شاركها فيسبوك تويتر بينتيريست البريد الإلكتروني تيلقرام واتساب باربي السوداء والمرأة الحافية! أحمد حسين لَمْ يَعُدِ الأُفُقُ مائِلاً بَعْدْ وَلَنْ يَنْزَلِقَ عَرْشُ الرَّبِّ مِنْ مَكانِهِ كَما خَشيَ البَعْضْ، إلْتَقَطَ الكَوْنُ أَنْفاسَهُ المُمَزَّقَةَ وَسَوّى رَبْطَةَ عُنُقِهِ الزَّرْقاءْ بَعْدَ أنْ فَرّ الشَّيْطانُ لِلْمَرَّةِ الأَخيرَة نَحْوَ كَهْفِ اللاّمَكانْ. أَحَرْبًا كانَتْ تِلْكَ أَمْ قَصيدَة؟! كانَتْ بَعيدَةً عَنِ الأَرْضِ قَريبةً مِنَ السَّماءِ مِثْلَ قِصَّةِ حُبٍّ أُسْطورِيَّة مَليئةٍ بِالرُّموز وَأَسْماءِ الآلِهَةِ وَصُنوفِ المُعْجِزاتْ. كانَتْ حادِثةً رَشيقةً كَالذُّبابَةِِ بَدَأَتْ بِشِجارٍ بَسيطْ بَيْنَ إلهٍ أَخْرَقَ وَامْرأَةٍٍ حافِيَة داسَتْ عَلى قَدَمِ الإلهِ الثَّقيلةِ كَالمَنْجَنيقْ وَرَفَضَتِ الإعْتِذارْ. أَلآلِهَةُ الأُخْرى رَفَضَتِ التَّدَخُّلَ لأَنَّ الإلهَ الأَخْرَقَ كانَ أَقْوى الآلِهَةِ يَمْلِكُ كُلَّ شيءٍ أَسْوَدَ في الكَوْنْ: عَدَدًا لا يُحْصى مِنَ الخَفافيشِ الّتي تَرى في اللَّيْلْ، قُطْعانَ الماعِزِ التي يُضيءُ دَمُها الأَسْوَدُ لَيْلَ المُدُنِ الرَّماديّة، الدُّخانَ الكثيفَ وَأَقْدَمَ كُهوفِ السِّحْرْ. وَكانَ الآلهةُ يَعْرِفونَ أنَّهُ يَسْتَطيعُ أنْ يُحيلَ سُفُنَهُمْ إلى مَخابِئِ فِئْرانْ وَمَنْيَهُمُ الأَشْقَرَ إلى قُطْرانْ وَأَطْفالَهمْ إلى عُجولِ بَحْرْ. وَإلى جانِبِ ذلِكَ كُلِّهِ كانَ يَمْلُكُ أَيْضًا باربي السَّوْداءْ السّاحِرةُ الَّتي تَكْحُلُ العُيونَ مِنْ بَعيدْ بِلَوْنِها الأسْوَدْ، وَتُسَيْطِرُ عَلى سَبْعِ مَراحِلِ اللَّذَّة، وَتَسْتَطيعُ بِضِحْكَتِها المُسْتَديرَةِ البَيْضاءْ مِثْلَ كُوَّةٍ مُضيئَةٍ في غُرْفَةٍ مُعْتِمَة أَوْ لَطْخَةٍ بَيْضاءَ في جِدارٍ أَسْوَدْ أَنْ تُحيلَ الآلِهَةَ إلى حَلَقِيّينْ وَنِساءَهُمْ إلى سُحاقِيّاتْ. الشِّجارُ الَّذي بَدَأَ بَسيطًا، ثارَ فَجْأةً كَالعاصِفَةِ حينَما قالَتِ المَرْأةُ الحافِيَةُ لِلإلهِ الأَخْرَقْ: الأَحْياءُ فَقَطْ يَخافونَ الآلِهَةَ وَأَنا امْرَأةٌ مَيِّتَةٌ مُنْذُ أَلْفٍ وَخَمْسِمائَة