جيش القدس فلسطيني أولا وأخيرا .. وما زال مرابطا في القدس
د. عمر ظاهر
يقترب الكثيرون من الإيمان بأن الزمن الذي يصبح فيه الاعتزال خيارا حكيما للمؤمن قد حل، وأن أوان الصمت قد حان، فقد ملئت دنيا العرب قتلا، ونهبا، وتزييفا، وتزويرا، وخيانة، وصار النفاق والكذب، وقلة الحياء تجارة رائجة، ولم تعد هناك طائفة تصطف معها باعتبارها على حق، وخصمها على باطل. الحق الحق نقول أن لا حرب تدوم بين حق وباطل، وبين خير وشر، وبين ملائكة وشياطين. الحرب صناعة الشيطان، ومهنته، وسر بقائه.
نعم تقوم الحرب بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الملائكة والشياطين، لكنها إن دامت تدوم بين باطل وباطل، وبين شر وشر، وبين شيطان وشيطان، ولن يعود هناك من هو على حق، ومن هو الخير، ومن هو الملاك.
الحرب هي الحرب، ووسائل كسبها هي وسائل الشيطان، والشيطان يقتل، ويظلم، ويكذب، ويقلب الحق باطلا. في البداية تلعب إحدى الطائفتين دور الملاك، ثم تكتشف أنها إن لم تبز الشيطان في وسائله ستخسر الحرب. يبدأ من كان على حق بأن يقتل أكثر مما يقتل الشيطان، ويظلم دون رأفة حتى يتفوق على الشيطان نفسه في الظلم، ويكذب أكثر من الشيطان نفسه حتى ينتصر. قلّ في التاريخ، أو عدم، من انتصر بأن يدير الخد الأيسر لمن يصفعه على الخد الأيمن. من ينتصر هو من يرد الصاع صاعين.
عندما تسمع أحدهم يدعي الانتصار فاعرف أنه على باطل، فإن كان حقا أنه انتصر، يكون قد تفوق على الشيطان في استخدام وسائله. وإن كان انتصاره كاذبا، فقد تفوق على الشيطان في كذبه.
والحق الحق نقول إن العرب منتصرون وفقا لمعايير الانتصار لديهم، وكاذبون حقا. منتصرون لأنهم يقتلون، بعضهم بعضا، حتى أن من يكرههم لم يعد بحاجة إلى أن يقتلهم بنفسه، فهم في قتلهم بعضهم البعض يكفونه شر القتال. والعرب كاذبون لأنهم، وهم يدعون الانتصار، يسطرون آيات من الهزائم المنكرة، لم تصب بها أمة من قبلهم.
هذا العربي المسكين يصرخ بأعلى صوته أنه ينتصر، بل ويزين له الشيطان أن الانتصار قدره، فليس عليه إلا أن يصدر مزيدا من الفتاوي التي تحل القتل، والاغتصاب، وجهاد النكاح، وما لم ينزل به الله من سلطان، فيفعل ذلك حتى لا يعود يرى أن الهزيمة هي التي صارت قدره. كيف تكون أمة من الأمم منتصرة وهي تهدم بأيديها مدنها على رؤوس أهلها، وأنت تجد أدباءها لم يعودوا يجدون بطلا من بين ظهرانيهم يتغنون به وبأمجاده، فيتغنون بجنرال أجنبي؟ رحم الله تلك الأيام التي كنا نحتار فيها بين من يستحق تمجيدا أكبر بين زعماء وعظماء وأبطال أمتنا. كم تغنينا بجمال عبدالناصر؟ كم تغنينا بصدام حسين؟ وكم وكم؟ كان عندنا جحافل ممن نتغنى بهم، من كمال عدوان حتى دلال المغربية، وحتى محمد الدرة، بل كان كل فدائي مفخرة إذ كان يعبد بدمه طريق الأمة إلى صون كرامتها، على الأقل. ناهيك عن احتفائنا بعبدالقادر الجزائري وعمر المختار، وآلاف من أعلام العرب وأبطالهم.
الجواهري كتب لنا شعرا يرثي أخاه جعفر الذي استشهد عام 1948 في مأثرة من مآثر شعبنا العراقي ضد عملاء الاحتلال البريطاني، فتغنينا بجعفر حتى قامت ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958. وبعد صلاح الدين الصباغ لمعت كوكبة من الرجال الشجعان، وصفي طاهر، ماجد محمد أمين. حقا كنا نتغنى بماوتسي تونغ الصين، ولكن كنا في الوقت نفسه نتغنى بجمال الحيدري، وحسين الرضي، وفهد. العراق وحده أنجب جحافل من أصحاب الأمجاد الذين كانوا يشكلون للعراقي هويته.
