فرنسا تتمرد على الهيمنة الأمريكية وتتحالف مع الصين!
عميرة أيسر
الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يريد أن يكون زعيماً أوحد للقارة العجوز ليعيد أمجاد سلفه شارل ديغول البطل والمنقذ للجمهورية الفرنسية من الانهيار في خضم تجاذبات الحرب الباردة الدائرة رحاها بين الاتحاد السوفياتي، والولايات المتحدة الأمريكية أنذاك كما يصفه الكثير من الفرنسيين رافضاً بذلك تحويل بلاده وكافة البلدان الأوروبية لمجرد توابع تدور في فلك واشنطن وتنفذ سياساتها وتستضيف قواعدها العسكرية التي ناهز عددها 800 قاعدة، والموجودة في أكثر من 150 دولة، بما فيها ألمانيا المتواجد بها حوالي 74 ألف جندي أمريكي، بالإضافة للقواعد الأمريكية المنتشرة في كل من اسبانيا والبرتغال وإيطاليا واليونان و بريطانيا حسبما نشر موقع غلوبال ريسيرش، ويبلغ مجموع القواعد العسكرية الأمريكية مجتمعة في تلك الدول 50 قاعدة ومنشأة حيوية عسكرية تستعملها واشنطن كقواعد برية وبرية وجوية دائمة لها، ومن خلالها تحكم سيطرتها الاستراتيجية والعسكرية على أوروبا التابعة سياسياً وعسكرياً وأمنياً بشكل تام لأمريكا، منذ النصف الثاني من القرن المنصرم، وهذا ما لم يعد يعجب فرنسا الحالمة باسترجاع أمجاد إمبراطورية نابليون الثالث، وقيادة أوروبا الموحدة بعيداً عن أمريكا الموشكة على الانهيار والمهزومة عسكرياً في افغانستان والعراق و ليبيا واليمن وأوكرانيا كما يراها ماكرون، فأزمة الدين العام الأمريكي والتضخم المتزايد والجدل الكبير الحاصل في السّياسة الأمريكية بين الجمهوريين والمحافظين حول التراجع الكبير لسعر صرف الدولار، وتخلي عدة دول عن التعامل بالعملة الأمريكية في تعاملاتها التجارية الخارجية، واتجاه منظمة بريكست لإنشاء عملة نقدية موحدة، وهي الكتلة السّياسية والاقتصادية المساهمة بأكثر من 31.5 بالمئة من الاقتصاد العالمي مقابل 30.7 بالمئة للقوى السبع الكبرى الصناعية. كما ذكر موقع sky news عربي، بتاريخ 11أفريل/نيسان 2023م، في مقال بعنوان ( لأول مرة….بريكس تحطم الأرقام الاقتصادية لمجموعة السبع).
دفعت فرنسا لتبني سياسة برغماتية، جعلتها تعيد ترتيب أوراقها السّياسية لتقترب بالتالي من المحور الشرقي ممثلاً في كل من روسيا والصين في محاولة من ماكرون لإيجاد موطئ قدم في النظام الدولي الجديد الأخذ في التشكل بعد أن أدرك صناع القرار الاستراتيجي في باريس بأن المستقبل سيكون لمن يتحكم بطرق التجارة والمواصلات، ويمتلك شبكة واسعة من العلاقات الاستراتيجية الدولية يستطيع من خلالها إعادة صياغة قواعد وتوازنات القوى الدولية، فالمؤشرات والمعطيات تؤكد بأن الصين، ومن خلال النمو المتسارع الذي تحققه اقتصادياً و تعاظم قدراتها وقواتها العسكرية والأمنية وتحالفها الاستراتيجي مع روسيا التي تعد أكبر قوة نووية منذ القرن الماضي، والاعتماد الشبه الكلي على بكين من طرف العديد من الدول وخاصة في المجالين الخدماتي والصناعي، إذ تعد الصين المزود الأساسي للعديد من دول القارة العجوز بمختلف أنواع السلع والبضائع، ومختلف المنتجات الزراعية ويبلغ حجم التجارة الخارجية للاتحاد الأوروبي مع الصين التي تعتبرها الشريك التجاري الأساسي لهذا الاتحاد القاري الأضخم والأكبر من حيث الدول المنظمة إليه، حوالي 587 مليار دولار حسب إحصائيات سنة 2021م، وبذلك تتفوق الصين على أمريكا في حجم مبادلاتها التجارية البينية مع الاتحاد الأوروبي والتي بلغت 555 مليار دولار، وفقاً للأرقام الصادرة عن المعهد الأوروبي للإحصاء ” يورستات”. كما ذكر موقع sky news،بتاريخ 15فيفري/ شباط 2021م، في مقال بعنوان (الصين……الشريك التجاري الرئيسي للاتحاد الأوروبي).
