كيف ستوظف روسيا الخلاف الاوكراني الألماني لصالحها؟
عميرة أيسر
عرفت العلاقات الدبلوماسية توتراً متصاعدا بين كل من ألمانيا وأوكرانيا، وذلك منذ بداية العملية العسكرية الروسية ضدّ من وصفهم بوتين والإعلام الروسي بالنازيين الجدد في أوكرانيا، والذين يرى فيهم تهديداً حقيقياً لأمن كل دول البقان والبلطيق، فروسيا قد استشعرت خطر هذا التهديد الذي بدأ يتعاظم تدريجياً، فالنزعة العنصرية الاستعلائية قد بدت واضحة في توجهات السّاسة الأوكران الذين دعموا وبشكل مطلق عمليات الجيش الأوكراني في إقليم دونباس، والذي كانت قواته تقوم بعمليات تصفية وابادة جماعية على أسس عرقية أو مذهبية لسكانه من المدنيين العزل، ودون التأكد من هويتهم أو حتىّ مدى ارتباطهم بالمتمردين المدعومين من طرف روسيا، كما يقول الرئيس الأوكراني فولو ديمير زيلينسكي، فروسيا لطالما اتهمت أوكرانيا بارتكاب جرائم إبادة جماعية في إقليم دونباس، ومنها تلك التي كشف عنها المحققون الفدراليون في روسيا، والذين عثروا على 5 مقابر جماعية تحتوي على جثامين نحو 295 مدنياً في منطقة لوهانسك، وهو ما أكدته المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زخاروفا، التي اتهمت بصريح العبارة السلطات في كييف بالمسؤولية عن ارتكاب تلك المجازر الجماعية. كما أشار لذلك موقع الحرة، بتاريخ 21فيفري/ شباط 2021م، في مقال بعنوان ( روسيا وأوكرانيا اتهامات متبادلة قد تشعل الحرب في أية لحظة).
فالرئيس الأوكراني قد اتهم عدّة مرات رؤساء دول حلف الناتو بالتخلي عنه، وهذا ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السّياسية والاعلامية والعسكرية في الكثير من دول المنظومة الغربية، وخاصة تلك التي تنضوي تحت لواء حلف الناتو، وهو ما نتج عنه إرسال الكثير من دول الحلف لمعدات عسكرية متطورة لأوكرانيا، كالولايات المتحدة الأمريكية التي زودت الجيش الأوكراني مؤخراً بأكثر من 17 ألف سلاح مضاد للدبابات منها صواريخ جافلين، بالإضافة إلى أنها أقامت جسراً جوياً نحو أوكرانيا، مستخدمة في ذلك طائرات أنتونوف AN.124. مثلما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، وهو الأمر الذي لم تقم به واشنطن منذ حرب أكتوبر 1973م، عندما قامت بإقامة جسر جوي من أمريكا إلى مطار اللد الصهيوني، وزودت الجيش الاسرائيلي بنحو نصف المخزون الاستراتيجي من الأسلحة الأمريكية المتطورة أنذاك، بما فيها دبابات “أم 60″، وصواريخ (أرض/جو)، وطائرات فانتوم وبلاك سكاي…الخ، وتمّ نقل ما مجموعه 22ألف طن من المعدات والامدادات العسكرية النوعية والدقيقة على مستوى التكنولوجيا التي لم تكن معروفة من قبل، لدرجة أن الرئيس المصري أنور السّادات كان يقول بأننا نحارب أمريكا على أرض سيناء المصرية. كما ذكر موقع الأهرام المصري، بتاريخ 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014م، في مقال بعنوان (“أسرار الجسر الاستراتيجي” بين أمريكا وإسرائيل).
