لم يكن الانقلاب الفاشل في تموز الماضي بداية لأي شيء، بل كان مجرد إخراج للخلاف (أو الصراع) الغربي مع تركيا إلى العلن. إنه كشف عن أبعاد دولية للعبة خطيرة حول تركيا تشارك فيها أطراف أساسية في الشرق الأوسط إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
خلفية اللعبة الخطيرة هي أن الغرب ينظر إلى تركيا باعتبارها بلدا شرق أوسطيا مسلما، وليس أوروبيا كما يحلو للأتراك أن يروا بلدهم، وأنفسهم. ولهذا فإنها مشمولة بكل الخطط البعيدة المدى لمستقبل الشرق الأوسط، بما في ذلك التقسيم والتجزئة. تركيا تتميز، في نظر الستراتيجيين الغربيين، قليلا عن بقية بلدان المنطقة في كونها حليفا عسكريا لا غنى عنه إزاء عدو تاريخي عنيد هو روسيا.
لولا هذا الاعتبار لكان القرن الأمريكي الأهوج ربما بدأ بالعدوان على تركيا، وليس أفغانستان والعراق.
كان من اللازم أن يكون هناك تمهل في خطط التآمر على تركيا إلى حين إيجاد بديل أوروبي يلعب الدور الذي أنيط بها أطلسيا منذ الحرب العالمية الثانية. محاولات ضم بلدان مثل جورجيا وأوكرانيا إلى حلف الأطلسي، وجعلها بلدان مواجهة مع روسيا هي تجليات لخطط البحث عن بديل لتركيا.
وكان واضحا منذ تسعينيات القرن الماضي، حين بدأت بوادر جدية على رغبة تركيا وميلها المتنامي نحو التخلص من الهيمنة الغربية، أن حلفاءها الغربيين كانوا يسعون إلى منعها من اكتساب مزيد من القوة والقدرة على تحقيق أي شكل من أشكال الاستقلالية.
رغم تشدق البلدان الغربية بالسعي لنشر الديمقراطية في العالم، خاصة الشرق الأوسط، يبدو أن هذه البلدان ترى في الديمقراطية التي فرضت نفسها في تركيا أكبر خطر يهدد رغبة حلف الأطلسي في إبقاء تركيا رهن إرادته. العسكر الذين هم أول وآخر من يهم الأطلسي في تركيا كانوا على الدوام أداة في التحكم بمن يحكم تركيا. حكم الشعب لنفسه عبر برلمان منتخب، وحصر العسكر في الثكنات، أمران لا يتماشيان مع مصالح حلف شمالي الأطلسي.
إن منع تطور الديمقراطية في تركيا كان على ما يبدو الشغل الشاغل لحلف الأطلسي منذ ذلك الوقت، لأن الخطر الحقيقي للديمقراطية على حلف العدوان لا يقاس بمن يجني ثمارها عندما تبدأ جنينا دبت الحياة فيه لتوها، بل بما تحملها هذه الديمقراطية من احتمالات ومفاجآت وهي في طريقها إلى النضوج، ومن يمكن أن يصل إلى السلطة عبرها في لحظة تاريخية غير مناسبة لأغراض العدوان الأطلسي.
وكانت محاولة الانقلاب الفاشلة، ربما آخر فرصة أمام حلف الأطلسي لاستخدام العسكر لغرض إجهاض ديمقراطية ناشئة هي في آخر المطاف تخدم مصالح الشعب التركي، وتقدم نموذجا يمكن الاقتداء به من قبل بقية بلدان المنطقة.
والمحاولة الانقلابية الفاشلة قد تكون أخرجت العسكر من اللعبة السياسية في تركيا نهائيا، ووسائل تغيير الحكم في أنقرة تصبح بعد الآن محصورة باللعبة الديمقراطية وحدها. وهذه مسألة متعبة لأمريكا التي تعودت على تحقيق التغييرات التي تريدها بسهولة.
وواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعول كثيرا على الانتخابات لتغيير الحكم في تركيا، ولا في غيرها، والإتيان بحليف مطيع، فالشعب التركي بكل أطيافه رافض للهيمنة الأمريكية. ليس هناك شعب يريد أن يكون بلده رهن أوامر الإمبرياليين.
