قيد الانتاج .. داعش 2 ـ ليبرالي ويقطع الجذور لا الرؤوس
د. عمر ظاهر
عندما تصاب الشعوب بنكبات وكوارث صادمة، كتلك التي أصيبت بها سورية والعراق وليبيا، تضع الأحداث النخب الثقافية في تلك البلدان أمام أسئلة عديدة، وتحديات كبيرة، ومهمات وطنية، وقومية، وإنسانية كثيرة. وتكون أولى الأسئلة الكبرى هي عن علاقة تلك المصائب بالنخب نفسها.
هل شاركت النخبة في صنعها؟ هل كانت تشعر بقرب وقوعها؟ هل كانت تحذر منها، وتعمل لتجنبها؟ أين أخطأت فلم تستطع منع وقوع المأساة؟ ثم ما العمل؟ والسؤال الأخير تعلمه قطاع واسع من النخب الثقافية العربية عبر دراستها لتراث الزعيم الشيوعي الروسي فلاديمير لينين: ما العمل؟
وفي خضم الأحداث تقوم النخب بمراجعة لقناعاتها، وبتعريف لدورها الجديد، وببلورة ستراتيجيات للتعامل مع النكبة، وتستنفر قواها الفكرية والإبداعية لرسم طريق للخروج منها إلى بر الأمان. إن النخب الثقافية ستحاسب بعد ذلك على أدائها تماما مثلما يحاسب العسكر على الهزيمة، فالجبن، والخيانة، والغباء لن يغفر لأحد، عسكريا كان أو مثقفا.
في العراق لم تحظ النخبة المثقفة، التي بدأت تنشأ بعد قيام الدولة الوطنية العراقية في بداية العشرينات من القرن الماضي، بالوقت الكافي لتشكيل نفسها كقوة مؤثرة في المجتمع العراقي.
لقد توسعت حقا، والتهمت كما هائلا من الأدبيات الأجنبية، فصارت أسيرة ما قرأته في تلك الأدبيات. ثم داهمها العسكر عام 1958 بلعب الدور الأساسي في تخليص البلد من سيطرة الاستعمار، فتحولت النخبة الثقافية إلى ذيول للعسكر تجري وراء طموحاتهم، بل وحتى أوهامهم، ثم انقسمت على نفسها مع انقسام العسكر على أنفسهم، وصارت تخوض مع العسكر الصراع حول السلطة، ونسيت دورها في بناء مجتمع كان أحوج ما يكون إلى الحوار السياسي، والتفاهم والوفاق الاجتماعيين.
النخبة الثقافية العراقية بدأت تخون قضايا الشعب العراقي أصلا منذ التطاحن العظيم في شباط 1963، وذابت في تطاحناتها مما سهل للسلطة التي قامت عام 1968 السيطرة عليها وتسييرها بطريقة مذلة ومهينة.
وليس أدل على ذلك من أن الصف الأول من المثقفين والمتعلمين العراقيين، الباحثين وأستاذة الجامعات، نزلوا إلى الدرك الأسفل في خيانة معاييرهم الأكاديمية قبل كل شيء بإصدار شهادات الدكتوراه الفخرية لعدي صدام حسين في كل جامعة أو كلية زارها، خوفا، وخنوعا، وجبنا، ونفاقا.
أما السياسيون منهم فأصبحوا ببغاوات يرددون شعارات أحزابهم الفارغة، وتعصبوا على طريقة الطائفيين كل لفكر حزبه، ويا ليتهم فهموا من ذلك الفكر غير التعابير الرنانة. لم يلتزم أي قطاع من تلك النخبة بمعايير وطنية في الحوار، وفي إنتاج فكر وطني، بل كرس كل منهم إما فكر السلطة التسلطي، أو فكر المعارضة من أجل المعارضة.
لن ننسى أبدا أن الشيوعيين العراقيين كانوا في نهاية سبعينيات القرن الماضي يميلون إلى تخريب منجزات الدولة العراقية في فترة ما بعد تأميم النفط لأن تلك المنجزات كانت تسجل باسم حزب البعث! وسنبين في مقالة لاحقة كيف أن الطائفية الدينية (الانقسام بين الشيعة والسنة) ظهرت في صفوف الشيوعيين والبعثيين العراقيين في سورية في ثمانينيات القرن الماضي قبل أن تظهر بين المعممين وفي صفوف عامة الناس لاحقا.
