فرنسا ..هل ستكون النازية آخر مراحل علمانيتها؟
د. عمر ظاهر
لا نتوقف كثيرا عند تعريف العلمانية، وأشكالها في الغرب الرأسمالي، إنما نكتفي بذكر المبدأ العام الذي يسيّرها: دولة لا تتحكم بها المؤسسات الدينية، وتحتوي الدين كله عبر ضمان حرية الأديان، وضمان حق الفرد في عدم اختيار أي دين، أي إنها تقتصر في رفض الدين على عدم السماح للمؤسسات الدينية بالتأثير على تشريعات الدولة. ويختلف المفهوم الشيوعي للعلمانية عن هذا المفهوم في أنه وضع الشيوعية على طرفي نقيض مع الدين، وعمل، وفقا لمنطلقاتها الفلسفية، على نفي الدين، ومنعه، بدلا من احتوائه.
وفي تجلياتها في الوعي العالمي فإن أكثر دولة غربية اتخذت لنفسها من العلمانية هوية ثقافية وسياسية هي فرنسا. لا شيء يرتبط باسم فرنسا، في الإعلام الذي رعته ومولته على مدى عقود طويلة، مثل ارتباط العلمانية بها. وفي سياقات معينة جرى النظر إلى العلمانية، على قدم المساواة مع التطور الصناعي والتكنولوجي، باعتبارها سببا لتقدم فرنسا وازدهارها، وتسويقها لنفسها باعتبارها جنة الحريات التي تدعي أن ثورة عام 1789 هي التي جاءت بها وبمبادئها.
وبهذا فإن اتخاذ فرنسا كممثلة لقيم العلمانية الغربية يجعل الإيمان بهذه العلمانية والثقة بمستقبلها يرتبطان أيضا بما يحصل لها في فرنسا ولفرنسا نفسها، سواء ما تتحقق لهما من انتصارات، أو ما تحيق بهما من كوارث. إن النموذج الشيوعي للعلمانية سقط سقوطا تاريخيا بسقوط الاتحاد السوفيتي، وعاد الدين وهو أشد عودا، وأعمق جذورا، وأقوى كـثيرا في الحياة السياسية والثقافية لبلدان ذلك الاتحاد. فماذا يجري لبستان النماذج الغربية وزهرتها – العلمانية الفرنسية؟
التطرف الفرنسي مقابل الاعتدال الأوروبي
كل الدول الغربية أبرزت نفسها، بدرجة أو بأخرى، على أنها تعتنق مذهب العلمانية، لكنها لم تجعل منها دينا جديدا، فتضع الدولة العلمانية، وكأنها دين جديد، بديلا عن الدولة المسيحية، أو الإسلامية، أو البوذية. الدنمارك، مثلا، نموذج لهذا الاعتدال، فالدستور الدنماركي لا ينص على أن المسيحية هي دين الدولة الدنماركية، وإنما ينص على أن الكنيسة البروتستانتية هي كنيسة الشعب الدنماركي، أي إن الدستور لم يعلن الطلاق مع المسيحية. ولزمن طويل لم يكن هناك أي تركيز ثقافي أو إعلامي على المكون المسيحي في هوية الشعب أو الفرد الدنماركي، فكان هناك استرخاء في علاقة الفرد الدنماركي بالدين، على عكس التشنج الشديد الذي تتسم به علاقة المواطن الفرنسي بالدين وهو رافض له. إن الحرية الدينية في الدنمارك كانت، وما تزال إلى حد بعيد، أمرا واقعا، رغم فترات من التضييق على المسلمين بسبب نشاطات الفئات العنصرية. وفي آخر المطاف فإن الدنمارك هي دولة يمكنها التحرك بيسر بين العلمانية التي تضمن حرية الأديان من جهة وبين الهوية المسيحية لشعبها، ودون أن يشعر أحد أن هناك انقلابا ثوريا وجذريا في وضع البلد فيما يتعلق بالدين أثناء هكذا تحرك. ونفس هذا الوضع قائم في أوروبا بشكل عام، باستثناء فرنسا.
