استطاع الإعلام، إذن، تصوير خادم الفكر الاستعماري البريطاني، تشارلس داروين، ليس باعتباره عالما وحسب، بل وبكونه ناسف الفكر الديني وقاهره بالعلم. داروين هو رمز الدجل العلمي، وهو لم يأت بمعلومة واحدة، أو حجة مدعمة علميا تنسف المعتقدات الدينية. وعداء الداروينية مع الدين ليس ذا طابع علمي، بل هو عداء ثقافي وحضاري، وهو عداء موجه تحديدا إلى الأديان التوحيدية التي نشأت في الشرق الأوسط. الداروينية ليس لها القدرة على إفحام محتوى فكر هذه الأديان، بل تهدف إلى خلق دين مضاد لها عن طريق الفبركة الإعلامية، والخزعبلات العلمية، وصنع الرموز الكاذبة، أو الأنبياء الكاذبين.
ماذا أنجز داروين خلال رحلة السفينة “البيغل”؟
إن قيام الفتى تشارلس ببحث بيولوجي، أو جمع المعلومات عن الحياة الطبيعية خلال رحلة البيغل أكذوبة كبرى، فداروين كان إلى حينه قد درس في الطب، وفي اللاهوت، وفشل في كليهما. إنه لم يدرس البيولوجيا، وبذلك لم تكن لديه خلفية نظرية في البيولوجيا، ولا خطة بحث، ولا هدف عملي من جمع المعلومات، فقد كان هاويا، أليس كذلك؟ وقد كان معه في رحلته مع البيغل من الأدبيات في مجال العلوم الطبيعية كتاب واحد يتسلى بقراءته، وهو كتاب السيد تشارلس لايل الذي كان يُرجع نشوء التضاريس المختلفة على الأرض، مثل الجبال والوديان، إلى قوى الطبيعة نفسها، مثل الرياح، والأمطار والزلازل، وليس إلى خالق – يا للكشف المبين! جمع المعلومات بدون امتلاك إطار نظري، وبدون الاطلاع المتواصل على ما يدور في مجال المعلومات، وغياب هدف واضح من جمع المعلومات، وبدون دليل وإرشاد علمي للباحث المبتدئ هو عبث محض، وهذا ما يعرفه أي طالب يقوم بإعداد رسالة ماستر في أي مجال. ثم إن داروين لم يقم حتى لاحقا ببحث ميداني يُذكر بالعلاقة مع كتابه “في أصل الأنواع”، فالكتاب يستند إلى معلومات فوضوية من أبحاث قام بها غيره.
في ظل هكذا ظروف فإن المعلومات التي كان داروين سيجمعها كانت تنفع في كتابة رواية رومانسية عن البحر، والدلافين، والسلاحف التي رآها في جزيرة غالاباغوس. أما الدليل القاطع على أن جمع المعلومات أثناء الرحلة كانت أكذوبة وادعاء فارغا، فهو أن تلك المعلومات التي تم التطبيل والتزمير لها من قبل كتبة السيرة (ابن داروين)، وأنصار خزعبلاته، ومن قبله هو أيضا، لم يظهر منها شيء في كتابه “أصل الأنواع” إلا النزر اليسير. يقال إن الكتاب جاء نتيجة أبحاثه على خلفية تلك المعلومات، ولهذا يتوقع المرء أن ذلك الكتاب يزخر بمعلومات قيمة من تلك الرحلة. لكن القارئ يكتشف حقيقة أن معظم الكتاب الذي يتألف من خمسة عشر فصلا، استنتاجات فجة على خلفية أبحاث قام بها آخرون. ولا يأتي داروين على ذكر معلومات من تلك الرحلة إلا في الفصول الأخيرة من الكتاب، أي بعد أن