تميزت التركيبة اللبنانية منذ لحظة التأسيس في عشرينات القرن السابق على يد الاحتلال الفرنسي بانقسامها الدائم و المزمن بين تيارين متنافرين بشدة الأول و هو التيار الذي ارتبط بالغرب أي كان متصدره أو المكلف بلبنان ( فرنسي أميركي ) و تمتع هذا التيار بامتيازات جعلته يتمتع بالقدرة على السيطرة الاقتصادية و السياسية في لبنان و اعتمد على الموارد البشرية المسيحية المارونية و العائلات السنية البيروتية فيما كان التيار الثاني و هو الأضعف تاريخياً حتى اتفاق الطائف هو التيار المقاوم لمشاريع الهيمنة الغربية و يسعى بشكل دائم لمقاومتها من خلال تبني الأُطروحات السورية القومية و القومية العربية بشقيها البعثي و الناصري و اليسارية الماركسية و هي أطروحات علمانية و اعتمد هذا التيار بموارده البشرية على المسيحيين الأرثوذوكس و سنة صيدا و البقاع و طرابلس و على الشيعة الذين شكلوا على مر العصور مادة المعارضة لكل أشكال الهيمنة و الاحتلال
و بسبب هذه البيئة الخاصة برز علماء دين شيعة لبنانيون يتميزون بحسهم السياسي الوطني العابر للمسألة الطائفية و إن استندوا إليها للعمل على التغيير في بيئتهم بدءاً من السيد محسن الأمين العاملي و عبد الحسين شرف الدين الموسوي و مروراً بالسيد موسى الصدر و السيد محمد حسين فضل الله الذين بدءا بنشاطاتهما منذ نهاية الخمسينات مع ظهور السيد محمد باقر الصدر في العراق الذي أرخى بظلال مدرسته على لبنان عبر تلامذته ( الشهيدين عباس الموسوي و راغب حرب و غيرهما ) بالإضافة للشيخ محمد مهدي شمس الدين
ترك انتصار الثورة الإسلامية في إيران أثره العميق على ثلاثة قوى إسلامية شيعية في لبنان و هم حزب الدعوة الإسلامية و حركة أمل و اتحاد الطلبة المسلمين ) التي اجتمعت مع بعضها البعض في مواجهة الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان و سقوط بيروت من خلال فتوى الإمام الخميني بواجبية مواجهة الاحتلال و تم الإعلان عن ولادة تنظيم حزب الله و بالاستناد لنظرية ولاية الفقيه في الحكم السياسي الشرعي و هذا ما أدى في البدايات لمواجهات اجتماعية حادة في بعض المناطق بسبب طرح مسألة الدولة الإسلامية و التشدد بتطبيق الأحكام الشرعية ثم ما لبث الحزب أن ابتعد عن الطرح السياسي لفكرة الدولة الإسلامية و طرح بديلاً عنها السيد فضل الله دولة الإنسان لتعذر قيام دولة إسلامية في مجتمع تعددي لا يقبل الطرح الإسلامي و من ثم أطّٓر حركته ضمن هدف وحيد هو تحرير الجنوب و تحرير القدس تحت شعار حركة مقاومة حتى عام عام ١٩٩١ عندما خاض أول انتخابات نيابية أحدثت جدلاً واسعاً في صفوفه حول شرعية العمل السياسي في الأنظمة الظالمة و خرج على أثرها الشيخ صبحي الطفيلي من الأمانة العامة و من الحزب و تحول على أثرها الحزب من حركة مقاومة إلى حركة مقاومة تتعاطى الشأن السياسي و استمر على هذه الحال إلى ما بعد إنجاز التحرير و حتى عام ٢٠٠٥ حيث تم اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري و الذي ترتب عليه خروج الجيش العربي السوري من لبنان و انكشاف ظهر المقاومة مما دفع بالحزب للدخول بالمعترك السياسي من أوسع أبوابه لحماية ظهره في الداخل اللبناني فقام بتأسيس شبكة تحالفات مع قوى غير إسلامية مثل التيار العوني المسيحي و المردة المسيحي و السوريين القوميين و الناصريين السنة و قسم من الدروز و كانت معايير اللقاء و التحالفات سياسية بحتة ترتكز على مسألة مواجهة المشاريع الغربية و أدواتها الإسرائيلية و الرجعية العربية في لبنان و فلسطين و في كل مكان حتى وصل إلى فنزويلا بالعلاقة مع اليساري الماركسي هوغو شافييز حيث اعتبره و من خلال شعار ملصق كبير نشره بالضاحية الجنوبي ( رب أخٍ لم تلده أمتك )
و بسبب البيئة التاريخية للطائفة الشيعية و خاصة في جبل عامل و بحكم تأثيرات الحركة الوطنية اللبنانية السابقة و بفعل المواجهة الصادقة للمشاريع الغربية غاب بشكل تدريجي الخطاب الإسلامي العام و الشيعي بشكل خاص إلا في جزء من إحياء عاشوراء و حضر مكانه و بشكل متصاعد وعبر أمينه العام بالذات خطاب حركة التحرر الوطنية و العربية و قضايا العدالة الإجتماعية و الاستقلال و التنمية الاجتماعية و الاقتصادية
كما بدأت تتلاشى المظاهر الدينية المتشددة بداية لتحل محلها نمط واسع من الحريات الاجتماعية و الرفاه و لتتحول المسألة الدينية الاعتقادية إلى مسألة هوية مكون تاريخي اتصف عبر تاريخه بمواجهة الظلم و الفساد
و تحولت مسألة ولاية الفقيه من ساحة للجدل في الساحة الشيعية إلى مجرد دروس حزبية في حلقات الحزب الداخلية لا تترك أثرها على حركة المجتمع إلا بما تقدمه إيران من دعم كبير للحزب المقاوم في بناء البنية التحتية للمجتمع الشيعي
و حتى من الناحية الإعلامية كان هناك تحول كبير يعرفه المتتبع لقناة المنار و إذاعة النور حيث كان يغلب عليهما الطابع الإسلامي الشيعي المتشدد و من ثم بدأت باللقاء مع الشخصيات العلمانية و و وضع الأغاني الوطنية ( مارسيل خليفة ) و الأغاني القومية من مرحلة عبد الناصر
و الأهم من كل ذلك هو الحوارات الداخلية حول مسألة العلمانية من الناحية العملية و مصلحة المقاومة و الطائفة الشيعية بالعيش ضمن نظام سياسي علماني يحمي مشروع المقاومة و يستفيد من الطاقة الروحية للهوية التاريخية في فعل المقاومة
أثبت حزب الله بطبيعة التحولات السلوكية و الفكرية أنه أذكى و أنقى حركات الإسلام السياسي الشيعي و أكثرها استشرافاً للمستقبل و خاصة بظل أمينه العام الحالي السيد حسن نصر الله الذي يقوده من حركة مقاومة إسلامية إلى حركة تحرر وطني و عربي تستقطب كل الحالمين و العاملين لها