على ما يبدو فإن السعودية تجاوزت عصر التكنولوجيا، وغزو الفضاء، وسبر أغوار الكون، ودخلت في مرحلة متقدمة من عصر الكرامات والأولياء الطالحين، فإذا بنا نرى ملك السعودية ينزل من على بعيره، فيشرب جرعته اليومية من بوله، ويهش بعصاه فتفر طائرات الروس منها مذعورة مدحورة، ويرسل في البلاد حاشرين فتأتيه مئة وخمسون ألفا من الأغنام، وأجناس مختلفة من الماعز من السودان، وسيراليون، والسنغال، وجزر المالديف، وجزر القمر، وجيبوتي، وقطر، وموريتانيا، وموريشيوس، فيضمها إلى تيوسه في درع الجزيرة، ويأمرها بالزحف إلى حلب ودرعا، فيبدأ الناس بالتحليل، والتفسير، والتنبؤ بما سيحمله دفع هذه الأعداد من البهائم إلى المجزرة دفعة واحدة.
أغلب الظن أن ملك السعودية قد بلغته، بعد تأخر طويل، نصيحة أطلقها في الستينيات من القرن الماضي الزعيم الصيني ماو تسيتونغ للعرب في كيفية محاربة إسرائيل والقضاء عليها. فحوى النصيحة أنه لو زحف بضعة ملايين من العرب على إسرائيل حتى بدون سلاح، فقتلتهم جميعا فإن إسرائيلنفسها ستنهار بعد ذلك لأن جثث القتلى المتحللة على حدود فلسطين المحتلة ستخلق أوبئة تمحي سكان إسرائيل، أو تجبرهم على الفرار.
وعلى ما يبدو فإن الملك السعودي يريد تطبيق تلك النصيحة، ليس في الزحف على إسرائيل، بل بالزحف على سورية، فهو يعرف أن المئة وخمسين ألف بهيمة الذين اشتراهم عدا ونقدا من رؤساء بلدانهم الغارقة في التخلف والفساد، سيذبحون على أطراف المدن السورية خلال ساعات هي الوقت الكافي للمدفعية والطيران لحصد تلك القطعان في أكبر مجزرة يمكن أن يكون التاريخ قد سجلها.
لكنه لا يعرف أن أن لا ضمانة في أن تتحول صادرات السودان وجيبوتي والسنغال من المرتزقة الجياع الحفاة إلى فطائس في مواجهة السوريين المتمرسين في القتال والذين يدافعون عن وطنهم، وفي مواجهة بوتين الذي لا يعرف الرحمة في اندفاعه للانتقام لهزيمة أفغانستان.
الملك السعودي يراهن فقط على أن جيف أولئك المرتزقة ستنشر الأوبئة التي ستهدد المدن السورية فينهار النظام في دمشق، فيصبح سهلا على إسرائيل الاندفاع لاحتلالها.
ذلك هو جوهر ما تروج له مملكة التيوس النجدية من أنها سترسل مئة وخمسين ألف أضحية إلى سورية. إلا أن الملك السعودي يتصرف كالتيس مرتين، أولا) فإن مئة وخمسين ألف فطيسة لن تخلق أوبئة في هذا العصر، فهو مفترض به أن يرى أن ثلاثة ملايين حاج يقدمون في بلده في يوم واحد ثلاثة ملايين أضحية، دون أن يتسبب ذلك في أي وباء.
ترى هل السعودية أكثر تقدما في مجال التكنولوجيا من سورية في معالجة الأضحيات، أو الفطائس؟ ثم من أين يعرف أن المئة وخمسين ألف تيسا ونعجة وخروفا سيتحولون إلى فطائس تنشر الأوبئة؟ هل يعرف السلاح الذي سيستخدمه السوريون والروس في إبادتهم؟
أليس هناك احتمالا في أن لا يبقى لهم من أثر حتى الرماد. ثانيا) الملك السعودي لا يعرف أنه ليس أكثر من تيس، وما يميزه عن أي تيس آخر هو أنه عنده نفط وأموال.
