حلف الناتو يحاول ابتزاز روسيا عن طريق رومانيا!
عميرة أيسر*
لم يكتفي حلف الناتو والمنظومة الغربية بكل دولها و تحالفاتها ومنظماتها الإقليمية والدولية بفرض حصار وعقوبات اقتصادية على روسيا، بعدما قرر الكرملين غزو أوكرانيا لمنعها من الانضمام لهذا الحلف العسكري الذي توسع للمرة الخامسة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وهو ما عده بوتين خيانة من طرف الغرب لكل المعاهدات والاتفاقيات التي عقدتها القيادة الروسية في عهد سلفه بوريس يلتسن، وهو ما كشف عنه في مقابلة له مع الاعلامي الأمريكي الشهير تيد تلرسون، الذي استقال من قناة فوكس نيوز احتجاجاً على انحيازها الأعمى للرواية الرسمية الأمريكية فيما يخص تغطيتها للأحداث الدولية، وخاصة الحرب على أوكرانيا و ما يجري من انتهاكات اجرامية في فلسطين المحتلة من طرف الاحتلال الصهيوني الغاصب، فحلف الناتو الذي خسر الحرب الأوكرانية ضدّ روسيا رغم ضخه لمليارات الدولارات، وذلك بالرغم من حجم الدعم المهول واللامحدود للجيش الأوكراني ورئيسه زلنسكي، فالجيش الأوكراني وطوال مدة الحرب خسر الكثير من الجنود والضباط وأصبح يعاني من نقص فادح في التعداد البشري، وهذا ما دفع زلينسكي للتفكير في تجنيد النساء الأوكرانيات في الجيش أسوة بالكيان الصهيوني بعدما أصبحت أوكرانيا بلا رجال تقريباً، إذ فر مئات الآلاف من الشباب عند بداية الحرب لدول الجوار، رفضاً للتجنيد العسكري الاجباري، بالإضافة إلى أن الكثير منهم قد فضلوا دخول السجن على الانخراط في هذه الحرب التي يعتبرونها لا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد، وهذا ما أكده الكومندان أولكسندر فولكوف قائد كتيبة من اللواء الميكانيكي 24الذي أكد بأن وحدته تعاني من نقص في الأفراد إذ قال ” نحن بحاجة إلى شباب متحمس تقل أعمارهم عن 40عاماً”. مثلما ذكر موقع euronews بتاريخ 19ديسمبر/كانون الأول 2023م، في مقال بعنوان ( الجيش الأوكراني: نقص في الأفراد وصعوبة في التجنيد).
فحلف الناتو الذي فشل في انهاك وتشتيت قوة الجيش الروسي في أوكرانيا هذه المرة، خلق أزمة جديدة مع موسكو في محاولة منه لإدانتها دولياً، وهذه المرة باستعمال قضية تاريخية تم الفصل فيها إبان الحرب الباردة، وهي قضية الذهب الذي أودعته رومانيا في البنك المركزي الروسي إبان الحرب العالمية الأولى، وذلك خوفاً من الغزو الألماني النمساوي لأراضيها، وهي الكمية التي تقدر بأزيد من 91 مليون طن، بالإضافة لألاف القطع الفنية والمخطوطات التاريخية الثمينة التي لا تقدر بثمن، ولكن عند انهيار الحكم الامبراطوري القيصري في روسيا، وتحول الحكم للبلاشفة بعد ثورة 1917م، أعاد لينين وستالين معظم المخطوطات والتحف الأثرية واللوحات الفنية، ولكن رفض السوفيات اعادة الذهب الروماني الذي اعتبروه بمثابة تعويض مستحق لروسيا السوفياتية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث قامت دول المحور بتقديم تعويضات مالية ضخمة لدول الحلفاء لتعويضها عن ما لحق بدولهم من خراب ودمار بسبب هتلر وحلفاءه، ولكن روسيا تعتبر الدولة الوحيدة التي لم تستفد من تلك التعويضات، فرومانيا تعتبر من حلفاء ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وهي التي سمحت لهتلر بغزو أراضي الاتحاد السوفياتي عبر أراضيها في عملية بربروسا، وهذا ما أشار إليه وأكده نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري مدفيدف حيث قال ” لا أعرف حتى كيف يمكن الرد على مثل هذه الوقاحة، سرق الاتحاد السوفياتي أصولاً من روسيا تقدر قيمتها ب300 مليار دولار ويطالبها بإعادة الذهب الروماني، ليس هناك مما يمكن قوله سوى ارسالهم للجحيم” اعتقدنا أنه لا يمكن أثارة دهشتنا، وأن الزعماء الأوروبيين أغبياء وضعفاء، وتافهون، لكن لا تمكنوا مجدداً من اثارة دهشتنا، هم يريدون اعادة الذهب إلى رومانيا، هذا الذهب أممته الحكومة السوفياتية عام 1918م، بسبب سلوك سلطات رومانيا المنحط، والتي رفضت سداد ديون الإمبراطورية الروسية عليها وقبلت رومانيا بذلك، ولقاء هذا تراجع الاتحاد السوفياتي عن مطالبتها بتعويضات عن مشاركتها للقوات النازية في القتال ضدّنا خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن الآن كما يبدو عادت مهنية العديد من البلهاء في البرلمان الأوروبي للظهور مرة أخرى. كما ذكر موقع RTبتاريخ 15مارس/أذار 2024م، في مقال بعنوان ( مدفيدف يرد على طلب قادة الاتحاد الأوروبي: اذهبوا للجحيم).