لا بد لوسائل كبت إرادة الشعب التركي أن تتغير، وهذا ما تقوم به أمريكا اليوم. تركيا تتعرض الآن إلى هجوم من أجنحة متعددة، الهدف منه منعها من الاستمرار في العملية الديمقراطية القائمة على حكم الشعب لنفسه. وفي مقدمة الوسائل التقليدية في محاربة الأنظمة “المارقة” بالنسبة إلى الولايات المتحدة تكثيف الهجوم الإعلامي الغربي، وزعزعة الأمن الداخلي، والتشكيك بقدرة الاقتصاد على النمو، واختلاق مشاكل وقضايا لا أساس لها من الصحة، إضافة إلى مساندة الإرهاب من أطراف داخلية.
ولا يستبعد أن يكون الاغتيال السياسي أيضا مدرجا على قائمة هذه الوسائل، بل ربما على رأسها باعتبارها أقصر طريق للخروج من ورطة الديمقراطية إذا ارتبطت برموز معينة.
تركيا تتعرض اليوم إلى كل هذه الأشكال من الهجوم الذي اتخذ منحى واضحا وعلنيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة. الإعلام الغربي يشن حملة تشويه لسمعة تركيا في العالم وصل مؤخرا إلى مستويات هابطة، مثل اتهام تركيا بالسماح لاغتصاب القاصرات دون سن الخامسة عشرة.
هذا الشكل من الهجوم بشع حقا. لندقق فيه قليلا. إن التشهير بتركيا كونها تشجع على اغتصاب القاصرات يأتي على خلفية حكم قضائي صدر أخيرا من محكمة تركية يقول أن بعض حالات ممارسة الجنس مع هذه الفئة لا ترقى إلى مستوى “اغتصاب”. غريب حقا، ففي نفس الفترة التي بدأ فيها النفخ في بوق الإساءة الجنسية للقاصرات في تركيا كانت محكمة دنماركية قد أصدرت حكم براءة بحق ثلاثة شبان دنماركيين اغتصبوا جماعيا فتاة قاصرا ومريضة في نفس الوقت.
وكان في حيثيات الحكم أن الفتاة شجعت على الاعتداء الذي وقع عليها أثناء مشاركتها في احتفال للشباب، وذلك عبر قيامها بوقت قصير قبل الاغتصاب بأداء رقصة مثيرة. لذلك فإن الاعتداء الجنسي عليها لم يرق إلى مستوى الاغتصاب! ثم أحيلت القضية إلى محكمة الدولة التي نقضت حكم البراءة، وأصدرت أحكاما مخففة رمزية على الجناة.
لماذا يا ترى يمر حكم قضائي في بلد مثل الدنمارك دون أن ينتبه إليه أحد، بينما يتحول حكم مماثل في تركيا إلى فضيحة عالمية؟ غريب هو هذا الأمر، بل وفيه نفاق مثير للغثيان!
لنتذكر جيدا كيف أن أمريكا التي قتلت ثلاثة ملايين إنسان عراقي بالحصار الاقتصادي الجائر، وبالغزو المسلح، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا. أمريكا هذه أخرجت أثناء استعادة العراق للكويت مسرحية مقرفة عن قيام جنود عراقيين بنزع أجهزة الإنعاش عن بضعة أطفال خدج في مستشفى كويتي. وجعل الإعلام الغربي تلك المسرحية الشغل الشاغل للعالم كله طوال فترة الإعداد لقتل ملايين العراقيين.
سبحان الله. كيف يمر مثل هذا النفاق الأخلاقي؟
ثم، والشيء بالشيء يذكر، فإن وزير العدل في الحكومة العراقية التي جاء بها الأمريكيون وحلف الأطلسي إلى الحكم في العراق قدم قبل فترة مشروع قانون إلى البرلمان بخفض سن الزواج للإناث إلى تسع (تسع وليس خمس عشرة) سنوات، أي شرعنة اغتصاب الأطفال تحت أنظار العالم.
