سياق هذه المقالة هو الحديث الذي أدلى به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أيام حول حرية التعبير، وانتقاده الإساءة إلى رسول الإسلام الأعظم، وقوله صراحة أن مثل تلك الإساءة لا تدخل تحت باب الحرية.
سمعنا من قال على الفور أن بوتين يتحدث وكأنه ليس من هدم أسقف المنازل في غروزني على رؤوس الشيشان المسلمين. إنه يكاد يقول إن قتل المسلمين شيء وإهانة رسولهم الأكرم شيء آخر. وفي رأينا المتواضع أنهما فعلا شيئآن مختلفان، ففي الشيشان كان بوتين سياسيا يريد أن يقف أمام انهيار الاتحاد الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وكان سيفعل الشيء نفسه لو أن سكان غروزني لم يكونوا مسلمين، بل مسيحيين أورثودوكس. مع الإدانة الشديدة للقسوة التي تعرض لها مسلمو الشيشان، فإن للسياسة منطقها الذي لا يعجبنا دائما.
أما بخصوص حرية التعبير فإن بوتين يظهر في حديثه كرجل ثقافة وفكر، وهو بإدانته للسفاهات التي تعرض إليها رسول الإسلام الأكرم، يضع نفسه في مصاف من يترفعون عن الدنايا، وهو أمر لم يسبقه إليه إلا قليلون، حتى من حكام المسلمين، ناهيك عن حكام أمريكا وأوروبا.
ثم سمعنا من يقول إن السفاهة ضد الرسول الأكرم بدأت عام 2005، وبوتين ظل صامتا طيلة سنوات، وها هو ينطق الآن. ترى لماذا الآن؟ أليس لأن المسلمين أصبحوا بين ليلة وضحاها الحصان الرابح في سباق التعبئة للحرب القادمة؟ نعم، هناك سباق على من يكسب المسلمين إلى جانبه في الصراع العظيم المقبل. حتى في أمريكا يسنون الآن قانونا لمنع انتشار الإسلاموفوبيا.
إنه لأمر مثير للاهتمام أن يبادر رئيس دولة عظمى، مسيحية، إلى إدانة السلوك الصبياني في الإساءة إلى رسول الإسلام. حقا، إشارة من هنا أو هناك يمكن أن تجعلنا نشعر بأن العالم يتغير. أما بوتين فلم يترك الأمور للشعور والحدس، بل وضع النقاط على الحروف. مبادرة بوتين دليل قاطع على أن الحملة الصليبية الجديدة، والتي دشنها السيء الصيت جورج بوش الابن، قد فشلت ولحقت بسابقاتها. وفشل هذه الحملة قد تعقبه نتائج مثل التي أعقبت سابقاتها.
بوتين رجل سياسة وحساباته دقيقة
بوتين، حتى وهو يتحدث في الثقافة والفكر، لا يبتعد عن موقعه الرئيسي كسياسي يعرف متى يهدم المنازل على رؤوس ساكنيها من أجل الاتحاد الروسي، ويعرف أيضا متى يرفع القواعد لتحالف يدعم الاتحاد الروسي. ألف وأربعمئة مليون مسلم ليس رقما يُستهان به إلا إذا كان السياسي متخلفا عقليا مثل جورج بوش. بوتين يدرك أن حماقة جورج بوش كان لها مفعول عكسي، فالحرب الظالمة على أية أمة تؤدي، رغم الخسائر والمعاناة، إلى توحيدها. عملية حسابية بسيطة ستجعل بوتين يعود إلى الحديث عن الإسلام بتصريحات أقوى من مجرد احترام رسوله الأعظم، فلو أنه اعتبر أن 99 بالمئة من المسلمين يحملون رسالة الإسلام في قلوبهم كهوية سلبية، أو حتى كممارسة حياتية فردية، فإن جورج بوش أيقظ نوعين من الشعور في نفوس هؤلاء، الشعور بالانتماء، والشعور بالخطر لأنهم مستهدفون. وبالمقابل، فلو أن واحدا فقط من كل مئة من المسلمين كان متحمسا لحمل رسالة الإسلام إلى العالم، فإن بوتين سيكون يوجه خطابه الودي إلى أربعة عشر مليون متطوع، أي ربما ما يعادل تعداد جيوش العالم القوية مجتمعة. وهؤلاء الأربعة عشر مليونا يحظون الآن، بفضل جورج بوش، بتعاطف نسبة كبيرة من التسعة وتسعين بالمئة السلبية الصامتة. وكسب هؤلاء واستمالتهم ليس بالأمر المستحيل أو حتى الصعب. مجرد إبداء الاحترام للرسول الأعظم، وإدانة شارل إيبدو ومن لف لفه، سلوك يمس شغاف قلوب المسلمين. وبوتين لا بد أنه وصل إلى مسامعه أن دعمه الخفي لإيران، وتدخله المتواضع في سورية صنعا له في صفوف فئات واسعة من المسلمين لقب “أبو علي بوتين”. وهو يعرف أن خصومه من زعماء الغرب جعلوا من أنفسهم، غباءً أو غطرسةً، منبوذين في أعين المسلمين، فهم من دعم وما يزال يدعم تشريد الفلسطينيين وقتلهم، وهم قتلة الأفغان، وهم قتلة العراقيين، وغيرهم من المسلمين المسالمين. إنهم، في أحسن الأحوال، أتباع صاحب عبارة الحرب الصليبية، المعتوه بوش.
