لا زال اليوم الثاني للحرب بعيدا!
سعادة مصطفى ارشيد*
شهدت الاشهر الأخيرة للحرب ولا تزال تشهد ان كثير من اهل السياسة والاعلام يتداولون التحليلات والتوقعات حول نتائج الحرب ومن انتصر وما ننهزم، وكيف سيكون شكل اليوم الثاني للحرب فمنهم المتفائل ومنهم المتشائم، وقد ارتفع منسوب حرارة النقاش عقب قمة شرم الشيخ والتي اعلن فيها الرئيس الامريكي خطته للسلام ووقف اطلاق النار في غزة، ثم اصبحت لاحقا قراراً دولياً صادراً عن مجلس الامن يحمل رقما، لكن ما فات هذه التقديرات ان الحرب لا زالت مستمرة وانما تأخذ اشكالا جديدة وفي جبهات جديدة وهكذا فان اليوم الثاني للحرب لا زال بعيدا.
لم تتوقف حرب الإبادة والتجويع في غزة ولم يأت يومها الثاني بعد، فبرغم ما تقدم لا زال العدو يضرب بلا رحمة ّولكن وهو أكثر ارتياحاّ اذ ان جنوده على الارض لا يتعرضون للخطف او للقتل وانما يأتي الضرب من البحر والجو، وفي ذات الوقت تتم عرقلة دخول المساعدات الانسانية بشكل يترافق مع نفي اعلامي اسرائيلي ومعه بعض الفضائيات العربية عن عدم وجود مجاعة في غزة لا بل يصر هذا الاعلام المشبوه على ان غزة لديها فائض من الغذاء والدواء والوقود.
في الضفة الغربية ترتفع حرارة الحرب التي أعلنها الاحتلال بهدف ضم كامل الضفة الغربية باعتبارها حقاّ تاريخياّ وتوراتيا ّ(لإسرائيل) فهي بمفرداتهم (يهود والسامرة) ويتم العمل على تهجير سكانها وهو ما كان واضحا في البرنامج المعلن للحكومة الحالية في تل ابيب، تسير عملية الضم بطريقة القضم قطعة قطعة، فيما تشهد عمليات تهجير السكان نجاحات محدودة خاصة في جيل الشباب اذ تنشط مكاتب وقنصليات في تامين سفرهم او هجرتهم للشمال الاوروبي وذلك بالتزامن مع حالة الفقر والبطالة خاصة لدى الجامعيين منهم.
في ذات الوقت يطلق الاحتلال مجموعة من فتيان التلال وهم مستوطنين شبان تلقوا جرعات عالية من التحريض والحقد والعدوانية، انهم ميليشيا رسمية مدعومة من الحكومة وظيفتها الاعتداء على الفلسطينيين وحرق مزروعا تهم وقطع اشجار زيتونهم وسلبهم مواشيهم وجعل حياتهم بالغة الصعوبة.
اليوم اصبحت كل من محافظة جنين وطوباس في عين العاصفة فهاتين المحافظتين كانتا حتى القريب، الابعد عن غول الاستيطان، ولكن الاستيطان اليوم يريد ان يتوسع في هذه المناطق ولهذا الهدف كان الهجوم المكثف على طوباس التي دخلتها ثلاثة فرق جيش اضافة الى قوى شرطية ومخابراتية تهدف الى تحضير المنطقة امنيا استعدادا لحملة استيطانية جديدة سنراها في الايام القادمة.
منذ ايام هاجمت مجموعة من فتيان التلال منزلا فلسطينيا في احدى القرى وقاموا بتحطيمه ثم احراقه الى ان جاء الجيش الاسرائيلي ترافقه قوة شرطية لإبعادهم عن المنزل وذلك في عملية تقاسم ادوار بينهم. فتيان التلال يعتدون على الفلسطينيين الممنوعين من الدفاع عن أنفسهم ثم يأتي الجيش الاسرائيلي بعد ان ينهي هؤلاء جريمتهم لإبعادهم على المنطقة هكذا يتم تشكيل الصورة على انها صراع بين مدنيين اسرائيليين والفلسطينيين فيما يقوم للجيش بدور محايد لحفظ الامن.
الاوضاع القلقة هذه تستدعي مزيداّ من اليقظة، و امكانية تجاوز هذه المرحلة ممكن و ان احتاج تطوير قدرتنا على الاحتمال، و لنا في غزة الدرس الحي، فبعيدا عن التفاؤل و التشاؤم، و عن الكلام الحماسي الذي يهدف الى رفع المعنويات، يمكن القول بثقة ان (اسرائيل) لم تنتصر، و ان المقاومة لم تهزم، (فإسرائيل) لم تستطع تحقيق اهدافها سواء المعلنة او المضمرة في هذه الحرب، فلم تسحق المقاومة، و لم تعثر على اسراها او تطلق سراحهم بالقوة كما كانت تدعي، و انما من خلال التفاوض، و لا زال الموجودين في غزة اكثر بكثير ممن غادرها، و مشروع اعادة تشكيل الشرق الاوسط لا زال يتعثر، اما المقاومة فهي و ان خسرت كثير من مقاتليها و قادتها و ان تراجعت و انكفأت بسبب نفاذ الذخائر و الاهم بسب خذلان من كان يجب ان ينصرها، الا انها لا زالت موجودة و جذوتها تنبض بالحرارة، و ستبقى طالما هي حية في العقل و الوجدان.
انها جولة جديدة ويوم ثان لأيام الحرب لا لما بعد الحرب، جولة لا تقل ضراوة عن سابقتها تستدعي من اليقظة والحذر وادارة الصراع على ان الانتصار في هذه المرحلة يكون في الصمود والثبات وبالبقاء على هذه الارض.
ـ جنين /فلسطين المحتلة
2025-11-29