسي هو الاستيلاء على أثار العراق ومقتنياته الحضارية بحثاً عن البوابات النجمية والبعدية، والأدلة والبراهين التي تثبت ما وجد على جداريات مختلف المعابد و البابلية والسومرية والأكادية بأن الشعوب القديمة كانت تمتلك تكنولوجيا متطورة جداً، وفي تواصل مع سكان الأبعاد والعوالم الموازية تأكيداً لنظرية أينشتاين حول الأكوان المتوازية، والأنفاق الدودية الزمنية. كما جاء في كتاب أنتون ماكس المعنون ” سر النجوم المظلمة”.
فأمريكا الباحثة عن النفوذ والقوة والسلطة تريد أن تمتلك تكنولوجيا متطورة متفوقة لتديم استمرارية سيطرتها المطلقة بعدما بدأت قدراتها تتراجع وتضمحل تدريجياً مع مرور الوقت بظهور قوى دولية عظمى بدأت تزاحمها على عرش الريادة العالمية، ولعلمها أن الحضارات القديمة في الشرق الأوسط، وخاصة في كل من سوريا والعراق ومصر تحتوي على الكثير من الأسرار القديمة المدفونة التي تطمع أمريكا في استغلالها بشكل يسمح لها باستعادة مجدها المفقود، ولأن التاريخ البشري مزور ومفبرك في الكثير من حقبه الزمنية وهذا موضوع يطول شرحه، إذ أن الكثير من المؤرخين يؤكدون بأن حضارات التي وجدت قبل الطوفان العظيم وخاصة في قارة ليموريا الغارقة في أعماق المحيط الهادي، كانت تمتلك من العلوم والتكنولوجيا ما يفوق ما نعرفها اليوم، ويطالبون بإعادة كتابة تاريخ البشرية بناء على المكتشفات الأثرية والحضارية الحديثة، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، ومن بين هؤلاء الدكتور أحمد داوود في برنامجه تاريخ الحضارة، التاريخ الحقيقي للعرب، بالإضافة للمؤرخ بير روسي في كتابه ” مدينة أزيس التاريخ الحقيقي للعرب”، حيث يقول في مقدمة الكتاب ” أن الأوان الذي ينبغي للعالم الشرقي أن يبدأ في اكتشاف حقيقة تاريخه وثقافته اللتين لولاهما لغد الغرب فارغاً، ولقد أتى على الناس حين من الدهر كانت مدارس الغرب وجامعاته قد خفضت فيه مخطط القيمة الواسعة لحضارة امتدت عدة آلاف من السنين بين نهرين السند والرين وجبال البرينيه، رغبة منها في تمجيد أثينا وروما، في حين كانت هاتان العاصمتان قد أنشأهما الشرق، وسكنهما الشرق، وعلمتهما وكونت ثقافتهما الأنهار والمدن كمنفيس وبابل و نينوى وبعلبك وقرطاجة التي أصبح العرب اليوم ورثتها المخلصين، وأضاف أنه من الخطأ الفادح ذلك القول الذي يدعي أن الاسكندر أو قيصر أو بومبي قد احتلوا أو حضّروا الأراضي المتوسطة والأسيوية الشاسعة التي تتحدث عنها كتب تاريخ العرب، كما أنه من الخطأ الفادح أيضاً أن يكون أرسطو أو أفلاطون قد أثروا في الفكر العربي، إن الحقيقة هي على العكس من ذلك”. ص9.
فإن الدولة التي لا تاريخ لها والقائمة على سفك الدماء واحتلال أراضي الغير وتهجيرهم منها قبل قرنين من الزمن، والقائمة على الغطرسة والعنجهية والقوة، و التي تعاني من مركب نقص جمعي حضاري يرى في الحضارات الشرقية القديمة الضاربة في أعماق التاريخ منافساً حقيقياً لها مستقبلاً، لأن الشعوب الوارثة لهذه الحضارات، حتىّ وان كانت تعاني من الجهل والتخلف والقمع والفساد السّياسي والاقتصادي، إلاّ أنها تمتلك كل مقومات ومفاتيح استعادة قوتها ومجدها وعنفوانها معتمدة في ذلك على ماض عريق وعلى إرث تاريخي ثقافي حضاري وزخم علمي لا تمتلكه واشنطن، والمنظومة القيمية والمعرفية والثقافية والحضارية الغربية، ولأن صناع القرار الحقيقي في أمريكا يعرفون ذلك فإنهم يسعون في كل مرة لاحتلال دولة من دول المنطقة الشرق أوسطية، وخاصة في المنطقة العربية والمغاربية مهد الحضارة الانسانية القديمة، وأكثر شيء يركزون عليه عند غزوها هو سرقة متاحفها وأثارها وتخريب أماكنها الأثرية بعد نهبها بالكامل كما فعلوا مع مدينة تدمر السورية، فمغول العصر الحديث المدّعون للحضارة المدنية والداعمين للجماعات الإرهابية كداعش والنصرة الناهبة لأثار كركوك والموصل والسليمانية يريدون إفراغ دولنا من كل مقوماتها الحضارية ومن تراثها الانساني، وطمس هويتها حتى يسهل عليهم تزييف تاريخها وتزويره تنفيذاً لمخططات الصهيونية العالمية الرامية لطمس ذاكرة شعوب المنطقة لتسهيل عملية السيطرة عليهم، وبالتالي ترسيخ المفاهيم المغلوطة عن تاريخ المنطقة ونسب كل المنجزات الحضارية والفكرية والثقافية والآثار التاريخية لليهود وغيرهم من غير سكان المنطقة كما يريدون نسب الحضارة الفرعونية للزنوج على سبيل المثال لا الحصر، ورغم نجاح الحكومة العراقية بعد جهود مضنية في استعادة 17 ألف قطعة أثرية لا تقدر بثمن، تم تهريبها للولايات المتحدة الأمريكية إبان الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين، ولكن لاتزال هناك آلاف القطع الأثرية الهامة في متاحف فرنسا وبريطانيا وألمانيا والامارات العربية المتحدة وغيرها من الدول، ويجب استرجاعها باعتبارها تراثاً انسانياً عراقياً خالصاً نهبت من دولة تعرضت للاحتلال حسب مواثيق القانون الدولي.
– كاتب جزائري
2023-06-26