قد يكون طمع أكثر الناس مع التيوس الأخرى في لحمها وجلدها، أما معه هو فلا لحمه ولا جلده، ولا قرونه لها فائدة. الناس تطمع في نفطه وأمواله، وفي ما يمكن أن تشتريه تلك الأموال من أسلحة، ومن مرتزقة من السودان ومن تشاد والسنغال، ومن بقية زرائب الأرض.
الحديث عما يجري في سورية لا ينبغي له أبدا أن يوسع في المجال لهلوسات التيس السعودي، بل يجب أن يركز على اللاعبين الكبار الذين ينشغلون أصلا بالوباء الذي نشرته السعودية في سورية، وفي كل الشرق الأوسط بوحدها، بلا خراف ونعاج من السودان والسنغال، وغيرها، أي وباء الإرهاب. ونعني باللاعبين الكبار، الشعب السوري بالدرجة الأولى وقبل كل شي، ثم روسيا، وحلف الناتو، وإيران، والاتحاد الأوروبي، وتركيا.
وأول ما يجب تأكيده هو أن الصراع في سورية قد حسم من زمن طويل، فقد أصبحت سورية روسيّة، وما تبقى من الصراع هو الوقت الكافي لكل طرف ليستوعب هذا الواقع. من يريد أن يتدخل في سورية يعرف أنه ذاهب لمواجهة الروس الذين يقفون وراء الجيش السوري اسما، لكنهم يقفون أمامه فعلا، فأي هجوم على السوريين هو هجوم على روسيا.
روسيا ليست في سورية كما كان الاتحاد السوفيتي في أفغانستان. في سورية بعد الآن تكون روسيا أو لا تكون. وهنا فإن أشرس أعداء روسيا وأكثرهم رغبة في قلب النظام في سورية – الأمريكيون وحلف الأطلسي، وصلوا إلى قناعة واضحة بأن سورية أصبحت جزء من الهيبة الروسية، ولا مجال لتغيير هذا، إنما هناك مجال للدبلوماسية لأخذ مكاسب مقابل التخلي عن سورية للروس.
والدبلوماسية الغربية تستخدم من بين أمور عديدة هلوسة الملك السعودي الذي يهدد سورية تحت تأثير تناوله جرعة إضافية من بول البعير. حلف الأطلسي يعرف أفضل من غيره قيمة القدرة القتالية لمرتزقة مستقدمين من السنغال وجيبوتي والسودان.
ما يدعم العقيدة الروسية في سورية هو الموقف الإيراني، فسورية بالنسبة إلى إيران ليست فقط جزء من الهيبة، بل وجزء أساسيا من المشروع السياسي والاقتصادي الإيراني في المنطقة.
إن خسارة سورية تعني بالنسبة لإيران الانكفاء داخل حدودها بانتظار أن تخنقها الدول الغربية وإسرائيل والسعودية. مجنون من يعتقد أن مئة أو مئتي ألف من الغنم المجموعين من زرائب السنغال، وجيبوتي وقطر، ستخيف إيران التي حاربت، وهي في ذروة ضعفها، أقوى وأشرس جيش في المنطقة، الجيش العراقي الذي كان تعداده مليون مقاتل، لثماني سنوات.
وفي الحقيقة فإن إيران بحاجة إلى نصر مؤزر في سورية، وأي نصر أسهل من سحق هؤلاء الذين يهدد بهم ملك الأباعر؟
أما الاتحاد الأوروبي فهو أكثر من يهمه إنهاء الحرب في سورية، حتى لو كان ذلك لصالح بشار الأسد الذي عملت أوروبا سوية مع الأمريكيين لوقت طويل على إزاحته.
إن هاجس وصول المزيد من اللاجئين إلى أوروبا يقض مضاجع الأوروبيين الذين لم تعد مسألة “الديمقراطية” والحرية في سورية وغيرها تهمهم لأن الديمقراطية والحرية أصبحت مهددة في أوروبا نفسها من جراء الصراع في سورية.