وتلك الهمجية لم تأت بحكم قضائي من محكمة مفردة، بل من وزير العدل نفسه، ومن برلمان أشرفت أمريكا على تأسيسه ووضع آليات عمله. ولكنْ، لم نسمع ولا صوتا واحدا من السويد أو النمسا يستنكر هذه الهمجية التي أقل ما يقال عنها أنها فضيحة قانونية بشعة لمن وعدوا العراقيين بالديمقراطية، وإذا بهم يحولون العراق إلى دار بغاء يغتصب فيها الأطفال شرعا وقانونا!
سبحان الله. كيف يمر مثل هذا النفاق الأخلاقي؟
وعلى هذه الشاكلة نرى قضايا تثار حول الأمن في تركيا، وتخويف السياح من الوضع هناك. ووصل الأمر إلى الحديث عن احتمال وقوع الأسلحة النووية الأمريكية في قواعد في جنوب تركيا بأيدي الإرهابيين! هكذا بمجرد فشل محاولة انقلاب عسكري لم تعد تركيا قادرة على الحفاظ على الأسلحة الأمريكيةعلى أراضيها.
يا لهذا الإعلام الجهنمي!
هناك حملة إعلامية واسعة ضد تركيا تؤكد أن أمريكا وحلف الأطلسي كانا وراء محاولة الانقلاب. أمريكا استخدمت الانقلابات العسكرية في بلدان العالم الثالث طوال فترة الحرب الباردة لضمان وجود أنظمة دكتاتورية موالية لها على حساب مصالح شعوب تلك البلدان. وأمريكا لم تترك، على ما يبدو، عادتها القديمة.
على أن أخبث أبعاد الحملة الامبريالية على تركيا هو تحريك الانفصاليين الأكراد، وذلك على مستويات عديدة:
أولا) القيام بتصعيد خطير في الأعمال الإرهابية في جنوب شرق تركيا بحيث لا يمر يوم دون وقوع عمل إرهابي يذهب ضحيته مدنيون، وشرطة، وجنود.
ثانيا) دعم الانفصاليين الأكراد في سورية في تشكيل كيان مستقل على الحدود التركية مع سورية.
ثالثا) حشر أكراد الملا مسعود البارزاني في معركة استعادة الموصل كقوة أساسية – الأمر الذي يحمل مخاطر شديدة على عراق ما بعد استعادة الموصل. ويحمل في الوقت نفسه مؤشرات على محاولة إخراج الملا مسعود من تحت الوصاية التركية.
رابعا) فتح أبواب البرلمانات الأوروبية ووسائل الإعلام الأوروبية أمام ممثلي الانفصاليين الأكراد على الرغم من أن أمريكا وأوروبا تصنف حركة هؤلاء الانفصاليين – حزب العمال الكردستاني التركي، كمنظمة إرهابية.
الغرب بدأ بفرض حصار على تركيا! وبدأ بتوجيه ضغوطات سياسية، واقتصادية، وإعلامية على هذا البلد. ويتوهم من يظن أن المقصود بكل هذا هو شخص الرئيس التركي أردوغان. المستهدف بالسياسة الأمريكية هو الشعب التركي ورغبته في التخلص من الهيمنة الأمريكية.
هناك أسئلة جوهرية حول وضع تركيا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، وفي ظل العداء الغربي المتصاعد تجاهها، منها:
هل تركيا قادرة على مواجهة الضغوط الأمريكية والأطلسية؟
هل تستطيع تركيا الاعتماد على روسيا في محاولة الانسلاخ من الهيمنة الأمريكية؟
هل تركيا تريد حقا الانسلاخ من الهيمنة الأمريكية أم أنها تناور من أجل تحقيق توازن من نوع ما بين علاقاتها بالغرب عامة وبين مصالحها القومية؟
هل لتركيا حلفاء حقيقيون في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي؟
حول قدرة تركيا على مواجهة الضغوط يمكن القول عموما أن المحاولة الانقلابية الفاشلة قد وحدت الشعب التركي بشكل غير مسبوق. والمفارقة تكمن في أن الضغوط الأمريكية تؤدي إلى مزيد من الدعم الشعبي للرئيس أردوغان. لماذا؟
لأن محاولة الانقلاب لم تأت من معسكر العلمانيين الأتاتوركيين المعارضين لحكم حزب العدالة والتنمية، بل من قبل مجموعة من داخل معسكر الإسلاميين أنفسهم. والأتاتوركيون أو الكماليون لا يكنون محبة لعبدالفتاح غولن أكثر مما يكنونه للسيد أردوغان، بل إن لجوء غولن إلى استخدام العسكر – هكذا يفهم الأمر في تركيا، يجعل من غولن ومنظمته ظاهرة خطرة في نظر العلمانيين، وهذا يدفعهم إلى دعم أردوغان.
ثم إن كون غولن مقيما في أمريكا مضافا إلى ذلك هذه الحملة الغربية ضد تركيا يجعل القوى اليسارية التركية ميالة إلى الوقوف في خندق الرئيس أردوغان ضد الامبريالية الأمريكية على الرغم من مآخذ هذه القوى اليسارية على السيد أردوغان، وعدم اطمئنانها إليه، أو بكلمة أخرى عدم اعتقادها بأن أردوغان يمكن أن يتحول إلى قائد معاد بحق وحقيقة لأمريكا. لكن اليسار يتبع مبدءً أساسيا هو دعم كل من يقف بوجه الامبريالية – حتى لو كان ذلك على مستوى تكتيكي.
ملخص الكلام هو أن الشعب التركي قادر على مواجهة الضغوط الأمريكية .. ولا ينبغي أن ينسى أن تركيا لديها أيضا ما يمكن أن تضغط به على الخصم إذا استمر التصعيد.
أما الاعتماد على روسيا، فلا ينبغي لأحد أن يغفل أننا أمام رئيسين يتميزان بدرجة عالية من البراغماتية، وهناك آنيا الكثير مما يجمع بوتين وأردوغان في خندق واحد، مثلا سورية. بوتين يريد حسما للصراع هناك لصالح الدولة السورية، وتركيا تهمها الآن وحدة التراب السوري دفعا لخطر أكراد سورية. هذه مصلحة مشتركة حقيقية.
لكن لا بد للتفاؤل أن يتوقف هنا، فلا بوتين يصدق بأن تركيا يمكن أن تنسلخ بسهولة (أو حتى بصعوبة) من حلف الأطلسي، ولا السيد أردوغان يفكر على المدى البعيد في البقاء بلا حليف إزاء ما تواجهه تركيا من مخاطر.
في السياسة لا توجد صداقة دائمية، ولكن توجد مصالح دائمية؛ هذا ما قاله تشرشل. والمصالح الدائمية التي كان تشرشل يعنيها هي حتما المصالح الفردية، وليس المصالح المشتركة؛ فليس هناك مصالح مشتركة دائمية، وإلا لكانت هناك صداقة دائمية أيضا. أي، إن بوتين وأردوغان سيسيران معا لمسافة من الطريق ثم قد يفترقان من جديد.
لا أساس للافتراض أن تركيا تريد الانسلاخ من حلف الأطلسي؛ لكن هناك أساس واقعي للافتراض بأن تركيا تريد التخلص من الهيمنة الأمريكية ضمن الحلف. وتركيا تريد مكانة في الاتحاد الأوروبي موازية لمكانتها في حلف الأطلسي لأنها سئمت من مماطلات هذا الاتحاد في ضمها إليه.
لكنْ، في اللحظة الراهنة يقف الشعب التركي وحيدا، فالأمريكيون والأوروبيون الغربيون كشفوا عن موقف أقل ما يقال عنه هو النفاق، والجحود بالدور التركي ونكران حق تركيا في التصرف كدولة كبرى أسوة بانجلترا، وفرنسا، وألمانيا.
وروسيا يمكن أن تكون صديقا، ولكن ليس حليفا.
ماذا عن “حلفاء” تركيا بين الدول المسلمة؟
في الحقيقة فإن السياسيين الأتراك يرتكبون خطيئة كبيرة إن هم توهموا أن محميات الخليج العربي، والطراطير من أمثال عمر البشير، هم “حلفاء”. على العكس، هناك أرضية صلبة للافتراض بأن هذه المحميات، وخاصة السعودية، هي أخطر أعداء الشعب التركي.