العلاقة بين السياسة والثقافة
هناك بعض الصعوبة في التفريق بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، ذلك لأن السياسة والثقافة تتداخلان على أرض الواقع، والسياسي لا يمكن له أن يتحرك إلا في إطار ثقافة مجتمعه، والمثققف بدوره يجب أن يتحصن ويحذر دائما من الوقوع في براثن خبث السياسيين وألاعيبهم واستخدامهم السيء للثقافة ومفاهيمها. وهنا فإن بوتين يمكن أن ينال أعلى درجات التفوق في السياسة. إنه رجل سياسة أعاد لروسيا مكانتها التي فرط بها أسلافه غورباشوف، وبوريس يلتسن، وشفرنادزة الذين باعوا روسيا والاتحاد السوفيتي إلى الأعداء بثمن بخس. وهو ماض في تعزيز قوة روسيا ومكانتها الدولية، ومقبل على تحالفات مهمة، من بينها ما يدل عليه غزله مع المسلمين، وأول القطر إدانة الإساءة إلى رسول الإسلام الأكرم. أما جوهر حديث بوتين عن حرية التعبير فيرسم على الشفاه ابتسامة باهتة، ذلك لأن حرية التعبير ليست في تجلياتها المجتمعية جزء من ثقافاتنا الشرقية، ولا ينبغي لها أن تصبح مجرد أداة سياسية يجري استخدامها بطريقة انتقائية. في ثقافاتنا الشرقية عموما لا مكان لحرية التعبير، لا في روسيا، ولا في الهند، ولا في الصين، وكذلك ليس في أي بلد مسلم. ونحن لا نسيء إلى الرموز الدينية، ليس من باب استثنائها من حرية التعبير، فمثل هذه الحرية غير موجودة أصلا. إن احترام الرسول الأكرم، واحترام السيد المسيح، وغيرهما من رموز الحق والخير عندنا مسألة أخلاقية قبل أن تكون أي شيء آخر. لا ننسى أن المسلمين أنفسهم لا يحملون مقدار ذرة من التقدير لرموز الأديان غير السماوية، لكنهم يترفعون عن السخرية منهم، والهبوط إلى مستوى ما فعله الصبيان في الدنمارك وفي فرنسا تحت ذريعة حرية التعبير.
وغير هذا فنحن محكومون بقيم أخرى لا تناقش، منها احترام الكبير، وحتى إطاعة أولي الأمر، لكن هذه القيم ترتبط غالبا بالدين، والدين يكرس على الدوام سلطة أولي الأمر، ويصون مقامهم حتى من عدم مخاطبتهم بأفخم الألقاب، فهناك آداب لمخاطبة الملوك، مثلا. أما في الدنمارك فيخاطب الناس الوزراء ورؤساء الوزراء بأسمائهم دون ألقاب من قبيل السيد فلان، أو حضرة فلان، أو فخامة فلان. كذلك ينادي الطلبة أساتذتهم بأسمائهم، من غير لقب أستاذ، أو دكتور. والملكة نفسها يسمونها الملكة مرجريتا، ونادرا ما تنوب عبارة “جلالتها” عن ذكر اسمها.
ونحن ندخل في الحديث عن حرية التعبير في الغرب، فإننا ننبه فقط إلى أن ازدراء فئات مجتمعية هامشية، مثل الغجر، أو المعاقين، أصبح ثقافيا أمرا ممجوجا، لا يحظى بموافقة المجتمع هنا. ناهيك عن أن التجاوز على أية أقلية اجتماعية، كالمثليين، تلفظه الأطر الثقافية الغربية؛ هذا التجاوز ليس مشمولا بحرية التعبير. هذا في الوقت الذي أطلق فيه العنان في بعض المجتمعات الغربية للإساءة إلى أقليات دينية، المسلمين حصرا. الإساءة إلى الرسول الأعظم هي قبل كل شيء إساءة إلى مُثُل المجتمعات الغربية وثقافاتها، قبل أن تكون إساءة على مستوى العالم للمسلمين. وتفشي ظاهرة الإساءة إلى رسول الإسلام – والمسلمون أقليات في هذه المجتمعات، دليل واضح على أن هذه الإساءة ليست قيمة ثقافية، بل هي مسألة سياسية، تكشف قصر النظر السياسي، والغطرسة والتعالي على ألف وأربعمئة مليون مسلم في العالم.
