شبحَ في سماء بغداد – روايـــة
د. عمر ظاهر
من قال إن روح عبدالكريم قاسم لا تعيش فينا؟
إنه ما يزال زعيمنا، زعيم الوطن، والوطنيين، وسيعود ليحرر العراق مرة أخرى، ويلقي ببلير، وبريمر، وكل خدم الاحتلال إلى مزابل التاريخ.
نعم سيعود، فالوطن الذي أنجبه، سينجبه من جديد. والشعب الذي خلق 14 تموز سيعيد خلقه.
وبلى، في الأرحام تموز جديد.
https://files.acrobat.com/a/preview/4fad028d-fb38-4a86-a2e7-85bda12422e1
صديقي القارئ
هذه طريقة جديدة في النشر أتاحتها الثورة الرقمية. إنها طريقة لها منافع جمة، منها أنها تحرر الكاتب من متاعب المطابع، خاصة العربية، وبالأخص لمن يعيش بعيدا عن الوطن.
ومنها أنها تجعل الكاتب على اتصال مباشر مع القارئ. وثالثها أنها تضع بين يدي القارئ عملا أدبيا، إن أعجبه فمتعة مجانية، وإن لم يعجبه فلا شيء يخسره.
لا أعرف إلى أي عدد من القراء ستصل هذه الرواية في شكلها هذا، لكني أعرف أن كثيرين من الناس يفضلون قراءة الأعمال الأدبية على الورق في كتاب.
آمل أن تكون في بغداد، التي لا أستطيع زيارتها، مطبعة تجد نفسها راغبة في تحويل هذه (المخطوطة) إلى كتاب مقروء. وأيضا، لا شك في أن أي كاتب لن يستغني عن الأداء المهني للمطابع في مجال الإخراج، والتنقيح.
مقتطفات منها:
تموز مزقه الذئابُ، وكفنوه بلا ضجيجْ!
ورمَوه في جبّ، وشيّعهُ الزمان بلا نشيجْ!
وسجى الدجى فإذا العراقْ
يختال في حلل النفاقْ،
لاحزنَ يكظمهُ،
ولا عينٌ يبيّضها الفراقْ.
وإذا به، وهو العنيدْ،
يلهو به تيسٌ بليدْ،
وإذا رجالهُ كالعبيدْ.
فعلامَ تحزن للعبيدْ؟
أفأنتَ فارسه الوحيدْ؟
أو ليس في الأرحامِ تموزٌ جديدْ؟
حتى ولو .. يا سيدي،
فالحرب تُعذرُ للجريحْ،
فاحضنْ جراحكَ كالمسيحْ،
واهدأ ونمْ.
نم سيدي. نم خلّ قبرك يستريحْ.
——————————
الطبيعة الخلابة بروعة بحيراتها، وألوان أشجارها، وبياض طيورها تكون أجمل لو رأيتها في لوحة معلقة على حائط في بيتك في وطنك مما لو عشت فيها حقا وحقيقة وأنت غريب عنها. فاحسب خطواتك بدقة أيها الولد الشقي قبل أن تبتعد عن أمك.
في العالم بعيدا عنها أنت لا شيء، وهو مكان قارس البرودة، خالٍ من المشاعر، فقد تتجول يوما في الشوارع المزدحمة في لندن، وتشم روائح الأطعمة من كل أرجاء الدنيا، ولكن تردد مع نفسك: وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل، أو قد تمشي في الشانزليزيه، وتردد مع نفسك: أخي جفوة فيه من الإنس وحشة.
الأم للطفل، والأرض للنبتة، والوطن هو الأم والأرض، وبينهما يرى الإنسان النور لأول مرة، وبينهما يتنفس الإنسان لأول مرة، وبينهما تبدأ الحياة في وطن.
لا تبتعد عن الوطن يا فتى إلا وأنت متأكد من ان الحبل السُري بينكما ممتد، ولن ينقطع.
هناك ساعة عجيبة في وجود كل إنسان تنقلب فيها الأشياء رأسا على عقب، مثلا تصبح الحياة موتا، أو ينقلب الوطن من أرض معطاء إلى سماء تمطر غضبا، أو من أم حنون إلى أب قاسٍ، لا يعرف الحب، ولا الضم، ولا العناق، ولا يعنيه منح الحنان، ولا يحمي أبناءه حتى من بعضهم البعض، مريضا، فاقد الأعصاب؛ وينبذك، ولا يعترف بانتمائك إليه. إن أعجب ساعة هي تلك التي يرى فيها الإنسان مدن الرخام، والحديد البارد، ومزابلها وقد أصبحت ملجأ آمنا يهرب إليه – المحظوظون فقط – من قسوة أب فقد رشده، ومن وطن فقد قلبه.
——————————
في تلك الجلسات استطعتِ أن تستخرجي مخزون أربعين سنة من المعاناة في ماضي حياتي مع أمة تتسلى بالقسوة، وتعذيب الآخرين. اليوم أمامنا مهمة أصعب من تلك بكثير. ما كان في الماضي لا شيء، يا آنّه، قياسا لما يدور اليوم. الآن يجب أن تستخرجي من قلبي آلام المستقبل، آلام ما سيجري في المئة سنة القادمة.
تتذكرين قصة العطار الذي حاول رفعي من الأرض وهو ممسك بأذني لا يتركني إلا إذا شتمت ستالين؟
رحمه الله فهو لم يكن غير طفل كبير تنقصه التسلية. اليوم يتسلى أحفاده بطريقة أخرى تحوّل ليل الإنسان ونهاره إلى كوابيس. إنهم ينصبون نقاط تفتيش على الطرقات، ويوقفون السيارات، وينزلون منها الركاب، ويطلبون منهم أن يشتموا .. ليس ستالين، بل رموز دينهم هم، أئمتهم وخلفاءهم الذين ماتوا قبل أربعة عشر قرنا.
ومن لا يشتم لا يرفعونه من أذنيه، بل يطلقون عليه الرصاص، ويتركونه مضرجا بالدماء. بل وإنهم يقتلون من يحمل اسم أحد من أولئك الأئمة والخلفاء الذين ليسوا من طائفتهم في الدين. آنّه، قولي الحقيقة بلا مواربة، هل أنت قوية بحيث تسمعين ما سأقصه عليك؟ إنك ستحتاجين إلى العودة مرات ومرات إلى من هي أعلى منك في سلم العلم والخبرة كي تسندك في هذه المهمة الشاقة، مهمة الاستماع إلى ما سأقصه.
————————————–
2016-07-14