رئيس الوزراء التركي، السيد بن علي يلدريم، نفى قبل يومين الأقاويل عن دور سعودي في محاولة الانقلاب الفاشلة، وأثنى على موقف السعودية من تركيا. لا بأس، فتركيا تشعر اليوم بعزلة غير مبررة على الإطلاق، يفرضها عليها الغرب، ولا يكون من الحكمة أن يزيد السياسيون وطأة هذه العزلة بتوجيه الاتهامات إلى هذا أو ذاك.
لكن من يصدق أن السعودية لا تتآمر على تركيا؟ ومن يصدق أن السعودية يمكن أن تكون حليفا أو صديقا لأي شعب؟
لا شك في أن كثيرين حذروا تركيا من خبث السياسة السعودية تجاهها، ومن بينهم كاتب هذه السطور في أكثر من مقالة، مثلا:
www.sahat-altahreer.com/?p=13912
إن تصنيف السعودية كعدو لدود للشعب التركي ليس حكما نابعا من مشاعر الكره لهذا الكيان القرووسطي، بل هو حكم قائم على تحليل للواقع بكل حقائقه القاسية.
عندما تمد السعودية يدها إلى أي بلد في المنطقة، أو في العالم، فإنها تفعل ذلك لهدفين أساسيين:
أولا، كسب تلك الدولة في صراعها ضد إيران، وفي حالات خاصة توريطها في حرب ضد إيران،
وثانيا) نشر المذهب الوهابي الإرهابي في صفوف شعب ذلك البلد لضرب أمنه واستقراره ساعة تحتاج السعودية إلى ذلك. ويمكن أن نسمي الهدفين أصلا ستراتيجيتي تآمر.
السعودية، وبعد أن أخرجت العراق من الساحة الدولية والأقليمية كقوة فاعلة، توجهت بسياستها التآمرية نحو بلدان أخرى، منها مصر وتركيا. وهي كانت تعول كثيرا على جر تركيا إلى صراع عسكري مع إيران، كما فعلت مع عراق صدام حسين لكون تركيا جغرافيا على احتكاك مع إيران.
لقد تأكد السعوديون بعد محاولات مستميتة بدء من الاستثمارات ووصولا إلى ما أطلق عليه “التحالف الإسلامي” من أن أردوغان ليس صدام حسين آخر – إنه لن يبتلع طُعمهم، وأن المصالح المشتركة بين تركيا وإيران أكبر من أن يضحي بها أي من الطرفين من أجل سواد عيون تيوس الخليج العربي.
ستراتيجية السعودية في خلق عداء بين تركيا وإيران فشلت فشلا ذريعا، لذلك انتقلت السعودية إلى التركيز على الستراتيجية الثانية – نشر الوهابية في تركيا. وهنا بالذات يمكن أن نقول بلا تردد أن السعودية هي أكبر أعداء تركيا، وأخطرهم على الإطلاق.
لنتنبه قليلا إلى طبيعة المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا. إنها طبيعة في منتهى التعقيد لأنها ترتبط بفئة سياسية دينية كانت حتى الأمس القريب لها نفس مشارب حزب العدالة والتنمية. ولهذا فإن هذه الفئة متهمة بإقامة ما يطلق عليها الدولة الموازية.
عند وجود صراع بين فئتين إسلاميتين يستحيل أن لا تكون للسعودية أصبع في ذلك الصراع. لا بد أن تكون السعودية ومنذ دخولها إلى الساحة التركية قد بدأت بنشر سموم الوهابية الإرهابية هناك. السعودية لا تصل إلى العلمانيين الكماليين وإلى اليساريين الأتراك، لكنها تصل بسهولة إلى رجال الدين، وخطباء المساجد، وإلى كل من له ميول دينية في تركيا، وتقوم بمختلف الوسائل بتجنيد دعاة الوهابية.
إن أي تطرف ديني في تركيا لا بد أن تكون وراءه السعودية. ومن تدعمه أمريكا في تركيا تدعمه السعودية أيضا، دعما مزدوجا: تلبية لرغبة السيد الأمريكي من جهة، ولأنه يكون قد تجرع سم الوهابية وأصبح مستعدا لخيانة وطنه من جهة أخرى.