قدم الدجال نظريته الخرقاء، وبقيت رتوش تتعلق بالجغرافيا ليضيفها في الفصول الأخيرة. ثم إن تلك المعلومات التي يوردها داروين في الفصول الأخيرة من كتابه لا تحتاج إلى رحلة استكشاف لست سنوات، فهي معلومات عامة كانت معروفة لتلاميذ المدارس بمئة سنة قبل ولادة داروين. بل إن كل ما يتحدث عنه داروين في كل كتابه لا يستوجب السفر أصلا، وكان بإمكانه أن يكبته وهو جالس في مزرعته التي كان يزرع فيها البقول. وهذا ما فعله بالفعل، فالكتاب هو عبارة عن استنتاجات فجة وافتراضية على أساس أبحاث الآخرين. لقد كتب داروين عن التنغيل، والأنغال الناتجة من تزاوج الحصان والأتان، أو الحمار والفرس، ، فهل كان داروين بحاجة إلى الحج إلى جزيرة غالاباغوس ليكتب عن البغال؟ وهل وجد بغالا وحميرا في غالاباغوس؟ ونفس الشيء يقال عن الفصل المتعلق بغرائز طائر الوقواق، والفصل المتعلق بالنمل والنحل، والبط الوحشي والبط الأليف، وغيرها. مواضيع كتابه “في أصل الأنواع” لا تقوم على البحث الميداني إلا نادرا، مثلا في مراقبة النحل والنمل!
هل كان داروين نصابا وسارقا؟
الجواب عن هذا السؤال لا يخضع للتحليل المنطقي – كما نفعل هنا، بل يستند إلى المعلومات الموثقة التي تصاحب قصة داروين مع المؤلف البريطاني ألفريد والاس الذي كان قد أرسل عام 1857 إلى داروين مخطوطة كتاب له على أمل أن يساعد داروين في نشر الكتاب كونه هو في لندن، ولديه معارف، بينما والاس كان مقيما في أرخبيل الملايو. القصة الموثقة تقول إن داروين ادعى أنه لم يستلم المخطوطة مع البريد، مما اضطر والاس إلى إرساله مجددا عام 1858، ليصدر بعد ذلك كتاب داروين عام 1859، ويُنسى والاس ويُهمل إلى يومنا هذا. وبالمناسبة، (وهذا يدخل ربما في باب نظرية المؤامرة)، فإن هناك فارقا مهما بين شخصية تشارلس داروين وشخصية ألفريد والاس، فداروين كان عنصريا بغيضا، تتخلل المواقف العنصرية كل كتاباته، ليس فقط تجاه العرب، والأفارقة، وسكان أمريكا وأستراليا الأصليين الذين أبادهم البريطانيون في القارتين، بل حتى ضد الأيرلنديين. وماذا عن السيد والاس؟ إنه كان شديد النقد للرجل الأبيض حتى أنه اختار أن يبتعد عن أوروبا، ويقيم مع الناس البسطاء في الجزر الإندونيسية!
نحن لا نرى كسبا في اتهام داروين بالسرقة، فمحتوى كتابه يليق بمحتال مثله، ولا يستوجب سرقته من أحد. إنما نشير إلى أن السيد والاس الذي كانت له أفكار مشابهة لأفكار داروين، تراجع لاحقا وعلنا عن معظم أفكاره في التطور، واعتبرها مغلوطة. أما داروين فإن كتبة سيرته يتجاهلون عمدا، وبهدف طمسها، معلومات مهمة أوردتها ممرضته التي كانت تعتني به في أيامه الأخيرة بأنه تراجع عن أفكاره، وأنه كان وهو على فراش الموت يقرأ في الكتاب المقدس، ويردد “ما أجمل هذا الكلام”.