حين وصلنا إلى بداية القرن الجديد، وحصل الغزو الأمريكي الإسرائيلي للعراق عام 2003 كانت النخبة الثقافية العراقية قد فقدت اللون، والطعم، والرائحة، وصارت تحت تصرف الدكاكين السياسية التي تعاونت مع الغزو، أو أخذتها العزة بالإثم فصارت، على طريقة المصابين بالتوحد، تجتر خطابها الإنشائي الذي عفا عليه الزمن، وتركت المقاومة الحقيقية لبقايا عسكر صدام حسين. وما تزال هذه النخبة، في داخل العراق وخارجها، عاجزة عن إيجاد دور مؤثر لها.
شيء واحد نذكره للنخبة المثقفة العراقية كصفحة بيضاء في كتاب أسود، ألا وهو أن هذه النخبة تعلمت من خطئها التاريخي في خمسينيات القرن الماضي حين أعلنت الحرب على الإسلام، فلم تضع نفسها الآن مرة أخرى في خندق الحرب الصهيونية على العروبة والإسلام، وهي ورغم عدوان مملكة التيوس علينا أربع مرات – عام 1980 بتوريطنا في الحرب مع إيران، وفي 1991 في حرب استعادة الكويت، وفي عام 2003 بدعم وتمويل الغزو الأمريكي الإسرائيلي، ومن ثم تسليط الإرهاب علينا بعد الغزو، نقول رغم هذا ورغم الظلام الطائفي الحالك والاضطهاد الديني المفرط في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة لم ينزل أحد من المثقفين العراقيين إلى مستوى الإساءة إلى نبي الإسلام وكتابه تحت دعاوى الليبرالية والديمقراطية الأمريكية. ربما ظهر بين الأقليات الدينية في العراق ثرثار أو اثنان كانا غلمانا لصدام حسين، وحسبا أن الوقت قد حان لإظهار حقدهما التاريخي، إلا أنهما وجدا أن التربة العراقية ليست خصبة لممارسة السفالة، والإساءة إلى الرسول الأكرم باسم الديمقراطية وبذريعة كون داعش وهابية وسعودية المنشأ.
أما في سورية، فربما لا حاجة بنا إلى إلقاء نظرة على تاريخ النخبة الثقافية في هذا البلد العربي، بل نكتفي بذكر بعض الحقائق الظاهرة للعيان، منها أن النخبة هذه كانت غنية بفكرها، ومؤثرة في المجتمع السوري أكثر من قرينتها العراقية، بحيث أنها لم تكن فقط منبع الفكر القومي العربي، بل ووفرت اللحمة اللازمة للسلام والوفاق في مجتمع موزائيكي فيه أكثر من أربعين مكونا.
وعلى عكس القطاع القومي من النخبة العراقية فإن النخبة السورية بقيت وفية لجذورها القومية، وربما يكون أحد الجوانب المشرقة في دور هذه النخبة هو جعل سورية البلد العربي الوحيد في هذا العصر الذي أقرن اللغة العربية بالعلم، فحتى دراسة الطب في الجامعات السورية تجري بالعربية، رغم تاريخ طويل من الاستعمار الفرنسي الذي استطاع سلب العديد من البلدان تعلقها بلغتها.
لكن المحنة السورية منذ عام 2011 كشفت عن عورات هذه النخبة أيضا، فهي، ومع شديد الأسف، ورغم دورها في إنشاء السلام الأهلي والحفاظ عليه عبر مستوى عال من الحوار وتقبل الآخر، تبدو وكأنها لم تستوعب طبيعة الهجمة التي تتعرض لها سورية من خمس سنوات، ولهذا فهي لم تستطع أن تتعامل مع المحنة بشكل يليق بتاريخها. ربما لأن الهجمة شديدة الوطأة، وتولد الكثير من الانفعالات والكثير من ردود الأفعال العفوية، والعاطفية. ولكن، هل يمكن أن تكون ردود أفعال النخبة عفوية، إلا إذا كانت نخبة في طور الانحطاط؟
حذار، فمن يتتبع تعامل قطاع واسع من النخبة المثقفة السورية مع محنة بلدها يمكنه أن يتلمس دورا للمعتدين على سورية في توليد بعض ردود الأفعال المؤسفة وتشجيعها، وإعطائها صفة جادة على لسان قطاعات من هذه النخبة. إن بعض ردود الأفعال ليست عفوية، بل تبدو مدروسة بعناية، وتصب في مصلحة العدوان على سورية. وفي مقدمة ردود الأفعال هذه الانقلاب على الهوية العربية الإسلامية لسورية، ووضع اللوم فيما يحدث على الإسلام، وعلى “الغزو” العربي لسورية قبل أربعة عشر قرنا، وتقديم الحل الأمثل للمحنة باعتباره إلغاء العروبة والإسلام في سورية، والعودة إلى ما يعتبره بعض هؤلاء “المثقفين” عصور “الحضارة”! هذا ليس هو الحل، بل هو الارتماء في أحضان العدو الحقيقي لسورية ـ الصهيونية، بدعوى الانتقام من حليف هذا العدو، مملكة التيوس السعودية. لا يمكن على الإطلاق إخفاء النفس الإسرائيلي في مثل هذه الهلوسات. العودة إلى عصور الحضارة! وكأن الحضارة هي بضعة تماثيل، وبضعة أعمدة وأقواس من الرخام، وبضع مخطوطات يمكن إحلالها مكان الواقع المر.