ثم إن أوروبا تدرك أكثر من غيرها أنْ ليس هناك من بديل لبشار الأسد يمكن أن يعيد إلى سورية ليس السلام وحسب، بل واللاجئين أيضا.
هناك طرف واحد في هذا الصراع يستند إليه الملك السعودي في عنترياته بحشرمئة وخمسين ألف أضحية لقلب نظام الأسد، ألا وهو تركيا.
هذا الملك ومن سبقوه كانوا حتى دون أن يشربوا بول البعير قادرين على فهم عقلية شخص مثل صدام حسين الذي صدق بهم بكل سذاجة البدوي، وارتمى في أحضانهم، وتجرع مرارة نذالتهم، وخستهم، وسفالتهم.
أما المعادلات الصفرية للسياسة التركية فهؤلاء الملوك لن يفهموها حتى لو شربوا بول كل بعرانهم.
لو سألنا ملك السعودية عن معنى سياسة “صفر مشاكل” التي عمل بها داوود أوغلو قبل بضع سنين، فإنه بالتأكيد لم يسمع عنها، فكيف إذن إن سألناه عن معنى سياسة “صفر خسارة” التي يعمل بها الآن؟ من أين للتيس أن يعرف كيف يفكر الراعي؟
نحن نسمع كثيرا عن خطة تركية سعودية للتدخل في سورية. وبعضنا يأخذ هذا الكلام على محمل الجد. الحقيقة هي أن تركيا لم تعد لها في الصراع في سورية غير مصلحة واحدة تتعلق بالحركة الكردية في شمال سورية والتي تعتبرها تركيا امتدادا لحزب العمال الكردستاني.
إن كل ذي عقل يفهم أن تركيا لن تقوم بتدخل عسكري في سورية إلا إذا توفر دعم أكيد من الحلفاء الأمريكيين والأوروبيين في حلف الناتو.
احتمالات هذا الدعم تتلاشى تدريجيا فلا أمريكا ولا أوروبا بصدد صدام مباشر مع روسيا.
وتركيا لن تقوم بعمل منفرد بمجرد أن يحشر الملك السعودي مئة وخمسين ألف مرتزق جائع من بلدان الحفاة، ولن تخاطر بحياة جندي تركي واحد في مواجهة تفتح أبواب الجحيم على المنطقة كلها.
تركيا ستفعل فقط ما لا تحتاج إلى استئذان أحد فيه، وما لا يلومها أحد فيه لوما جادا، أي قصف أكراد سورية على اعتبارهم امتدادا لمنظمة “إرهابية”.
الأمريكيون والأوروبيون لن يترددوا لحظة واحدة في دعم تركيا إزاء الأكراد إلا في نطاق تكتيكي محدود – في محاولتهم منع وقوع الأكراد تحت تأثير الروس كليا.
أما الإيرانيون فغبي من يظن أنهم ذهبوا إلى سورية ليحموا الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهم يحاربون صنوه في بلدهم.
وإن أردنا البوح بالحقيقة المرة كاملة فلا بد أن نقول إن السوريين أنفسهم ليس لديهم اعتراض شديد على قصف تركيا للأكراد، فهؤلاء لا بأس في أن يكونوا مع الدولة الآن في محاربة داعش، ولكن لا ينبغي لهم أن يكونوا في وضع قوي جدا بعد تحرير سورية كلها، ويشكلوا بؤرة للانفصال، خاصة أنهم بدؤوا منذ الآن بممارسة التطهير العرقي في المناطق التي يسيطرون عليها. وقيام تركيا بإضعافهم أمر مطلوب أيضا عراقيا، بل وروسيا أيضا على المستوى الستراتيجي.
من يراقب السياسة التركية عن كثب يلاحظ برغماتية سياسية لا مثيل لها قائمة على أساس حسابات الربح والخسارة في المدى القريب والمدى البعيد.