فرنسا لا يمكنها، بعد أن ثبّتت لأجيال عديدة في وعي مواطنيها أنها قلعة العلمانية، وأنها ممثلتها، وحاميتها، إلا أن تكون تلك القلعة أو شيئا آخر مجهولا، وخطرا، ومدمرا. وفرنسا تعاني في هذا من انعدام الفرصة أمامها للتحرك بيسر بين اللادين والدين. إنها إما بلا دين أو، على ما يبدو من مخاوفها وتشنجها، ستقع في براثن الدين. وأسوأ ما في الأمر هو أن أي تحرك من العلمانية إلى الطرف الآخر لن يكون نحو المسيحية، ففرنسا اجتثت بالأساس المسيحية من الوعي الفرنسي اجتثاثا. التحرك سيكون نحو دين آخر تخشى، أو تدعي أنها تخشى أن يفرضه عليها الغرباء.
فرنسا في أزمة مع ذاتها
إن فرنسا تعاني من أزمة ثقافية مرتبطة بعقليتها، وتاريخها، وبصورتها عن نفسها، فلا يمكن إخفاء حقيقة أن الفرنسي بصورة عامة، سواء أكان سياسيا بارزا، أو مواطنا عاديا، يتميز بشيء من التطرف العلماني، ودائما بالعجرفة والتعالي على الآخرين. إنه يرى أنه، ربما بفضل الصفة العلمانية، أرقى من غيره. وهذه نظرة فرنسية لا تسري على غير الأوروبيين، أي الأفارقة والعرب والآسيويين، بل على الأوروبيين أنفسهم. وينفر الأوروبيون بدورهم من استعلاء الفرنسيين الذين يدعون أن مبادئ الحرية والمساواة لم تكن البشرية تعرفها قبل الثورة الفرنسية عام 1789. ورفض هذا الاستعلاء يأتي بشكل خاص من جيرانهم وحلفائهم في الحروب العالمية، ومنافسيهم في نهب ثروات الشعوب، البريطانيين.
ولو توقفنا قليلا عند فكرة أن مبادئ الحرية والمساواة والعدالة مرتبطة بالثورة الفرنسية، فإننا نجد أن هذا ادعاء أجوف، فما أدت إليها الثورة الفرنسية كانت، في الحقيقة، حمامات دم في داخل فرنسا أولا، وذلك على يدي روبسبير، ثم إلى تحول فرنسا إلى قوة استعمارية تشن الحروب، وتحتل البلدان الأخرى، وتقتل شعوبها، وتنهب ثرواتها. ألم يغزو ” الامبراطور” نابليون بونابرت مصرَ بعد الثورة بسنوات قليلة؟ ألم يصل المعتوه حتى إلى أطراف موسكو آملا في احتلال روسيا؟ ألم تغزو فرنسا الجزائر والمغرب وأجزاء كثيرة في أفريقيا، ناهيك عن بلدان أخرى في الشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا؟ إن كل ذلك حصل بعد الثورة الفرنسية، فما علاقة تلك الثورة بالحرية، والمساواة، والعدالة غير كونها عبارات جوفاء عن مفاهيم معروفة من زمن الإغريق؟ في الحقيقة، فإن الثورة الفرنسية، إن كانت قد جلبت أية حرية حقيقية، فإنها جلبت حرية النهب والسرقة، وحرية استعباد الفرنسي الأحمق للشعوب الأخرى.
إن فرنسا أقامت نظاما “علمانيا”، وتخلصت من هيمنة الكنائس، لكنها لم تتخلص من الحقد الأسود على أنصار الأديان التي حاربتها الكنائس في ظل الحروب الصليبية، ففرنسا بقيت ترى في الإسلام عدوا لها، وفي المسلمين قوة عمل مجانية تخدم نهضتها، وفي ثروات المسلمين مصدرا للثراء الفاحش، وفي أرض المسلمين مجالا لإجراء تجاربها النووية ودفن نفاياتها المميتة.