فواشنطن التي وصفت بوتين بأنه مجرم حرب، استغلت فرصة غزوه لأوكرانيا من أجل زيادة عدد قواتها في دول حلف الناتو، التي أصبحت تناهز 100 ألف جندي، وهو ما رأت فيه دول مثل ألمانيا وفرنسا محاولة أمريكية لعسكرة المنطقة، ووسيلة للضغط على هاته الدول من أجل تقديم المزيد من المساعدات المالية والاقتصادية لأوكرانيا، ومحاولة من واشنطن لإعادة تموضعها الاستراتيجي في القارة العجوز، خصوصاً بعد التصريحات التي أطلقها منذ سنوات العديد من القادة في هذه الدول وخاصة فرنسا، والداعية لتشكيل جيش أوروبي موحد بعيداً عن حلف الناتو، وغير خاضع للهيمنة الأمريكية، وهذا ما سيؤدي بالتالي لإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في العديد من الدول الأوروبية، والتي ازداد عددها في إطار الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، عندما أقنع الرئيس الأمريكي هاري ترومن قادة أوروبا الغربية، بضرورة وجود قواعد عسكرية لبلاده في أوروبا، والتي ستكون بمثابة الدرع الأمني الذي سيحميها من المدّ الشيوعي، وقد وصل عدد جنود الجيش الأمريكي لحوالي 250 ألف جندي في ألمانيا لوحدها، وانخفض هذا العدد لحوالي 75ألف بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
وبالتالي فمنطقياً لم يعد هناك داع لبقاء هذه القوات الأمريكية في هذه الدول بعد زوال الخطر الشيوعي عنها، مادام أن روسيا قد قامت بسحب كل قواتها العسكرية المتواجدة في دول أوروبا الشرقية بعد تفكيك حلف وارسو سنة 1991م، وذلك في غياب تام للشفافية والنزاهة لدى المؤسسات السّيادية في أمريكا كالكونغرس ووزارة الدفاع لفتح هذا الملف الشائك، كما تقول الباحثة الأمريكية إيمي أوستن هولمز، التي تشغل منصب استاذ مساعد ورئيس وحدة علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. كما ذكر الموقع الرسمي للجامعة الأمريكية بالقاهرة، في مقال بعنوان( ايمي أوستن هولمز: لماذا تتواجد قواعد عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية بالخارج؟).
وبات جلياً من خلال القراءة المتأتية لسياسة ألمانيا في السنوات الفارطة، وخاصة بعد وصول أنجيلا ميركل لمنصب مستشار الدولة، بأنها تريد تزعم القارة الأوروبية وبالتالي تخليصها من النفوذ الأنجلوسكسوني، باعتبار أن بريطانيا وأمريكا ليستا جزء من الثقافة الأوروبية، وتعتبرها دول مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا، دولاً أطلسية بروتستنتية، وليست كاثوليكية أو أرثودوكسية، خصوصاً بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما اعتبرته دول الاتحاد محاولة أمريكية مكشوفة لإضعاف أوروبا اقتصادياً، وحرمانها من قوة عسكرية نووية كبرى كبريطانيا، لكي تبقى واشنطن هي المهيمن على كل دول القارة العجوز.
ويرى الكثير من المراقبين بأن التوتر الكبير الحاصل بين ألمانيا وكييف، والذي ترجم دبلوماسياً برفض الرئيس الأوكراني زيلينسكي زيارة نظيره الألماني فرانك- فالتر شتا ينماير لبلاده، حيث اقترح رئيس بولندا أندريه دودا على هذا الأخير خلال زيارته للعاصمة وارسو، أن يتوجه كلاهما بصحبة رؤساء دول البلطيق للعاصمة الأوكرانية كييف، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض من طرف السّلطات الرسمية هناك، والتي طالبت بأن تكون الزيارة رسمية أكثر، وطالبت بحضور المستشار الألماني أولاف شولتس، أو أحد أعضاء الحكومة الألمانية الفاعلين، بالرغم من أن الرئيس الألماني قد وصف ما تقوم به روسيا في أوكرانيا بجرائم حرب، ورفض زيارته للأراضي الأوكرانية تعتبر بمثابة إهانة واضحة للدبلوماسية الألمانية العريقة، فزيلينسكي لن ينسى بأن الأخير كان يشغل منصب وزير الخارجية في عهد المستشارة أنجيلا ميركل، وهي التي كانت وراء عدم قبول انضمام بلاده لحلف شمال الأطلسي سنة 2008م بالإضافة لفرنسا وذلك عندما صوتت ضدّ قرار انضمام كييف لهذا الحلف العسكري الأورو أطلسي، وهي الخطوة التي كانت كافية لردع بوتين عن عزو أوكرانيا، والمخاطرة بدخول حرب كبرى غير مضمونة النتائج ضد دول حلف الناتو. كما ذكر موقع DW الألماني، بتاريخ 12 أفريل/ نيسان 2022م، في مقال بعنوان ( إلغاء زيارة للرئيس الألماني لكييف، لعدم رغبة الجانب الأوكراني).