يمكننا أن نميز في صفوف النخبة الثقافية في كل البلدان دائما، ولكن خاصة في ظروف الأزمات والمحن، صنفين من المتكلمين باسمها، إعلاميين وكتاب. هناك فارق كبير بين أن يكون المثقف إعلاميا، أو أن يكون كاتبا، فالإعلامي هو شخص معني بـ “صنع” حقائق تناسب أجندة سياسية معينة، وبتسويقها بين الناس. أما الكاتب فإنسان معني بالحقيقة على الأرض، بالواقع بصرف النظر عن كونه جيدا أو سيئا.
في المحنة السورية نجد الصنف الأول طاغيا. معظم من نسمعهم، ونقرأ لهم، في كلا الخندقين، المعادي للدولة السورية ونظامها الوطني، والموالي للدولة السورية والرئيس بشار الأسد، هم إعلاميون يريدون صنع الحقيقة وتسويقها. وكثيرا ما يعيب أنصار الدولة السورية على الإعلامي القطري السوري الأصل فيصل القاسم أسلوب التهريج، والتجريح، والكذب الذي يتبعه في محاربة الدولة السورية. ولكنْ لا بد من الإقرار أن عددا كبيرا من أمثال فيصل القاسم موجودون على الجهة الأخرى، في خندق الدولة السورية، وهم ليسوا أقل تهريجا، وتجريحا، وكذبا من ندهم القطري.
المفارقة هي أن فيصل القاسم يتميز بصراحة تحسب له، فهو خائن لسورية على المكشوف. أما الآخرون فإنهم أيضا خونة مثل القاسم، لكنهم شر منه لأنهم يخفون خيانتهم لسورية تحت زخات من التعابير التي تتغنى بتاريخ سورية – تاريخ ما قبل الإسلام. من يسمعهم يعجبه خطابهم في تمجيد سورية “الحضارة”، ومدح رئيس سورية “الحضارة”. لكنهم يدسون السم في العسل، فهم يتغنون ببشار الأسد ليس باعتباره رئيسا لهذا الشعب العربي الأصيل الذي يقاتل من خمس سنوات في سبيل كرامة وطنه، بل باعتباره رئيسا لأشباح أقوام اندثرت، ولم يبق منها غير بعض الخرائب والخرابيش.
لندخل في صلب الموضوع نورد نموذجا من كتابات هذا النمط من الخونة المتسترين بالتغني بتاريخ سورية. يقول هذا المهرج الذي لا نذكر اسمه لأنه أولى بأن يقبر من أن ينشر:
هذا ليس تاريخنا؛ هذا تاريخ “كمشة البدو” التي غزتنا! ولو كان البعثيون غير طائفيين، لكان عليهم بالقطع تدريسنا تاريخ “كمشة بدو” أخرى دمّرت حضارة سوريا أو ما أبقاه الإرهاب الإسلامي من حضارة سوريا: أي، البدو المغول. لقد شطب البعثيون، بتخلّف البدوي وانغلاقيته وعدائيته للحقائق، كل ما سبق مجزرة اليرموك من تاريخ؛ وافتتحوا تاريخ سوريا بسفر تكوين خالد بن الوليد، قاتل مالك بن نويرة! سوريا كانت قبل الغزو الإسلامي منارة الثقافة في العالم؛ وتحوّلت بعد الغزو الإسلامي إلى مجرّد مصدّرة للقتلة والمجانين من المسلمين-العرب من أمثال بسر بن أبي أرطأة ومسلم بن عقبة والحجاج بن يوسف الثقفي… أعيدوا لنا تاريخنا العظيم؛ تاريخ إليسار وتانيت؛ تاريخ زنوبيا وجوليا دومنا؛ تاريخ بولس السميساطي ونسطوريوس ولوقيانوس الأنطاكي وغيرهم كثير… لسنا شعباً بلا تاريخ، انتظرنا أن يأتينا شخص اسمه محمد كي يدخلنا في التاريخ؛ نحن من اخترع الحرف في أوغاريت ومن ثم بيبلوس، ونحن من ثم من أعطى البشرية الأداة كي يكون لها تاريخ. لن أغفر ما حييت للمسيحيين الذين باعوا دمشق يوماً للغزاة القادمين من الجنوب… بهذا الجبن ابتدأ تاريخ مآسينا وسقوطنا من سلّة الحضارة.