ماذا فعل داروين أثناء رحلة “البيغل” حقا؟
لا نعرف على وجه التحديد، إنما هناك مؤشرات غير مريحة. داروين لم يكن أثناء الرحلة، كما يُزعم، يبحث، ويجمع المعلومات، فكان عنده وقت فراغ هائل وقاتل، بعد أن ينتهي من الطبخ والتنظيف، وليس محتملا أنه أعاد قراءة كتاب تشارلس لايل مئة مرة خلال ست سنوات. ماذا كان يفعل، إذن، عند وصول السفينة إلى جزيرة ما، أو ميناء ما، والآخرون منشغلون بمهمتهم البحثية؟ هل كان يختلط بالسكان المحليين، ويطلع على ثقافاتهم وتقاليدهم؟ أمر مستبعد كثيرا لأن داروين كان ذا نزعة عنصرية استعلائية. هل كانت عنده قدرة مالية للاستمتاع بالأطعمة الغريبة، فيجوب الطرقات، ويتنقل بين المطاعم والمقاصف؟ كان الفتى بلا مرتب، مفلسا. أم كان يبحث عن وسائل ترفيه رخيصة أو حتى مجانية، ويعاشر أصدقاء السوء؟ لا يمكن أن نقول شيئا رجما بالغيب. إنما عندما نعود إلى كتابه، ونقرؤه بتأن، فإننا نتوقف عند أمرين:
الأول أن داروين يعتذر عن الفوضى في مصادر كتابه متذرعا بالمرض. كان الرجل مريضا .. ولكن! من ناحية يقول إنه بدأ بتأليف الكتاب فور عودته من رحلة البيغل عام 1837، أي إنه قضى في تدبيج الكتاب اثنتين وعشرين سنة، فهل كان مريضا طوال كل تلك الفترة، ولهذا لم يتمكن من ضبط مصادره؟ إذن، كان الفتى معتل الصحة بشكل مزمن. ومن ناحية أخرى، لا ذكر لكونه مريضا قبل التحاقه برحلة البيغل، وإلا لكان طاقم البحث لا يوافق على انضمامه إليه أصلا، إذ كانت كلفته ستصبح عالية عندما تضاف إليها الأدوية واحتمالات العلاج، والمخاطر الأخرى. يبدو واضحا أن المرض، إن صح، أصابه أثناء الرحلة. عاد تشارلس من رحلة البيغل وهو مريض، فماذا كانت طبيعة ذلك المرض؟
أما الأمر الثاني فهو أن هناك مواضع عديدة في الكتاب تجعل القارئ يتساءل: هل كان داروين يكتب وهو في كامل قواه العقلية؟ إنه يبدو شارد الذهن، ويهذي، وهو يكتب، ثم إنه لا ينتبه لاحقا إلى أنه كان يهذي. هل كان ذلك متعلقا بمرضه؟ هل كان المرض قد أصاب قدرته على التركيز؟
إن نبش مثل هذه الأمور ليس من استراتيجية صناعة الرموز الامبريالية. هناك معلومات يجب طمسها، والتركيز على أن الطالب الفاشل التحق بالسفينة البيغل، وشمر عن ساعديه في جمع المعلومات لست سنوات عجاف انتهت بتدبيج نظرية في التطور. أما فوضى المصادر، والمصادر هي عماد عمله فهو لم يقم ببحث ميداني يُذكر، فسببها المرض! لا ينبغي لأحد أن يسأل: ولكن الإغريق قالوا بما قاله الفتى الفاشل قبل أكثر من ألفي سنة، وهم لم يكونوا يعرفون أمريكا الجنوبية، ولا تاريخها الطبيعي، ولم يقوموا برحلات بيغلية ليروا السلاحف العملاقة في جزيرة غالاباغوس، فما الجديد الذي جاء به الولد الهارب من حنق والده، والمصاب بالهلوسة؟
الاعتراض على هلوسات داروين ممنوع
الفوضى في مصادر داروين بقيت هي نفسها حتى في طبعة الكتاب السادسة، أي الأخيرة. وكذلك مواضع الهذيان بقيت على حالها على مدى ست طبعات. ما تفسير ذلك؟ كأن من كان ينشر الكتاب ويطبل ويزمر له لم يكن يرى ضرورة لتنبيه داروين إلى سقطاته، إما لأن ما يقوله داروين كان يعتبر كتنزيل مقدس، ومنزه عن الخطأ، أو لأن تسويق الكتاب لا يتأثر بما فيه من فوضى وهذيان، أو لأن قدرة داروين على التركيز ميئوس منها.