تركيا كسبت بالتجرؤ على إسقاط الطائرة الروسية كسبا معنويا، إلا أنها تعرضت لخسارة اقتصادية كان محسوبا لها سلفا أنها ستعوض، فالسياح الروس حل محلهم السياح العرب، وأسواق روسيا عوضت عنها الأسواق الإيرانية التي فتحت على مصاريعها بعد رفع العقوبات، خاصة أمام التجارة التركية.
تركيا لها مصالح أساسية وجوهرية مع إيران لن تزعزعها الصداقة مع ملك السعودية، والإيرانيون يفهمون السياسة التركية أفضل من غيرهم.
ولكن هل سيأتي المئة وخمسون ألف نعجة إلى تركيا ليدخلوا من هناك إلى المجزرة على أسوار حلب؟
هذه المسألة سيديرها الأتراك وفق حسابات “صفر خسارة”، فتركيا تبني بينها وبين سورية سورا عاليا في مناطق كثيرة على طول الحدود، وبهذا يكون الدخول إلى سورية من الأردن أسهل، ودمشق أقرب إلى الحدود الأردنية منها إلى الحدود التركية، فإذا كان هناك زحف لمئة وخمسين ألف نعجة يكون هناك أيضا بدخولهم من جهة الأردن احتمال أكبر في أن يصل بضع مئات منهم إلى ضواحي دمشق حيث تنتظرهم أقفاص حديقة الحيوانات في الشام.
أما الطائرات السعودية في قاعدة انجرليك فقد تكون هناك لأي غرض سوى مهاجمة سورية لأن صواريخ س 400 في سورية ليست في استعراض عسكري.
السعوديون أثبتوا لنا على مدى سنة من دخولهم الوحل اليمني أن طائراتهم فعالة إلى أقصى درجة في قصف المستشفيات، والمدارس، والمناطق السكنية، ولم يقدروا على غير ذلك حتى الآن على الرغم من الدعم الإسرائيلي والأمريكي لهم.
فكيف عساهم سيفعلون غير ذلك في سورية؟ وبوجود الروسية التواقة إلى إشعال الشموع في السماء؟
ما لا يفهمه أباعر الحجاز ونجد هو أن مصالح تركيا مع سورية، منطقيا وعقلانيا، أكبر بما لا يقاس من مصالحها مع السعودية. والآن بعد أن يأخذ الجميع الوقت الكافي لهم لفهم أن سورية أصبحت روسيّة، وتقبل ذلك، سنرى كيف سيجلس السوريون والأتراك على طاولة المفاوضات لتسوية الخلافات، وإيجاد قواسم مشتركة جديدة على ضوء سياسة “صفر خسارة”.
اليوم يقصف الأتراك مواقع الحزب الديمقراطي الكردستاني داخل سورية بقسوة واضحة، وينزلون بمقاتلي الحزب خسائر جسيمة، وسورية تطلب من مجلس الأمن التدخل لإيقاف القصف! ألم تهدد سورية بالرد على أي عدوان تركي؟
أليس هؤلاء جزء من سورية؟ لماذا إذن الطلب من مجلس الأمن منع القصف التركي؟ إن هذا ليس إلا إعلانا من جانب تركيا أن هناك خطرا وحيدا عليها من سورية.
هذا الخطر ليس بقاء الأسد في السلطة، بل تمدد حزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية.
ليس هناك من عاقل يستبعد أن يكون تحديد الحركة الكردية في الشمال السوري، وتقييدها، وتحجيمها قاسما مستقبليا مشتركا لمصالح أطراف عديدة.
هذه هي الصراعات، لها منطق لا يسر من ينظرون إلى الأمور بمنظار الأبيض والأسود.
فحلفاء اليوم قد يصبحون أعداء غدا، وكذلك أعداء اليوم قد يصبحون غدا حلفاء رغم الجراح، ورغم الاحباط الذي قد يشعر به من لا يقرؤون التاريخ، ومنهم الملك الصائع الطالح الذي تأتيه النعاج من كل فج عميق في أفريقيا بفضل دولارات النفط. من أين له أن يدرك أنه يعيش في زمن الحسابات والتوازنات الدقيقة؟ وهل سيخرج من الوليمة بصفر خسائر هو أيضا؟