والآن نجد أن فرنسا تعيش أياما صعبة، وكأنها تتوجس خيفة من نهاية مظلمة. لماذا؟ ماذا جرى للدولة العظمى ولعلمانيتها، وغطرستها؟
أزمة فرنسا أعمق مما تظهرها
في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، استيقظت البلدان الغربية كلها على شعور بالخوف من عدو خبيث هو “الإرهاب الإسلامي”، وكل هذه البلدان تشنجت، وضيقت على الحريات، وكلها استدعت الإعلام لحشر العدو الجديد – أيّ شخص تبدو عليه إمارات الإسلام من سحنة، أو اسم، أو لبس- في زاوية ضيقة. ولكن تبين أن تلك كانت موجة ومرت، وعاد الاسترخاء إلى أعصاب الأوروبيين والأمريكان، حتى أن الأمريكان تفاهموا مؤخرا مع من اعتبروا أنهم كانوا وراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر، طالبان أفغانستان. أما الأوروبيون فلنتوقف قليلا عند هذه الحالة الرائعة: الانتخابات الأخيرة في ألمانيا بدأت، وانتهت، وحسمت دون أن تذكر حتى كلمة الإسلام في الدعايات الانتخابية وفي أجندة الأحزاب، اليمينية منها واليسارية. وهناك ما يقرب من عشرين ألمانيا من أصول تركية، وآخرون، دخلوا البرلمان الألماني. وليس هذا وحسب، بل إن العديد من الساسة الألمان بدؤوا يتحدثون عن النجاحات التي يحققها المجتمع الألماني المتعدد الثقافات.
في هذا الوقت بالذات نجد أن فرنسا وحدها ما تزال تتخبط في أوحال العنصرية العلمانية والعداء للإسلام دون غيره من الأديان، وليس فقط متجسدا في التضييق على المساجد، والإساءة إلى رسول الإسلام، ومحاولة خلق إسلام يناسب العلمانية الفرنسية، بل وصل الإسفاف إلى درجة أن سياسيي اليمين هبطوا إلى مستويات مقززة في مواقفهم المتشنجة معلنين عن نيتهم منع المواليد في فرنسا من حمل اسم “محمد”! إن هذا ليس مبكيا، بل هو أمر مضحك أن تتحول العلمانية من احتواء الأديان وضمان الحريات الدينية إلى منع أسماء سائدة في أديان معينة. حسنا، يمكن أن يتساءل المرء: إذا كان العلماني يرعبه اسم محمد، فما باله بفكر محمد؟ أين جاذبية الفكر العلماني؟ أليس للفكر العلماني أية سطوة عقلية تتغلب بها على الفكر الإسلامي؟ الحرب على الأسماء أشبه ما تكون بحرب دونكيشوت على الطواحين!
على أننا لا ينبغي لنا أن ننجر وراء هؤلاء في تخريجاتهم لأسباب أزمة فرنسا، وكأن اسم محمد هو سببها. فرنسا تعاني اليوم من أزمة وجودية يبدو أنها ستنهي اسطورتها التي استمرت لقرنين، ولا علاقة لهذه الأزمة باسم محمد إلا في العقول العلمانية الفرنسية المريضة. ما الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة؟
نهاية ولائم الضباع .. الكواسر حضرت
فرنسا لم تصبح فرنسا القوية المزدهرة إلا بفضل نهب ثروات الشعوب، خاصة الأفريقية. والآن يبدو واضحا أن وليمتها في شمال وغرب أفريقيا انتهت، فبعدما كانت لوحدها هناك، تأمر وتنهي، وتدبر الانقلابات، وتنهب بلا رقيب، إذا بها تتفاجأ بوصول كواسر أخرى إلى أفريقيا. روسيا التي كانت تؤرق نلبليون نفسه نزلت في مناطق الولائم الفرنسية، وطلائعها من ميليشيا فاغنر تمهد الأرض لوجود روسي دائم هناك. الصين صارت بكل هدوء وصمت تكلكل على مناطق نفوذ فرنسا وولائمها. بل حتى الأتراك العثمانيون أصبحوا هناك. بكلمة مختصرة فإن أفريقيا لم تعد منجم ذهب يحتكره الفرنسي المتعجرف وكأنه تحت أرضه. فرنسا تفقد مصادر ثرائها وتقدمها.
وتلتفت فرنسا إلى حلفائها، فإذا بجارتها وغريمتها التاريخية، بريطانيا، تلقي بها خارج الولائم الأمريكية فتحصل على حصة الأسد في التحالف الجديد بينها وبين الولايات المتحدة وأستراليا. إنها هنا أيضا محاطة بالكواسر. فما أصعب أن يجد الضبع الذي لا يعيش إلا على دماء الشعوب وسرقة ثرواتها نفسه إزاء الكواسر، روسيا، الصين، العثمانيين، بريطانيا، فلا يعود يرى، حتى في أحلامه وكوابيسه، إلا الكواسر. وحين يسمع الفرنسي التافه اسم محمد تفور عصبيته فيرى هذا الاسم أيضا بين الكواسر. من يدري ربما يتوقع أن يكون اسم محمد بين الكواسر التي ستلقي به خارج الشرق الأوسط أيضا؟ هناك أيضا محمد التركي، ومحمد الإيراني، ومحمد العربي. ومحمد ربما يبدو أخطر من بقية الكواسر فهو، على عكس الروس والصينيين، يعيش بين ظهرانيه، في المدن الفرنسية. وقد يجعله هذا يظن أن محاربة محمد في مدنه ستجعله يقهره خارج فرنسا أيضا!