فرومانيا التي تعتبر جزء من دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ولها حدود مشتركة مع كل من أوكرانيا ومالدوفيا تعتبرها واشنطن من أهم الدول في أوروبا الشرقية التي تستطيع الاستفادة من موقعها الجغرافي في التأثير على بقية المكونات العرقية والاثنية في دول الجوار الروسي، كمالدوفيا التي تعبر اللغة الرومانية هي لغة التعاملات الرسمية في البلاد، حيث أن نسبة 82.5 بالمئة من الملدوفيين يتحدثون بها، ويعتبرون رومانيا امتداد تاريخي وحضاري وثقافي لهم، فرومانيا تريد إيجاد حل لمشكلة إقليم ترانسنستريا من أجل ضم بقية مالدوفيا لأراضيها بدعم كامل من واشنطن، وهو ما يعتبر بمثابة تهديد مباشر للأمن القومي الروسي الذي يعتبر رومانيا من أهم الدول الداعمة لأوكرانيا، فمعظم الأسلحة التي تتدفق على أوكرانيا يتم شحنها وتخزينها في القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة هناك، بالإضافة لتلك الموجودة في بولندا، وهي القواعد التي قد يستهدفها الجيش الروسي في حال قرر حلف الناتو التورط واعلان الحرب على روسيا اطلاقا من أوكرانيا، وهذا ما أكده المحلل السّابق في وكالة المخابرات الأمريكية لاري جونسون في مقابلة له مع قناة على يوتيوب، حيث قال بأن روسيا لن تستخدم الأسلحة النووية
لأن عندها صواريخ تقليدية يمكنها ضرب مراكز الامداد والقواعد في بولندا، رومانيا وفي رأيه فإن بريطانيا وفرنسا مستعدتان لإرسال قوات إلى أوكرانيا، وأشار جونسون إلى أن قيادتها أصدرت مؤخراً تصريحات عدوانية ضدّ روسيا. كما ذكر موقع sputnik، بتاريخ 9 مارس/أذار 2024م، في مقال بعنوان ( خبير عسكري: الجيش الروسي قد يضرب قواعد الناتو في رومانيا وبولندا اذا لزم الأمر).
فالولايات المتحدة الأمريكية التي تستعد لتوسعة الصراع مع روسيا ليشمل دولاً أخرى في أوروبا الشرقية قامت تحسباً لذلك منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا بنشر مجموعتها الجوية الفائقة القوة التي تسمى النسور الصارخة في قاعدتها الجوية برومانيا بالتزامن مع بداية حلف الناتو تنفيذ مناورات المدفع الثابت التي تعتبر الأكبر منذ تأسيسه، فالدول المنظومة تحت لواء حلف شمال الأطلسي باتت على يقين بأن أوكرانيا لن تستطيع الصمود في وجه القوات الروسية، فهزيمة أوكرانيا هي بمثابة كارثة استراتيجية لدى منظومة الناتو التي لن تتوانى عن استعمال كل ما تمتلكه من وسائل ضغط سياسي ودبلوماسي واقتصادي وعسكري لالحاق الهزيمة بروسيا، وتقليص مساحتها المترامية الأطراف، فهذه الدول متخوفة من انتقام بوتين بعد أن ثبت تورط دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في تمويل وتدريب القوات الأوكرانية، وهذا ما أشارت إليه المخابرات البريطانية التي حذرت من توسع رقعة الصراع المحتدم، خاصة بعد أن قامت القوات الأوكرانية بقصف إقليم ترانسنستريا بمالدوفيا، بالإضافة لإحراق 12 محطة لتصفية البترول في روسيا، وشنت هجوماً عسكرياً واسع النطاق على المدن الحدودية الروسية في مدينة بلغرود، وبالطبع لن يجرؤ زلنسكي على فعل ذلك لو لم يتلقى الضوء الأخضر من واشنطن التي تعد العدة فيما يبدو وتهيئ حلفاءها لخوض حرب طويلة مع روسيا المستعدة والحاضرة لصدّ عدوان حلف الناتو، وبالتأكيد فإن هذه الحرب الكبرى ستكون حاسمة لتحديد من سيرسم معالم النظام الدولي الجديد في القرن القادم.
-كاتب جزائري
2024-03-20