اليوم بمن عساه يتغنى أديبنا العبقري؟ بحيدر العبادي؟ أم باللصوص الذين يجلسون في البرلمان تحت أحذية الاحتلال؟ أم بالمعممين، وقد ملؤوا قلوب العراقيين قيحا، ونفورا حتى من دين الله؟ أم بصاحب الخدين المتوردتين من شدة افتخاره، وهو جالس قبالة بول بريمر، بدماء شهداء الحزب الشيوعي العراقي؟ بمن يريد العربي أن يتغنى اليوم؟ بالسيسي؟ بشيخ قطر، أم بحفتر؟ أم بمحمد دحلان؟ أمة جف نسل الزعماء العظماء فيها، فلم يجد أديبها الملهم إلا أن يتغنى بجنرال إيراني يحتل أرض بلده، وكأنه يتغني بجيفارا أو بعبدالمنعم رياض. يا للعار! أمة من ثلاثمئة مليون يستهلكون 15% من أوكسجين الأرض، لم تعد قادرة على إنجاب زعيم، أو على الأقل عقيد مثل القذافي يثير حماسة الأدباء والشعراء. وطنيون يتغنون بلا حياء بجنرالات الاحتلال، شأنهم شأن موفق الربيعي الذي كان يتلذذ بالتذلل لبول بريمر!
أصبحت كلمة “الانتصار” على لسان العربي أتفه كلمات المعجم. إنها حتى لا تليق بلسانه، لكنه يستهلكها كما لم يفعل من قبل. غارق في العار ويتحدث عن الانتصار، رازح تحت الاحتلال المزدوج ويتحدث عن الانتصار، نصف أطفال العراق لا يعرفون القراءة والكتابة، ويتحدث العارسز عن الانتصار. جرحى المعارك يلقى بهم في ممرات مستشفى مدينة الطب وأروقتها فيموتون لأن المستشفى لا أدوية فيها، ويتحدث العار عن الانتصار. قال إنه انتصر في الموصل، وراح يقيم استعراضات واحتفالات بالنصر! هذه هي مأساة الإنسان العربي، يقيم الاحتفال في يوم أولى به أن يجعله يوم حداد وطني. رفع العلم المنتصر على أنقاض مدينة كانت ذات يوم تزهو بأمجادها، وتحولت اليوم إلى ركام من الخرائب. سويت الموصل بالأرض في ملحمة من الانتصار الزائف. أليس زائفا؟ إذن اقرؤوا عن تلعفر، ابنة الموصل وجارتها، وكيف أصبحت جزء من أرض الميعاد (راجع مقالة السيد علي بشارة: عبر تلعفر: تمكنت اسرائيل من رسم معبرها التجاري وقطعت المياه عن المدن الشيعية
بينما الموصل تتحول إلى خرائب تنعق فيها الغربان – على موقع ساحة التحرير بتاريخ 18 تموز 2017).
قال إنه انتصر في الموصل، وقد دمرها تدميرا منهجيا على مدى تسعة أشهر، ويريد أن ينسى العالم أن أربعين ألفا من منتصري اليوم، كانوا مدججين بأحدث الأسلحة، وأكثرها فتكا تركوها وهربوا بين ليلة وضحاها قبل ثلاثة أعوام في واحدة من أكثر هزائم التاريخ إثارة للسخرية. كيف حصل ذلك؟ نعم كان ذلك أيضا انتصارا إنما لعربي آخر. ما أروع انتصارك أيها العربي من الموصل حتى حلب، وطرابلس الغرب، وصنعاء، وعدن؟ أنت منتصر أيها الشقي، فنم رغدا على أصوات الدجالين الذين يهدهدونك على أنغام الانتصار.
هو هذا ما يجعل الإنسان يحسب أن زمن الاعتزال قد حل، فالكذب، والنفاق، وتجارة الموت، وخواء حياة أمة وفقرها وافتقارها إلى زعيم يتغنى به أدباؤها الأكارم، يغرق في ظلماته كل شيء.
ثم جاء المسلمون من غير العرب، فزادوا الوضع سوءً. إنهم يشاركوننا في تدمير مدننا، فلا يتم تدمير أية مدينة عربية إلا بعون منهم، لكنهم، والحق نقول، منتصرون حقا، فقد خرجوا من قوقعتهم التي حوصروا فيها لمئات السنين، وانتشروا في أرض العرب انتشار مريعا. وأرض العرب مباحة للجميع. إنها أرض الميعاد لأكثر من طائفة وأمة ودين. من لا يدعي اليوم أن أرض العرب كانت قبل التاريخ أرض أجداده؟ يزعمون أن العرب ليس لهم غير أرض الجزيرة، وحتى هناك كانوا تحت رحمة كسرى!
