المجتمع الدولي يعاقب سكان غزة على صمودهم!
عميرة أيسر*
بدل معاقبة الكيان الصهيوني على جرائمه الوحشية، والتي لم تحدث حتى إبان الحرب العالمية الثانية، فإن المجتمع الدولي الذي تقوده الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي بأنها راعية الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، وقف متفرجاً على معاناة سكان القطاع الذين وصلهم بهم الأمر لطبخ علف الدواب من أجل أكله، لأن المواطن الغزاوي لم يجد ما يسد به رمقه، بالإضافة لانتشار مختلف الأمراض كالتهاب السحايا والسّل وغيرها من الأمراض الناتجة عن شرب المياه الملوثة، وانتشار المواد السّامة في جو القطاع نتيجة استخدام الجيش الصهيوني لغازات وأسلحة محرمة دولياً، في غاراته المتواصلة على قطاع غزة المحاصر، يحدث كل ذلك في وقت لا يزال فيه الكيان الصهيوني متمسكاً بسياسة الأرض المحروقة والعقاب الجماعي، لكل سكان القطاع المتورطين حتى الأطفال منهم حسب ادعاءات الاعلام العبري في عملية طوفان الأقصى المباركة، لذلك يجب قتلهم والتنكيل بهم وبأية طريقة كانت، والبداية كانت عن طريق منع إدخال المساعدات الانسانية لقطاع غزة، وربط ذلك بعدة شروط تعجيزية لفصائل المقاومة كالإطلاق سراح جميع الرهائن الصهاينة المحتجزين لدى فصائل الجيش الفلسطيني في غزة دون قيد أو شرط، وتشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية تدير القطاع لا تشمل حركة حماس، وإعادة المستوطنين الصهاينة لغلاف غزة، أو إطلاق سراح جميع المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال، إذ وصف نتنياهو هذه الشروط بالمجنونة والغير مقبولة، وبأن القبول بها وخاصة في الظروف الراهنة سيؤدي لحدوث مجزرة أخرى، وكارثة كبرى لإسرائيل لا أحد مستعد لقبولها. كما ذكر موقع القدس العربي، بتاريخ 7 فيفري/شباط 2024م، في مقتل بعنوان ( نتنياهو يرفض شروط حماس بشأن اتفاق التهدئة وتبادل الأسرى).
فالشروط التعجيزية للكيان الصهيوني الذي يحظى بدعم مطلق من طرف لوبيات السّلاح والاقتصاد في بلاد العم سام، مستمر في انتهاج سياسة القوة وعدم التنازل عن شروطه لوقف العدوان على غزة، لأنه في موقع قوة خاصة بعد فشل المشروع الجزائري في مجلس الأمن لوقف العدوان على غزة، بعد أن امتنعت بريطانيا عن التصويت، ولجأت واشنطن لاستخدام حق الفيتو ضدّ مشروع هذا القرار، رغم أن الأغلبية في هذا المجلس قد صادقت على نص القرار الذي رأى فيه الكثيرون المخرج لهذه الأزمة الدولية، إذ أرادت الجزائر من خلال هذا المشروع الضغط على مجلس الأمن الدولي لتحمل مسؤولياته التاريخية في ارساء دعائم الأمن والسّلم الدوليين، استناداً لقرار محكمة العدل الدولية الذي كان نتاج الدعوى القضائية التي رفعتها دولة جنوب افريقيا ضدّ إسرائيل، وهي سابقة تاريخية من نوعها، ولكن بالرغم من تحذيرات محكمة العدل الدولية للكيان الغاصب، والزامه بتقديم كافة الضمانات من أجل منع حدوث مجازر ترقى لتوصيف الابادة الجماعية، واعطته مهلة زمنية محددة لتنفيذ هذه القرارات، الاّ أن الجيش الاسرائيلي مستمر في سياسة قصف البيوت وتهجير المدنيين، واستهداف الأبرياء في قطاع غزة، غير مبال بكل القرارات والمواثيق الدولية، مادام أن الإدارة الأمريكية مستمرة في تقديم مختلف أنواع الأسلحة والذخائر لإكمال مهمة تهجير سكان القطاع واخلاءه من سكانه، مادام أن هذا يخدم الأهداف الاقتصادية والجيواستراتيجية التي تحدثت عنها في مقالات سابقة، ويضمن عدم إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، حتى وإن كانت دولة صورية منزوعة السّيادة وعلى حدود 1967م، يعني دولة على مساحة صغيرة جداً من أرض فلسطين في مقابل وقف كل أشكال المقاومة، وتسليم كل فصائل الجيش الفلسطيني في غزة لأسلحتهم، وسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية الخائنة لدماء شهداء فلسطين والمتعاونة مع الاحتلال الصهيوني على كافة الأراضي الفلسطينية المنضوية تحت لواء هذه الدولة المفترضة، والتي ترفضها حكومة نتنياهو، ومعظم المستوطنين الصهاينة الذين يتربون منذ صغرهم على أن حدود دولتهم، يجب أن تمتد من النيل للفرات، وبأنه لا سلام مع العرب الهمجين المتوحشين المتعطشين للدماء، فلا يمكن حسب معتقداتهم البالية أن يتواجد العربي واليهودي في رقعة جغرافية واحدة دون أن يقتل أحدهما الآخر، وهذا ما يتغاضى عنه الكثير من الحكام العرب والنخب السلطوية التي قد تتصور بأنه يمكن إقامة سلام دائم وشامل وعادل مع هؤلاء الذين يربون أولادهم على الحقد والكره والبغض، لكل ما هو فلسطيني أو عربي، لذلك نجد أنه منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1994م، وكل المحاولات لإقامة دولة فلسطينية مستقلة تجابه برفض شعبي واسع من طرف المستوطنين الصهاينة الذين أظهروا عنصريتهم وحقدهم ومقتهم للفلسطينيين علناً، وفي كل مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام، وتم ترجمة ذلك سياسياً بالمواقف الواضحة والصريحة لنتنياهو الرافضة لإقامة دولة فلسطينية حتى ولو كانت برعاية أمريكية مع تأكيده على مواصلة القتال في غزة، حتى تحقيق النصر الكامل على حركة حماس. كما ذكر موقع BBCعربي، بتاريخ 19جانفي/ يناير 2023م، في مقال بعنوان ( نتنياهو يرفض علناً المسعي الأمريكي لإقامة دولة فلسطينية).