في الحقيقة كان هناك علماء، وأكاديميون، وخبراء بُحت أصواتهم من الصراخ رافضين هذيان داروين وهلوساته. أؤلئك جرى تجاهلهم تماما، وجرى طمس ذكرهم مع حججهم العلمية. ونحن لدينا ملاحظات مؤكدة عن ضعف التركيز لدى العالم النابغة!! أما تفسير ذلك الضعف فقد يكون أي شيء، مثلا أن عقله لم يكن يتسع لكل المعلومات التي كان يأخذها من أبحاث الآخرين، فكان يعاني صعوبة في ربطها بعضها ببعض ربطا منطقيا، فيقع في فوضى المصادر؛ أو أنه تعلم خلال رحلة “البيغل” تعاطي أشياء ضارة من باب التسلية وقضاء أوقات الفراغ، فسببت له الهلوسة وضعف التركيز؛ أو أن فايروسا انتقل إليه من الخنافس أو الفئران في صغره، وظهرت آثاره عليه في كبره.
الداروينية .. الدين الأوروبي المضاد
قلنا في بداية المقالة أن الداروينية لها علاقة عدوانية بالأديان الشرق أوسطية. وقلنا إن إخراج داروين كرمز خضع لخطوات إعلامية معروفة في صناعة الرموز: انتقاء معلومات وإبرازها، وطمس غيرها، وإقناع الناس بالتفسيرالمرغوب فيه للمعلومات. فلماذا صنع منه الإعلام الرأسمالي الامبريالي أيقونة علمية، وجرى تصويره وكأنه نسف المفاهيم والمعتقدات الدينية، وهو لم يفعل ذلك، ولم يكن قادرا على فعل ذلك؟ الجواب هو لأن النخب الثقافية الأوروبية المصاحبة للرأسمالية، والمتنفذة في ظلها تنفر من الأديان التي تؤمن بالخالق، الإله الواحد، وتعتبرها جميعا موجات ثقافية غازية ودخيلة على العقل الأوروبي فرضت عليه فرضا، فما نطلق عليها عبارة “أديان سماوية” هي، في نظرهم، إرث فكري وثقافي شرق أوسطي. وأوروبا تعتبر نفسها وريثة الحضارة اليونانية، بفلسفتها، وفكرها، ومنطقها، وعلومها التطبيقية، ووثنيتها أيضا. إن أوروبا بقيت على مدى ألفي سنة بعد أفول شمس حضارة الإغريق، تغط في نوم عميق في أحضان الجهل. وهي ترد ذلك الجهل إلى الغزو الديني الشرق أوسطي – المسيحية قبل غيرها. وهي بمجرد أن أفاقت في بدايات القرن السابع عشر، شعرت بنوستالجيا ساحقة إلى أصولها اليونانية، وراحت تحييها وتتشبث بقيمها. إن العودة إلى فردوس الفكر اليوناني تتطلب قبل كل شيء إضعاف الفكر الديني الشرق أوسطي الدخيل تمهيدا لرده إلى نحره، ودفنه، وتخليص أوروبا منه إلى الأبد. هذه هي المهمة الثقافية السياسية الاستعمارية لنظرية التطور التي تم تسخير شاهد الزور تشارلس داروين لها، فاقترنت باسمه لأسباب عنصرية إضافية. ولهذا أحيطت هذه النظرية التافهة بكل المقاييس العلمية، بهالة من القدسية في أوروبا. ثم جرى مد تأثيرها إلى الشرق الأوسط نفسه بهدف سحقه ثقافيا، وفكريا، وسياسيا في عقر داره عبر تسفيه أديانه.