المسلمون من غير العرب أكثر كذبا من العرب أنفسهم، ولعل أسوأ أكاذيبهم هو أنهم لا يطمعون بأرضنا، بل يريدون فقط المرور عبرها إلى فلسطين، فهم ذاهبون لتحرير القدس. إنها أكذوبة تدعو إلى الضحك، لا يصدقها إلا العربي المغفل.
القدس .. القدس .. القدس.
ذات يوم قال الزعيم العربي الخالد عبدالكريم قاسم، وكان من أحكم حكماء العرب، أن “الحمل الثقيل لن يحمله إلا أهله”. يومها كانت الأمة تنجب العظماء والزعماء، فعبدالناصر، مثلا، أصبح أغنية كل قومي عربي، وكلمة السر في أحلام تحرير فلسطين. عبدالناصر كان يتكلم عن “إلقاء إسرائيل في البحر”. وعلى وقع ثورية عبدالناصر المفرطة في التفاؤل، والتي ألهبت مشاعر العرب، كانت مقولة عبدالكريم قاسم تبدو محبطة بعض الشيء، فالرجل قال إن تحرير فلسطين حمل ثقيل لن يحمله إلا الفلسطينيون أنفسهم. ولهذا اعتبر القوميون عبدالكريم قاسم مجرد زعيم وطني عراقي، ولم ينل بين العرب ما ناله عبدالناصر من شعبية.
عبدالكريم قاسم كان، مثله مثل عبدالناصر، قد شارك في حرب عام 1948 في فلسطين، وعاد من هناك ليس فقط بغيظ كبير تجاه خونة الأمة في العراق، بل وعاد بفكر واقعي حكيم، فقد رأى بأم عينيه كيف أن العرب جميعا خانوا قضية فلسطين والفلسطينيين.
جاء بعد ذلك القذافي وجاء صدام حسين، وغيرهما، وقالوا ما قاله عبدالناصر، وأحبطوا الأمة مثلما أحبطها عبدالناصر. وبقيت مقولة عبدالكريم قاسم تنير الطريق، وتحذر من المزايدات. العرب آمنوا اليوم أن قضية فلسطين ليست قضيتهم، فتوقفواعن المزايدة، وأصبحوا منشغلين بتدمير مدنهم في انتصارات لا مثيل لها في أكاليل العار التي تتوج بها جباههم، فقفز إلى الواجهة الإيرانيون يدعون أنهم سيحملون عبء فلسطين الثقيل بدلا من العرب، وقد أعدوا لذلك جيشا من بواكير معاركه انتصاره في حلب، وفي الموصل. وحتى يصل هذا الجيش إلى القدس يبدو جليا أنه لن تبقى مدينة عربية عامرة بأهلها، ولا نستبعد أن يأتي الدور على الباكستان في ادعاء النية في تحرير فلسطين لنا. ومن يدري فقد يكون الإيغور الصينيون يقفون في الدور ليحرروا لنا فلسطين! فلسطين تجارة رابحة، اشتغل بيها العرب طويلا، ثم وجدوا تجارة أكثر رواجا، المتاجرة بدين الله وتدمير مدنهم بأيديهم انتقاما لما جرى قبل أربعة عشر قرنا.
أليس محقا من يزعم أن أوان الاعتزال قد آن، فطوفان الكذب والدجل والتجارة بالدم، والتنافس مع الشيطان، يغرق أرض العرب من أقصاها إلى أقصاها.
لا أبدا، ليس محقا من يزعم ذلك. يقينا فإن الرسول الأكرم محمد لم يوصِ بالعزلة أو الاعتزال قط، فليس من المعقول أن يوصي الرسول المؤمنَ بأن يلقي نفسه في الجحيم، فالعزلة، وصم الأذنين، وردع اللسان عن الكلام حالة هي أقرب إلى منزلة في الجحيم. ثم إن الإنسان يصبح إنسانا بأن يشارك في الحياة الإنسانية، ثم إن الصراع على وجه الأرض لن يتوقف في يوم من الأيام حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. وسيكون دائما هناك منتصر، وسيكون دائما هناك منهزم. ولكن الانتصار الحقيقي ليس انتصار المقاتلين الذين يقتلون ويدمرون. إذا أردنا أن نعرف إن كان هناك منتصر حقا فإننا نسأل الضحية. إذا خرج أحد من بعد معركة، ووقف على أطلال منزله، وأهله مدفونون تحتها، وقال مستبشرا “الحمد لله فقد انتصرنا” سنعرف أن النصر حقيقي.
إن العين لتدمع بتذكر عبدالكريم قاسم، وإن القلب ليطمئن إلى أن هناك انتصارا حقيقيا لا يتجلى في تدمير المدن، وتشريد الملايين من بيوتهم، ووضعهم في مخيمات للنازحين. هناك انتصار حقيقي يسطر آياته الكبرى مؤمنون يواجهون القتل إصرارا على حقهم في الصلاة في المسجد الأقصى ..
يتبع …
2017-07-21