السياسيون الأتراك أدخلوا الأفعى السعودية السامة إلى عقر دارهم، ووضعوا بأنفسهم خنجر الغدر السعودي في خاصرتهم. السعودية ليست دولة مهتمة بالتطوير، والتقدم، والاستثمار، والبناء. إنها مهتمة فقط بالإفساد. وقد أفسدت في تركيا كما فعلت في العراق، وفي سورية، وفي كل بلد دخلت الوهابية إليه.
لقد رأينا كيف أن القطريين – طبعا نكاية بالسعوديين، سارعوا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة إلى زيارة أنقرة لتبرئة ساحتهم؛ أما السعوديون فلم يزر أحد منهم تركيا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة إلى اليوم! ونظرة بسيطة إلى مانشيتات الموقع الالكتروني لصحيفة الشرق الأوسط مساء الخامس عشر من تموز الماضي كفيلة بأن تكشف أن السعودية كانت تتهيأ لتوديع مرحلة أردوغان في تركيا.
ملخص القول هنا هو أن تركيا تتمتع بشعبية ودعم واسعين بين الشعوب المسلمة، خاصة العربية، لكن ليس لها بين الأنظمة في العالم العربي والإسلامي حلفاء حقيقيون، أو حتى أصدقاء يمكن الاعتماد عليهم.
تركيا يمكن أن تعتمد إلى حد بعيد على صداقة روسيا القائمة على المصالح المشتركة. ويمكنها الاعتماد على التعاون الوثيق مع إيران لأن إيران تتعامل كدولة وعلى أساس المصالح المشتركة. بل ويمكن لتركيا أن تتعامل بجدية حتى مع سورية غدا، رغم الجرح الدامي الذي تعمق غوره على مدى السنوات الخمس الماضية.
أما السعودية فهي، بحكم اعتبارها الذراع الوهابية للحركة الصهيونية العالمية، لا يشغلها إلا الإفساد في الأرض. وملوكها هم من قال فيهم القرآن الكريم {إذا دخلوا قرية أفسدوها …}، فهم وراء الإرهاب الذي يضرب أوروبا وكل العالم، وهم من غدروا بـ “أخيهم العربي” صدام حسين وشعبه، فكيف يمكن أن يتعاملوا مع أردوغان التركي بغدر أقل!
ثم إن تاريخ الوهابية مع تركيا هو تاريخ الغدر منذ التآمر الذي كان يقوم به مؤسسها ضد الدولة العثمانية، مرورا بـ “لا شريف” مكة وتحالفه مع الانجليز، وإلى اليوم.
اللعبة حول تركيا كبيرة، وكبيرة جدا. إن الانقلاب العسكري الداخلي فشل، ولكن هناك انقلاب خارجي أكبر على تركيا يتطور شيئا فشيئا ويكتسب زخما خطرا، ألا وهو الانقلاب الأمريكي الأوروبي.
حلف الأطلسي لن يخاطر بفقدان تركيا قبل ضمان بديل أوروبي عنها، لكنه لن يميل إلى إرضائها والرضوخ بسهولة لرغبتها في الخلاص من الهيمنة. لذلك فإن تركيا تواجه امتحانا عسيرا لقدرتها على إحباط الانقلاب الخارجي الذي لا يستبعد أن يجنح في لحظة يأس إلى الاغتيال السياسي لخلط الأوراق في تركيا!
وقد تكون للسياسيين الأتراك من الحنكة ما تمكنهم من الإبحار بسفينة بلدهم عبر العواصف بينهم وبين أوروبا، ومن يحيط بهم. ولكن عليهم أن يكونوا على حذر شديد ممن يجري الغدر في عروقهم .. آل سعود.
تركيا ستكسب كثيرا من تنظيف نفسها من الوباء السعودي.
تعليق واحد
وهذا مصداق قولي أن السعودية تآمرت وتتآمر على تركيا. وأول الغيث قطر …
http://www.yenisafak.com/ar/news/2514519