وهذا ما دفع الرئيس ماكرون لزيارة الصين رفقة رئيسة المفوضية الأوروبية العليا أرسولا فون دي لاين، حيث التقى مع الرئيس الصيني شي جيبينغ، وهي الزيارة التي تندرج ضمن ما يطلق عليه سياسة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي الموحد، ففرنسا لا تريد فتح جبهة مواجهة مع الصين بسبب قضية تايوان، و تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن الصراعات الصينية الأمريكية التي لا تعنيها، فماكرون يعتبر بأن من مصلحة فرنسا أن تقف على مسافة واحدة من كل القوى الدولية العظمى، وتحاول بالتالي تقريب وجهات النظر في القضايا الجوهرية الخلافية بين بكين وواشنطن، فالمصالح الأوروبية الصينية حسب ماكرون يجب أن تكون لها الأولوية، وذلك في خضم الأحداث الدولية المتسارعة، لأن أمريكا منذ صعود ترامب للسلطة مروراً بجوزيف بايدن أصبحت تتعامل بمنطق الهيمنة والتبعية المطلقة مع دول الاتحاد الأوروبي، وخاصة في موضوع الحرب الروسية الأوكرانية التي يرى ماكرون بأنها حرب بالوكالة بين موسكو وواشنطن قد جرّت على أوروبا الكثير من الأزمات التي كانت في غنى عنها أنهكت الاقتصاد الأوروبي، وأدت لزيادة معدلات الإنفاق الدفاعي لهذه الدول على حساب قطاعات مهمة وحيوية، بالإضافة لحدوث موجة مظاهرات عارمة اجتاحت معظم هذه الدول الأوروبية مطالبة قادتها بالاهتمام بالأوضاع الداخلية بدل الانخراط في حرب ليست حربهم، فالتضخم قد بلغ مستويات قياسية بعد الحرب الروسية على أوكرانيا في دول الاتحاد الأوروبي حيث بلغت نسبته 8.1 بالمئة في شهر ماي/ أيار من العام الماضي. مثلما ذكر موقع cnbc عربية، بتاريخ 26 جوان/يونيو 2022م، في مقال بعنوان (احتجاجات أوروبا…….عندما ينقلب السحر على الساحر).
الطرح الفرنسي الداعي لتقليل الاعتماد على أمريكا، وخاصة في مواضيع الطاقة والتكنولوجيا والدفاع حتى وان لم يقابل بترحيب واجماع أوروبي كامل إلاّ أن هناك بعض الدول الأوروبية كالمجر بدأت تقتنع بوجهة النظر الفرنسية محاولة بذلك الابتعاد عن الهيمنة الأمريكية وعدم ربط سياساتها بسياسات الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في القضايا الدولية، وذلك في تناقض صارخ مع سياسات الدول الأطلسية كبريطانيا الحليف الأوثق لواشنطن في أوروبا، وحتىّ ألمانيا التي تمتلك أكبر اقتصاد في القارة العجوز أصبحت لا تريد البقاء تحت المظلة الأمريكية، وتصريحات أولاف شولتز الذي خلف المستشارة الألمانية انجيلا مركل في قيادة البلاد والمتأثر بسياسة بيسمارك، تصب في هذا الاتجاه فهو يسعى من أجل أن تكون برلين شريك استراتيجي لواشنطن في أوروبا وليس مجرد منفذ لسياساتها الدولية، فهو رغم معارضته لتدخل أمريكا في الشؤون الداخلية للاتحاد الأوروبي كما فعل عندما عارض تدخلها في سياسة الاتحاد الأوروبي القاضية بالاستمرار في استيراد الذهب الروسي والسماح بتداوله في الأسواق الأوروبية، و رفضه فرض عقوبات أوروبية مشتركة على روسيا تمس بصناعة وتجارة هذا المعدن النفيس، ولكنه كان من أشد المؤيدين للموقف الأمريكي من الحرب الروسية على أوكرانيا، إذ أرسلت بلاده أسلحة عسكرية متطورة ودبابات ليوبارد الألمانية الصنع للجيش الأوكراني، وتستمر برلين في نهجها التصعيدي ضدّ روسيا في تماهي واضح من السّياسة الأمريكية في ما يخص هذا الملف، وهذه نقطة الخلاف الجوهري بين باريس وبكين. إذ أن فرنسا قد أوقفت دعمها العسكري لكييف ودعت زيلنسكي للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لإيجاد حل سلمي للأزمة الأوكرانية، وهو الأمر الذي تعارضه واشنطن السّاعية لإطالة أمد الحرب لأطول فترة ممكنة لانهاك الجيش الروسي، بالإضافة إلى أن فرنسا قد بدأت في البحث عن حلفاء وشركاء خارج نطاق المظلة الأمريكية، لأن واشنطن في نظر باريس، لم تعد قادرة على حماية حلفاءها كمت فعلت في الحرب العالمية الثانية، فأمن فرنسا القومي وبقاءها كفاعل مؤثر على السّاحة الدولية وحماية مصالحها الجيواستراتيجية تكمن في عدم الانجرار وراء الخطط والسّياسيات الأمريكية وخاصة في منطقة البلقان وأوراسيا.
– كاتب جزائري
2023-06-08