ونبدأ بأن نسأل هذا المغفل: من “نحن” الذين يتكلم باسمهم؟ ونتحداه أن يجيب من أية فئة من الفئات الأربعين في سورية هو كي نرى من يخوله بالحديث عن سورية، وشعبها، وتاريخها.
لا ينكر أحد على العراقيين كونهم ورثة بابل، حتى وإن لم يكونوا من العرق البابلي مئة بالمئة، ولا ينكر أحد على السوريين كونهم ورثة حضارة أوغاريت وغيرها، وإن لم تكن بينهم وبين أولئك صلة رحم وقربى. ولا ينكر أحد على المصريين كونهم ورثة الحضارة الفرعونية سواء انحدروا من فرعون أو من عمرو بن العاص. لكن التاريخ كان دائما عنصرا في تعزيز الهوية الثقافية للشعوب، وليس بديلا افتراضيا لتلك الهوية في الحاضر. لسان حال التاريخ يقول لنا: أيها الناس من كان يعبد بابل فإن بابل قد انقرضت، ومن كان يحب آثارها فليتفضل بزيارتها وأخذ السيلفي بين خرائبها.
نحن العراقيون بابليون بقدر ما يسهم تراث بابل في تعزيز إيماننا بأننا سننتصر على إسرائيل، نفس العدو الذي أذله البابليون. نحن تهمنا الآن حياة خمسة وعشرين مليون عراقي، وضعهم الإنساني، اقتصادهم، خدماتهم، تعليم أولادهم، وضعهم الصحي، مستقبلهم. أما التغني ببابل فلا بد أن نجد طريقة لاستخدامه لحل مشكلة الصراعات الطائفية والعرقية والدينية التي تغذيها الصهيونية الآن. نحن لن نلغي خمسة وعشرين مليون إنسان بمعتقداتهم، وتاريخهم، وطموحاتهم، ونرمي بهم في البحر لأنهم لا ينفعون، ونعيد إنشاء بابل الافتراضية.
لكنْ هذا هو ما تدعو إليه قطاعات واسعة من النخبة الثقافية السورية، أي شطب خمسة وعشرين مليون سوري، وانكار معتقداتهم، ومعاناتهم، وقضيتهم الوطنية، والقفز على الواقع والذهاب بعيدا، وبعيدا جدا، والحلم بأوغاريت وبيبلوس. أهو هروب من الواقع؟ نعم، إنه هروب أيضا، ولكن ليس هروبا فقط، إذ إن الضرب على وتر التاريخ مؤشر على أن من أطلق هذه الهجمة الكونية على سورية، لم ينته بعد من عدوانه، بل يعد لمرحلة ثانية من العدوان، هذه المرة ليس بجحافل داعشية تقطع الرؤوس، بل بجحافل أوغاريتية تقطع جذور الشعب العربي السوري، وتدمر هويته وانتماءه الوطني، والقومي، والديني.
لنتفق مع من قد يرون اعتبار هذا الإسفاف في التغني بأوغاريت وبيبلوس ضربا من نظرية المؤامرة. ولنقل إنه مجرد هروب من الواقع، وأن معزوفات أوغاريت وأليسار مورفين، أو هيرووين يساعدهم على نسيان الواقع المأساوي.
ولننظر إلى الواقع السوري الذي يجب أن يراه الكتاب، وليس كما يصوره الإعلاميون.
بعد خمس سنوات من العدوان البربري على سورية هناك الآن بنية تحتية مدمرة في طول سورية، وعرضها. هناك اقتصاد منهك. هناك الآن ثلث الشعب السوري وقد تحول إلى جيوش من المهاجرين واللاجئين تعرضت لصنوف من الإذلال لم يعرف مثلها لا اللاجئون من العراق، أو من فيتنام، أو أفغانستان.