فالسّياسة الدولية تبنى على المصالح والمنافع المتبادلة بين الدول وليس على الأيدولوجيات المشتركة، وهذا ما قد يدفع ألمانيا للتحالف مع روسيا استراتيجياً من أجل مساعدتها على إجلاء القوات الأمريكية من دول أوروبا الغربية، وذلك في مقابل أن تغض برلين الطرف عن غزوها لأوكرانيا، وكل دول أوروبا الشرقية التي كانت جزءً من الاتحاد السوفياتي سابقاً، مع بروز تكتلات سياسية في موسكو كالحزب الشيوعي الروسي، تنادي باستبدال العلم الروسي بعلم الاتحاد السوفياتي، وقدم الحزب مشروع قانون لمجلس الدوما الروسي من أجل مناقشته بهذا الخصوص معتمداً في ذلك على العديد من استطلاعات الرأي التي قامت بإنجازها مراكز متخصصة في هذا المجال داخل الاتحاد الفيدرالي الروسي.
فروسيا عليها الاستفادة من التغيرات السّياسية المتسارعة في بنية النظام الدولي، وذلك في ظل المعطيات والمؤشرات التي تؤكد بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من تراجع حاد ومستمر في معدلات النمو الاقتصادي، وتتعرض لموجة غير مسبوقة من الهزات الاقتصادية المتتالية، التي أدت لارتفاع كبير في نسب التصخم، وازدياد مطرد في نسب البطالة والفقر ، وعجز الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن عن احداث إصلاحات جوهرية هيكلية عميقة في بنية الاقتصاد الأمريكي.
بالإضافة لازدياد الضغوط التي يتعرض لها من طرف اللوبي الصناعي في أمريكا، والتي قد تحرمه من الترشح لعهدة رئاسية ثانية، بسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضها على روسيا، والتي أدت لحرمان الشركات الأمريكية الكبرى كشركة أبل من العمل في سوق استهلاكي واسع ومن فرص استثمارية واعدة داخل روسيا، والتي تعتبر المورد الرئيسي للكثير من المواد الخام التي تستخدم في الصناعات التكنولوجية الدقيقة، كالياقوت الاصطناعي والذي يدخل في صناعة الشرائح الذكية في شركة أبل و بنسبة 40 بالمئة ، بالإضافة للياقوت الأزرق الذي يعتبر من أهم المواد التي تستخدمها شركات التعدين و يدخل في عدة صناعات أخرى مهمة، و بالتالي فإنه في حال قررت روسيا منع تصدير تلك المواد الخام، فإن هذا سيؤدي إلى الحاق اضرار بالغة بتلك الشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات.
فروسيا ستعمل على توسيع الشرخ في العلاقات بين حلفاء أمريكا وخاصة أوكرانيا وألمانيا ، التي فيما يبدو تريد توثيق علاقاتها الاقتصادية والسّياسية مع موسكو مستقبلاً، وهي التي رفضت صراحة إرسال قوات عسكرية ألمانية للقتال إلى جانب أوكرانيا، بالرغم من مطالب زيلينسكي خلال حديثة للبرلمان الألماني عن طريق تقنية الفيديو بضرورة أن تعلب برلين دوراً أكبر وتتحمل مسؤوليتها التاريخية اتجاه ما يجري حالياً في بلده، في إشارة إلى ضرورة إرسال ألمانيا لمعدات عسكرية متطورة وفرق قتالية لكييف لمساعدتها للتصدي للغزو الروسي، وعلى خطى فرنسا رفضت ألمانيا إطلاق وصف مجرم حرب على بوتين كما فعل جوزيف بايدن في خطابه الأخير، و الذي خصص جزءً كبير منه للتهجم على رئيس روسيا الاتحادية.
فسياسة التوازنات التي تتبعها ألمانيا حالياً الهدف الرئيسي منها هو كسب مزيد من الوقت من أجل تطوير قدراتها العسكرية لكي يصبح جيشها الأقوى في أوروبا، وهي حريصة في نفس الوقت على عدم اغضاب موسكو التي قد تقدم على غلق أنابيب الغاز والبترول باعتبارها المصدر الأساسي للمواد الطاقية لبرلين، وهذا ما ستكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد الألماني، مستفيدة في ذلك من تجارب الماضي، بعدما رأت بأن أمريكا قد تركت أوكرانيا لمصيرها، ولم تتدخل عسكرياً للدفاع عنها، فصناع السّياسة الخارجية في برلين باتوا على يقين تام بأن مصلحتهم الاستراتيجية تكمن في التحالف مع روسيا، وقد يتشكل محور روسي ألماني فرنسي مستقبلاً في أوروبا، يكون مقدمة لإعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية للقارة العجوز تماماً كما حدث بعد اتفاقية التحالف المسيحي المقدس والذي أصبحت فرنسا جزءً منها بعد هزيمة نابليون بونابرت.
_كاتب جزائري
2022-04-23