فرنسا .. إلى أين؟
مؤخرا ذهب الرئيس الفرنسي، ماكرون، إلى العراق آملا في الحصول على حصة من الكعكة العراقية التي يتقاسمها اللصوص الدوليون. بل ربما يكون قد ذهب إلى هناك ليحذر بريطانيا بأنها ستتحداها في عرينها، فالعراق كان لفترات مختلفة منذ الحرب العالمية الأولى، وبالاتفاق مع فرنسا، منطقة نفوذ خاصة ببريطانيا. لبنان وسورية كانتا من حصة فرنسا. وهنا أيضا لا تبدو فرص النهب كبيرة. فرنسا التي أدمنت، مثل مقامر مجنون، على البذخ والإسراف على حساب ثروات مستعمراتها، تبدو في ضيق شديد، وينبذها الجميع.
تشنج فرنسا وتخبطها في الأزمات مع النهب والسرقة، والتي لا تنقطع، مؤشران على أنها مقبلة على انتهاج سياسات يائسة جنونية قد تغير وجه القارة الأوروبية. نتذكر في هذا السياق أن الحليفتين في الحرب العالمية الثانية، بريطانيا وفرنسا، كانتا تريدان من هتلر أن يذهب، مثلما تفعلان، فيغزو، ويستعمر، وينهب خارج أوروبا، في حين كان هتلر يستمتع بغزو البلدان الأوروبية، بولونيا، وفرنسا، وروسيا، والدنمارك، والنرويج، بل وبريطانيا أيضا. كانت الحرب في أوروبا، وليس الاستعمار والنهب خارجها، خيارا ستراتيجيا لألمانيا النازية لتحقيق السيطرة على العالم كله، بينما كانت ستراتيجية الحليفتين تقوم على التصالح والوئام فيما بينهما، والاغتناء على حساب قتل الشعوب خارج أوروبا، ونهب ثرواتها. نتساءل: ماذا الآن، إذا سُدّت الأبواب أمام فرنسا للغزو، والاستعمار، والنهب والاستعباد خارج أوروبا؟ هل ستحل فرنسا، مكرهةً، محل ألمانيا النازية، فتشن الحروب على البلدان الأوروبية لتنهبها، وتعوض خسارتها لمناجمها في أفريقيا والشرق الأوسط، وتواصل البقاء في مركز القوة والبذخ؟ أليس ذلك بمثابة مخرج لها من أزمتها مع إدمان النهب والسرقة؟ لا بد من الانتباه إلى خطاب ماكرون إلى الأوروبيين بعد استثنائه من وليمة الغواصات الأمريكية – البريطانية – الأسترالية. إنه يدعوهم إلى تقبل زعامته، ويقول لهم: تعالوا إليّ فأنا القوي الذي يمكنكم أن تعطوه الوصاية على أنفسكم .. وإلا فإني آتٍ إليكم لأفترسكم. والانتباه أيضا إلى التوجه الفرنسي إلى دول أوروبية مثل اليونان لإقناعها بشراء أسلحة منها. نهب الجيران لا يبدأ بالضرورة بأسلوب الحرب الصاعقة الذي كان هتلر يتبعه.
إنه باد للعيان بشكل واضح أن فرنسا مقبلة على تغيير جذري في هويتها الثقافية والسياسية المرتبطة بالعلمانية وبكونها مصاصة دماء الشعوب. ولا يبدو بعيدا الانزلاق نحو النازية بشقي مفهومها: إبادة الخصوم الذين تخلقهم في الداخل، وتريد تصويرهم كسبب لأزمتها الوجودية (المسلمين) كما فعل هتلر مع الشيوعيين، والتوجه نحو غزو الجيران! العلمانية الفرنسية وصلت إلى نهايتها بانتهاء فرص النهب خارج أوروبا، وقد يكون التحول إلى النازية آخر مراحلها. ولا يستبعد أن يكون ماكرون آخر أنبيائها الكذابين!
2021-10-02