هناك مئات الآلاف من الصبايا اللواتي وقع عليهن الاغتصاب الممنهج. هناك ملايين الأطفال الذين تعرضوا للعنف أو شاهدوه بأعينهم، وسيترك ذلك في نفوسهم آثارا لا تمحى. هناك ثلاثة ملايين لاجئ سوري في تركيا يكتسب معظمهم تدريجيا هوية تركية، وتصبح اللغة التركية لغتهم الأولى، مع كل ما يعنيه ذلك للمجتمع السوري عندما يعود هؤلاء إلى مدنهم، خاصة في الشمال السوري، وبوجه خاص حلب. وغير ذلك كثير.
لمَ لا يريد العازفون على أوتار أوغاريت تناول هذه الحقائق والحديث عما سنفعله إزاءها؟ لمَ لا يسألون “ما العمل؟” هل سنحل كل هذه المصائب بأن نعيد إلى هذا المغفل ومن على شاكلته من المرضى العقليين تاريخ أليسار وتانيت؟
ثم، هل هذا وأمثاله من السفهاء الذين يعتبرون السوريين أحفاد “كمشة بدو” موالون للدولة السورية حقا؟ مثيرة للضحك هي عبارة “كمشة بدو”. كمشة واسقطوا امبراطوريات. لماذا لم تستطع كمشات من الخونة والدواعش إسقاط الدولة السورية؟
الدولة السورية قائمة اليوم رغم خمس سنوات من عدوان أمريكي سعودي إسرائيلي كوني عليها. كيف حصل هذا؟ بفضل جنود أوغاريت؟ لا، أبدا، إنما لثلاثة أسباب يراها حتى الأعمى، وهي بترتيب عكسي:
ثالثا) الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي غير المحدود من جمهورية إيران الإسلامية (وليس الأوغاريتية). على هؤلاء المغفلين أن يعلموا أن ما فعله الروس من قلب الموازين لصالح الدولة السورية كان بإمكان الإيرانيين أن يفعلوه. لكن الإيرانيين ولدهائهم السياسي أحجموا عن ذلك، وأعطوا الروس فرصة لفعل ذلك، لأنهم لو استخدموا نفس القسوة التي استخدمها الروس لكان ذلك سيسعر نار الحرب الطائفية التي تريدها مملكة التيوس في السعودية.
ثانيا) الدم الذي استرخصه مقاتلو حزب الله والمتطوعون العراقيون في الدفاع عن كل شبر في سورية. وكان أول نصر يحققه الجيش العربي السوري في مدينة القصير بتعاون وثيق مع حزب الله. وكل نصر يتحقق اليوم فلحزب الله فيه نصيب. بل إن حزب الله فرض معادلته التي لا تقبل الجدال على جبهة الجولان، وقطع على الإسرائيليين والمرتزقة أقصر الطرق إلى دمشق.
أولا)التضحيات النبيلة الغالية التي يقدمها أبناء الجيش العربي السوري من خمس سنوات. هذا الجيش الذي ظل متماسكا، ومخلصا لشعبه وأرضه. انظروا في قوائم أسماء شهداء الجيش العربي السوري التي تمتد على كيلومترات من الورق. ستجدون الأسماء العربية والإسلامية فقط: محمد، أحمد، محمود، ياسين، زكي، تحسين، أكرم، عبد الكريم، عبدالله، بشار، زينب، ماجد، يوسف، خالد،علي، عمر، حسن، حسين، خليل، مظفر، سالم، وآلاف غيرها. ليس بين هذه الأسماء إليسار وتانيت، وجوليا دومنا، وبولس السميساطي، ونسطوريوس، ولوقيانوس. حملة هذه الأسماء تجدهم اليوم في حانات ديترويت ومواخيرها.
الأرض لمن يسقيها دما. وهذه الأرض تسقيها من قرون الدماء العربية الإسلامية التي واجهت موجات الغزاة من جنكيز خان إلى عادل الجبير.
لسنا في معرض الدفاع عن خالد بن الوليد، أو تبرئة الحجاج بن يوسف الثقفي، بل ولسنا في معرض الدفاع عن التاريخ أيا كان، فالتاريخ هو تاريخ لن نعيشه مرة أخرى، ولن ندعو إلى العودة إليه حتى لو كان التاريخ القريب، فنحن أبناء الحاضر، وبناة المستقبل.
