ودّعنا عام 2015 باعدام شاعر عربي عراقي اختار أن يقول الحقيقة كاملة، واستقبلنا عام 2016 بإعدامات إجرامية في الجانب الآخر من الحدود، في مملكة آل سعود.
إنه لأمر يندى له جبين الإنسانية، وعار خص الله به أمة سبق أن قال فيها {كنتم خير أمة أخرجت للناس}، أمة لا تكاد تخلص من عار حتى يلطخ جبينها عار جديد، أمة كثر جلادوها وجزاروها، وتنوعوا بين محتل أمريكي، وعميل له، وبين صهيوني يتخفى في ألف هيئة وهيئة، وطائفيين لا حصر لألوانهم، وأشكالهم، ومشاربهم.
وأبشع جلادي هذه الأمة هم من بين أبنائها، وكأنهم ليسوا أبناءها بل هم رجس من عمل الشيطان.
يثير العميل، والجلاد، والجزار سخط الشعوب وغضبها، ولكنْ هؤلاء هم أعداء، وماذا تنتظر الشعوب من أعدائها؟ إن ما يثير سخطا أكبر، وغضبا أشمل، هو هذا الصمت، وهذا الخنوع، وهذا الاستسلام لما يقدره لهذه الأمة أعداؤها، بل ربما هذا الغل الذي في القلوب.
إعدام 47 إنسانا وبطريقة وحشية همجية أثار في العالم سخط حتى من لا يثير القتل سخطهم، وفي ربوع هذه الأمة وحدها صمت ولا صمت المقابر.
ليست الصدمة هي ما تفسر هذا الصمت، فنحن نعيش كل يوم صدمات، وفي كل مدننا من المحيط إلى الخليج. وليست اللا أبالية هي ما يمكن أن تفسر هذا الصمت، فكيف لا يبالي بقتل الناس من حوله من قد يكون هو الضحية التالية؟
شيء واحد يفسر هذا الصمت الجبان، ويجعل القتل يتواصل: جميع العراقيين، وكل العرب، وكل المسلمين، وكل الشرقيين، كلهم جميعا طائفيون.
نحن، ما لم يقله النعيمي، “شر أمة أخرجت للناس”، عندما يُقتل الشيعي منهم يشتفى من قتله السني، وعندما يُذبح السني منهم يشتفي من مأساته الشيعي، وهم لا يعلمون أنهم جميعا ينتظرون سيف الجلاد، فقد يطالهم أينما كانوا، لأنهم جميعا في متناول يده يخدمون بحقدهم بعضهم على بعض مآربه هو.
الشرفاء الوحيدون فينا هم من تنالهم يد الجلاد، فنعرف أنهم لم يكونوا طائفيين، لذلك استأصلهم عدونا.
لا نلوم من لا صوت لهم، ولكن أنتم أيها المثقفون العرب اكسروا أقلامكم، ولتكن آخر عبارة تخطونها على جبينكم – “نحن طائفيون جبناء”.
لماذا أنتم صامتون؟ لماذا لا أحد منكم يكتب كلمة عن مجزرة بشرية متعمدة، يرتكبها نظام قرووسطي بحق 47 إنسانا في يوم واحد؟ أتشعرون بالعار في الدفاع عن رجل دين؟
والله كان الشيخ نمر النمر أكثر منكم ثباتا على الحق، واستعدادا للتضحية في سبيل عقيدته، مهما كانت عقيدته. هناك فارق كبير بين أن يموت الإنسان من أجل عقيدته، وبين أن يَقتُل الناس باسم عقيدته.
الشيخ النمر تقبل القتل من أجل عقيدته في الدفاع عن الحق، ومن قتلوا الشيخ النمر ليس لهم عقيدة غير حب القتل.
والله كان أحمد النعيمي أشرف منكم جميعا، من شيعتكم، وسنتكم، وعلماء دينكم، وآياتكم، وعلمانييكم لأنه قال ما تقولونه جميعا في دواخلكم، ولكن أنتم أجبن من أن تفتحوا أفواهكم، وتقولوا كلمة حق.
قال، وقوله يشملنا جميعا “نحن شعب لا نستحي”، ولو كنا نستحي لكتب الكثيرون منا بحقه كلمة حق. إنه شاعر تمرد على اللصوص والحرامية، دون أن يميز بين لص وآخر. وأية بطولة أكبر من قول كلمة حق في حضرة حكام لصوص؟
أية عقيدة هاجمها النعيمي؟ هؤلاء الذين هاجمهم، سنة وشيعة وأكرادا، نهبوا باسم الحسين، وباسم عمر، وباسم حقوق الشعب الكردي العراقَ كله، وحولوه إلى مليارات من الدولارات في حساباتهم في البنوك. قالها، كما قالها من قبل مظفر النواب الذي أصابه الآن الخرس “لا أستثني أحدا منكم .. من بغداد إلى جدة”.
أيها المثقفون العرب .. لماذا قتل الشيخ النمر ومن معه شر قتلة؟ أليس لأنهم وقفوا بصلابة الرجال في وجه نظام فاسد تشتمونه يوميا لأنه يمول الإرهاب في العراق، وسورية، ويقتل شعب اليمن؟ كانوا معكم، إذن، في الخندق نفسه.
متى ستقفون مع الحق لأنه حق، وليس لأنه من طائفتكم؟ الحق لا يعرف دينا، ولا طائفة، ولا لونا، ولا جنسا، ولا لغة.
طائفة واحدة ما تزال تحفظ لهذه الأمة شيئا من وجودها الإنساني، وشيئا من الكبرياء والكرامة – طائفة شهداء كلمة الحق. نقف أمام تضحياتهم بإجلال وإكرام.