ماذا نعني بالغرب؟
في الخطاب السياسي العربي يشار بمصطلح “الغرب” أساسا إلى الدول الاستعمارية الغربية التي استعمرت بلدان العرب، وبالدرجة الأولى بريطانيا وفرنسا (وطبعا الولايات المتحدة) – مع أن إسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا أيضا استعمرت لفترات مناطق عربية. يراد للمصطلح أن يكون شاملا في تغطيته. إلا أن هناك دولا غربية لم يكتب لها أن تستعمر أرض العرب، مثل ألمانيا، والنمسا، وسويسرا، واللوكسمبورغ، وغيرها. وهناك بلدان تعتبر في الخطاب السياسي العربي غربية مع أنها تقع في شمال القارة الأوروبية، وهي – باستثناء الدنمارك، ليس لها تاريخ عدواني مع العرب (السويد، والنرويج، وفنلندا، وآيسلاندا).
إضافة إلى ذلك، فإن من المؤسف أن مصطلح “الغرب” يشهد تعميما في نصوص أغلب الكتاب العرب، فهم عندما يطلقون العبارة لا يميزون بين الغرب كشعوب مسالمة ودول رأسمالية لها سياسات استعمارية؛ وبين الغرب كثقافات تطورت بكفاح خيرة أبناء هذه الشعوب من مفكرين، وأدباء، ومثقفين على مدى قرون وبين سياسات لا إنسانية تمارسها نخب سياسية منسلخة أصلا عن الثقافة السائدة، لكنها قادرة على التلاعب بالمفاهيم والقيم الثقافية لتمرير سياساتها. كمثال على ذلك الثقافة الدنماركية التي يعد الصدق فيها سمة أساسية فالدراسات تشير إلى أن أكثر من خمسة وثمانين بالمئة من المواطنين الدنماركيين يثقون بعضهم ببعض، دون الحاجة إلى القسم والأشكال الأخرى من التأكيدات. ويسري هذا حتى على ثقة المواطن بالدولة، وبالسياسيين، وبالإعلام. هذه ثقافة راقية، وهناك ما يبرر هذه الثقة وهذا الصدق. لكن نجد أن رئيس الوزراء الدنماركي الأسبق، أنس فو غاسموسن، سجل سابقة خطيرة في تاريخ البلد بأن كذب على الشعب وعلى البرلمان، ودفع بكذبه البلد إلى المشاركة في العدوان على العراق عام 2003، وهو كان يعرف حق المعرفة أن وجود أسلحة الدمار الشامل لدى العراقيين أكذوبة.
الانفصام بين الثقافة والسياسة في الغرب
هناك ما يشبه الصراع بين الثقافة التي تتطور ببطء وهدوء، ونتيجة خبرات التفاعل الاجتماعي وبين السياسة التي هي اختصاص نخب براغماتية لها مصالح هوجاء متهورة، وهي تريد دعم تحالفها مع فئات أخرى منسلخة عن الثقافة، ألا وهي فئة أصحاب الأموال. إن الثقافة راسخة لأنها تستند إلى الفكر الإنساني التقدمي، وهي تبدع المفاهيم، وتطورها، وتوسع مجالاتها، أما السياسة فهي عمياء لا تحسب الحساب إلا للمصالح، وهي في هذه البلدان غالبا ما تكون غير مشروعة. إن الرأسماليين الامبرياليين يتعاملون بغطرسة مع الآخرين: الشعوب المسلمة، والشعوب الأفريقية، وشعوب أمريكا اللاتينية؛ وهم يتعاملون مع ثقافات شعوبهم تعاملا خداعا، فرئيس وزراء الدنمارك الأسبق خدع مئات الجنود الشباب عن طريق التوجه إلى نزعتهم إلى الديمقراطية. الشباب الدنماركيون الذين أرسلوا إلى العراق ذهبوا إلى هناك طواعية وهم مؤمنون بأنهم ذاهبون ليحققوا الديمقراطية للعراقيين. لكن السياسي الذي أرسلهم إلى هناك كان كذابا جشعا، يلعب على الأوتار الثقافية للشباب وعيناه على منصب الأمين العام لحلف الناتو الذي حصل عليه مقابل كذبه على الشعب الدنماركي.