فالضغوط الإسرائيلية والأمريكية التي تمارس على فصائل الجيش الفلسطيني في غزة لدفعها نحو الاستسلام بلغت مستويات غير مسبوقة، وذلك عن طريق منع المنظمات الإنسانية والاغاثية من دخول قطاع غزة، واستهداف كوادرها بشكل علني، لدفع من تبقى منهم لمغادرة القطاع الذي تحولت مناطق واسعة منه لمقابلة جماعية، بالإضافة لاستهداف الصحفيين التابعين لقوات ووسائل اعلام بعينها من أجل لجم صوت الحقيقة والتغطية على الخسائر المهولة جداً التي يتكبدها الجيش الاسرائيلي يومياً، في ظل ارتفاع حالات رفض الخدمة العسكرية لدى الجنود، ومطالبة قادة فرق و ألوية عاملين في غزة من القيادة الإسرائيلية العليا سحب ضباطهم وجنودهم العاملين هناك، بعد ارتفاع حالات الجنون والانتحار وتفشيها بشكل كبير جداً لم تعرفه إسرائيل من قبل، فكلما طال أمد الحرب أثر ذلك على سلوك الجنود والضباط، وأدى إلى ايقاع المزيد من الهزائم بالجيش الاسرائيلي الذي اهتزت صورته أمام العالم أجمع، تماماً كما حدث مع الجيش الأمريكي بعد هزيمته المذلة في فيتنام التي أصبحت كابوساً لا يزال يؤرق صناع السّياسة العسكرية الاستراتيجية في البنتاغون، حيث منذ ذلك التاريخ لم تجرؤ أمريكا صاحبة أقوى جيش في العالم على شنّ الحروب منفردة، بل اتبعت استراتيجية تشكيل الأحلاف العسكرية، وأصبح حلف الناتو حاضراً في كل الحروب التي شنتها واشنطن سواء في البوسنة والهرسك أو أفغانستان والعراق، وسوريا وليبيا….الخ فهذه الحرب ستكون بمثابة الصخرة التي ستتحطم عليها أسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر للأبد.
فالمجتمع الدولي الذي عاقب سكان القطاع على صمودهم البطولي، والعاجز عن إيقاف الحرب رغم كل المظاهرات المليونية التي خرجت في الكثير من الدول، لن يعترف بصمود وقوة المقاومة، إلاّ بعد ايقاع هزيمة كبرى ساحقة بهذا الشعب، وستظل كل فصائل الجيش الفلسطيني في غزة والفضة الغربية توصم بالإرهاب، مثلما حدث للمجاهدين في الجزائر إبان الثورة التحريرية المباركة التي علمت شعوب الأرض كيف تقاوم، فهذا الكيان المجرم وحلفاءه من الدول الغربية لا يفهمون إلاّ لغة القوة ولا يعترفون بالمفاوضات الاّ اذا كانت في صالحهم، فأمريكا عقدت 371 معاهدة مع شعوب الأنا لاكاتا في 120سنة ولكنها لم تحترم ولا معاهدة منها وقتلت أكثر من 100 مليون منهم بدم بارد، فهذه الدول الاستعمارية الكبرى لا تعترف الاّ بمن يتعامل معها من موقع الندية، والصمود الأسطوري لمحور المقاومة سيجبرها في النهاية على الرضوخ لمطالبه والانسحاب من كل مناطق نفوذه في الشرق الأوسط التي احتلها منذ قرن من الزمن.
- كاتب جزائري
2024-02-27