عامْ. وَالظَّلامُ لا يُخيفُني لأنَّني لا أَرى، أَمّا باربي السَّوْداءْ فَأَسْتطيعُ أَنْ أَنْثُرَ عَلَيْها قَبْضَةً مِنَ الطَّحينْ الَّذي كانَتْ تَكْتَحِلُ بِهِ جَدَّتُها السِّيرالْيونِيَّة لِتُصْبِحَ أُضْحُوكَةَ الأَلْوانِ جَميعًا. احْمَرَّ وَجْهُ باربي السَّوْداءْ وَتَوَهَّجَ كَالفَحْمْ وَصَرَخَتْ بِالمَرْأةِ الحافِيَة: أيَّتُها المُهْتَرِئَة! جَدَّتي لَمْ تَكُنْ تَكْتَحِلُ بِالطَّحينْ كانَتْ تَكْتَحِلُ بِمَسْحوقِ المَوْزْ، أَمّا أَنْتِ فِإنَّكِ رَجُلٌ بِدونِ خِصْيَتيْنْ. أيَّتُها الشَّعْرَةُ الثَّخينَةُ رَدَّتِ المَرْأةُ الحافِيَة: أيّةُ امْرَأةٍ تِلْكَ الَّتي تُرى بِالأَنْفْ وَتُشَمُّ بِالأَمْعاءْ وَتَخْتَفي حينَ يَهْبِطُ اللَّيْلْ فَلا يُمْكِنُ مُضاجَعَتُها قَبْلَ الثّامِنَةِ صَباحًا، لا أَدْري ما الَّذي يَفْعَلُهُ شَيْءٌ مِثْلُكِ خارِجَ صُنْدوقِ القِمامَة! كَذَبْتِ أيَّتُها النَّتِنَةُ! صَرَخَ الإلهُ الأَخْرَقُ بِجُنونْ: إنَّها نَظيفَةٌ تَمامًا مِثْلَ عَباءَةٍ سَوْداءَ في لَيْلٍ حالِكْ أَغْسِلُها عَشْرَ مَرّاتٍ في اليَوْمْ وَوَراءَها رَجُلٌ يَرُشُّها بِالعِطْرِ بِشَكْلٍ دائِمْ. يا لَلسُّخْرِيَة! هَتَفَتِ المَرْأةُ الحافِيَة: العِطْرُ وَالماءُ وَالصّابونْ قَدْ تُزيلُ شَيْئًا مِنْ نَتانَةِ لِحْيَتِكَ الشَّقْراءْ أَمّا هِيَ فَلَنْ يُخَفِّفَ مِنْ نَتانَتِها شَيْءٌ سِوى بَوْلِ خِنْزيرٍ مُعَتَّقْ. ثارَ جُنونُ الإلهِ الأَخْرَقِ كَالبُرْكانْ أَرْسَلَ بَعْضَ الصَّواعِقِ فَهَدَمَ عَدَدًا مِنَ الشَّوارِعِ قَدْ يُساوي مَدينَتَيْنْ وَماتَتِ المَرْأةُ الحافِيَةُ مَرَّةً أُخْرى كَما هِيَ العادَة. بَعْدَ ساعَتَيْنِ تَقْريبًا بِالتَّوْقيتِ الهِجْرِيّ، سَكَنَتِ الأَصْواتُ في زُقاقِ الكَوْنْ، وَهَدَأ ثُغاءُ الماعِزِ في حَظائر القَرابينْ، ثُمّ ارْتَفَعَتِ الصَّلَواتُ المُعْتادَةُ تَتَهادى عَلى رِسْلِها خَلْفَ رائِحَةِ الطَّبيخْ، وَتَسلَّلَ أَنينُ الأَسِرَّةِ العَذْبْ حَتّى سالَ مِنَ النَّوافِذْ، وَبَدَأَ العَدُّ التَّصاعُدِيُّ لِلْكَيْنونَةِ مِنْ جَديدْ. يَقولُ المُتَفائِلونَ مِنَ العَرّافينْ إنَّ المَرْأةَ الحافِيَةَ قَدْ ماتَتْ لِلْمَرَّةِ الأَخيرَةِ وإنَّها لَنْ تُعاوِدَ الظُّهورَ بَعْدْ. وَلكِنَّ باربي السَّوْداءْ أَقْسَمَتْ بِشَرَفِها الأَبْيَضِ الهُوِيَّة أَنْ لا تَتْرُكَ المَرْأةَ الحافِيَةَ تَرْتاحُ مِنَ المَشْيِ إلى الأَبَدْ، لأنَّ كَرامَتَها الڤيرْجينِيّةَ الفاخِرَة قَدْ أُصيبَتْ بِرُضوضٍ خَطيرَة حينَما رَكَلَتْها بَعْضُ الشَّظايا في أَماكِنَ بالِغَةِ الحَساسِيَّة. مِسْكينَةٌ المَرْأَةُ الحافِيَةُ لَمْ تَدْرِ أَنَّ النِّعالَ هِيَ الشَّيْءُ الوَحيدُ الَّذي يَفْصِلُنا عَنِ الأَرْضِ وَيَجْعَلُنا أَقْرَبَ إلى السَّماءْ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ اللَّوْنِ وَالعِرْقِ وَالرّائِحَة. لَقَدْ كانَتِ المَرْأةُ الحافِيَةُ ابْنَةً لِرَجُلٍ قَديمٍ يُدْعى نَبوخَذْ وَكانَتْ تَمْلُكُ أجْمَلَ نَعْلَيْنِ لَبِسَتْهُما امْرَأَة، وَلكِنَّ ساحِرًا مُتَجَوِّلاً اعْتادَ سَرِقَةَ التُّحَفِ وَالأَشْياءِ الجَميلَةِ مِنْ أَصْحابِها سَرَقَ نَعْلَيْها، وَقالْ: مُنْذُ اليَوْمِ لَنْ تَسْتَطيعي الصُّعودْ إلى الأَماكِنِ العالِيَة، سَتَكونينَ ظِلّاً لِعُشْبِ الأَوْدِيَةِ الوَثيرْ أَحْمِلُهُ مَعي أَيْنَما تَوَجَّهْتْ، تَظْهَرينَ حينَما أَشاءْ، وَتَخْتَفينَ حينَما أَشاءْ، حَياتُكِ المُكَرَّرَّةُ، وَمَوْتُكِ المُعادُ مائِدَةٌ لِقُطْعاني وَقُربانٌ لآلهةِ الطّوفانِ الأَخيرَة. مَهْما يَكُنْ مِنْ أَمْرْ فَإنَّ هذِهِ الحَرْبَ الصَّغيرَةَ كانَتْ أَجْمَلَ الحُروبِ جَميعًا، وَكَما تُؤَكِّدُ سُحاقِيّاتُ «الجَزيرَة» وَحَلَقِيُّوها فَإنَّ بارْبي السَّوْداءْ لَنْ تَسْتَطيعَ بَعْدَ اليَوْمْ ارْتِداءَ جُزْءٍ مِنْ مَلابِسِها بِسَبَبِ الحادثَةِ، وَأنَّ الإلهَ الأَخْرَقَ سَيَعْمَلُ مُؤَذِّنًا في حَلَبْ. أَمّا المَرْأةُ الحافِيَة فَقَدِ ارْتاحَتْ إلى الأَبَدْ مِنَ المَشْيِ الدّائِرِيّ حَوْلَ أَرْصادِ السَّحَرَةِ، أَلْقَتْ ضَفيرَتَها عَلى صَدْرِ والِدِها القَديمْ تُنْصِتُ إلى النَّهرِ البابلِيِّ الكَسولْ وَهُوَ يُتابِعُ السَّيْرَ الأَبَدِيَّ نَحْوَ مَثْواهُ الأَخيرْ. 2023-01-14