ولكن طالما هناك من يريد القفز آلاف السنين إلى الوراء لإحياء عظام أوغاريت وأليسار وجوليا، ونسطوريوس، فلا بد أن نقول كلمة حق. بابل، وأوغاريت، وغيرها كانت حضارات في مقاييس أزمانها، ولم تكن مدنا فاضلة فيها ما تشتهيه أنفسنا الآن من الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة، والرخاء. ثم من أين عرف صاحب أوغاريت أنه من نسل نسطريوس، وليس من نسل خالد بن الوليد حتى يرى في نفسه وريثا لذاك وليس لهذا؟
وهل كانت تلك القرون الخالية أكثر حضارة من أثينا وروما التي ما تزال آثارها تطل على رؤوسنا في هذا القرن؟ أبدا. كانت دولا تغزو، وتقتل، وتسبي. أم أننا نسينا السبي البابلي لليهود؟ وكانت لها كهنتها، وكانت تقدم القرابين البشرية لآلهتها، وكانت ترمي سجناءها للأسود، وتتجمع شعوبها لرؤية الصراعات بين الأسود وبين السجناء. كانت همجية أيضا، وعلى طريقتها.
وكانت مثل روما فيها العبيد والنبلاء والأسياد، وفيها المظلومون والظالمون، وفيها الجوعى والشبعى. ألم يكن لهم جلادوهم، وقتلتهم، ودكتاتوريوهم؟ أي جانب من تلك العظام النخرة يريد هؤلاء إعادتها إلى الحياة حتى ننتمي إليها، ونفخر بها؟
إن هذا ليس حنينا إلى ماض “حضاري” تولى. ومن يقفز على هذه الحقائق وعلى هذا الواقع ليس مجرد انهزامي يهرب إلى التاريخ البعيد، ويتناول المخدرات كي لا ترى عيناه ما يحصل في سورية اليوم. إنه، على العكس، مثقف خائن، إعلامي شر من فيصل القاسم. إنه صوت إسرائيلي يزعم أنه في خندق بشار الأسد ليسهل عليه الانقضاض على بشار، وعلى جيشه، وشعبه من الخلف بتجريده من أهله، أهل الأرض العربية السورية.
لا نقول إنهم عملاء رسميون مثل غيرهم في المعارضة السورية، بل هم مواد خام للعمالة، يدفعهم الحقد إلى عرض خدماتهم المجانية على العدو الحقيقي لسورية، إسرائيل. وهم ليسوا قادرين حتى على التمويه على نزوعهم إلى خدمة إسرائيل، وإلا لكانوا بدلا من إلقاء اللوم كله على خالد بن الوليد، والحجاج وعلى “شخص اسمه” محمد، ألقوا، على الأقل ولو باستحياء، بعض اللوم، على إسرائيل وأمريكا. إنهم لا يتعرضون لأمريكا وإسرائيل من بعيد أو قريب، ولا يذكرونهما بسوء لأن الأمريكيين والإسرائيليين حضاريون مثلهم هم!
ولنفترض أن إسرائيل بريئة ولا دور لها على الإطلاق فيما يجري في سورية، فهل تقع المسؤولية عن محنة الشعب السوري الآن فقط على خالد، وعمرو، والحجاج، ، و”شخص اسمه” محمد الذين عاشوا قبل أربعة عشر قرنا؟ أليس للسوريين الأوغاريتيين أنفسهم دور فيما يحصل؟ بلى وربي. إن العصب الرئيسي للإرهاب في سورية هم سوريون، يعبدون الدولار واليورو، ولا ضمائر لهم، وبدونهم، ولولا مصالحهم ما كان لإرهابي أجنبي أن يجد حاضنة له على الأرض السورية.
“شخص اسمه” محمد .. عبارة تفضح من هم هؤلاء الأوغاريتيون! إنهم المادة الخام الجاهزة للجيل الثاني من داعش، والذين تعدهم أمريكا وإسرائيل ليكملوا ما انجزه الجيل الأول. مهمتهم ليس قطع الرؤوس، بل قطع الجذور، وتجريد شعب سورية من تاريخ قريب وحي، وزاخر بالأمجاد والانتاج الحضاري . إنهم، على عكس الجيل الأول من داعش، علمانيون، وليبراليون، وديمقراطيون، وأوغاريتيون، وأليساريون، ونسطوريوسيون، ومتدينون في الحقيقة حتى نخاع العظام، يهلوسون لإقامة مملكة أورشليم الكبرى، بلا عرب ولا إسلام!!
سيموتون حسرات في مواخير ديترويت وحاناتها، فهذه الأرض عربية وإسلامية، وستبقى كذلك حتى قيام الساعة.