الكيان الصهيوني يخسر الحرب في قطاع غزة!
عميرة أيسر*
دخلت إسرائيل حرب غزة بدعم غربي وأمريكي ودولي في محاولة منها لتغيير المعادلات الجيواستراتيجية التي فرضتها قوى الجيش الفلسطيني في غزة، وبقية حركات المقاومة في منطقة الشرق الأوسط التي أثبتت أنها قادرة على هزيمة جيوش دول عظمى كالجيش الأمريكي واجبارها على الانسحاب وهي تجر أذيال الخيبة والهزيمة كما فعلت مع العراق وسوريا، إذ أن معظم القوات الأمريكية التي كانت متواجدة بهذه الدول، قد تمّ سحبها، وأضحت هذه الحركات المقاومة المدعومة من طرف دول إقليمية كإيران وسوريا وحتى مصر، بحسب ما تناقلته وسائل اعلام عبرية التي أكدت نقلاً عن مسؤولين صهاينة بأن الجيش المصري قد لعب دوراً محورياً في دعم هذه الحركات بالمال والسّلاح والذخيرة، وهو من يحمي قادة حركة حماس المتواجدين بالأنفاق، كما ذكر موقع بحدري حريديم المحسوب على التيار الديني المتطرف في إسرائيل فإن معظم ترسانة حركة حماس التي استعملتها ضدّ إسرائيل في هذه الحرب قد جاءت من مصر، وأضاف الموقع بأن الكيان الصهيوني يمتلك قوات مسلحة من الأكثر تطوراً في العالم، كما تملك حماس أسلحة متطورة مصدرها القوات المسلحة المصرية التي هربت العديد من الأسلحة المضادة للدبابات إلى غزة عبر الأنفاق من سيناء إلى لقطاع غزة، وعبر الشاحنات التي تتحرك بين مصر وغزة. كما ذكر موقع الخليج الجديد، بتاريخ 13نوفمبر/تشرين الثاني 2023م، في مقتل بعنوان (عبر الأنفاق من سيناء….اتهامات إسرائيلية لمصر بتسليح حماس).
قادرة على التأثير في الرأي العام الاسرائيلي الرافض للسّياسات الإسرائيلية في غزة، والتي أدت بالمستوطنين في مستوطنات غلاف غزة للتظاهر أمام مبنى الكنيست الصهيوني مطالبين نتنياهو بإيقاف الحرب، وصرف تعويضات مالية ضخمة لهم، وإعادة الأسرى الذين تحتجزهم فصائل الجيش الفلسطيني في غزة، وترفض إطلاق سراحهم إلاّ وفق صفقة شاملة تقضي بإطلاق سراح كافة المعتقلين الفلسطينيين من سجون الاحتلال الصهيوني، والانسحاب الكامل من القطاع، بالإضافة إلى عدم تغيير الوضع السّياسي في غزة واستمرار حركة المقاومة الإسلامية حماس في ادارته، وعدم تسليم إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية كما تطالب واشنطن التي تصر على ضرورة إزاحة حركة حماس من السلطة، وابعادها عن السّاحة، وعدم تدخلها في عملية إعادة الأعمار بعد انتهاء العدوان الغاشم على سكان القطاع، والتي ستكون بإشراف أممي، ويبدو بأن بالإضافة إلى هذه الشروط الأمريكية فإن حكومة الكابينت المصغر في تل أبيب تصر على ضرورة خروج كل قادة حماس من القطاع، وترحيلهم ونفيهم قسرياً لقطر وتركيا، وتفكيك الهيكل التنظيمي والعسكري للحركة، التي تعتبر بمثابة حركة ارهابية عند دول المنظومة الانجلوسكيونية ومنها بريطانيا، التي أكد وزير خارجيتها ديفيد كاميرون على أن بريطانيا ملتزمة مع حلفاءها على إنهاء الارهاب في غزة، حيث قال: في مقابلة صحفية مع شبكة سكاي نيوز الإخبارية ” يجب أن يخرج قادة حماس من غزة، والعمل على تفكيك قواعد الارهاب في القطاع، هذه أمور ضرورية للوصول إلى وقف إطلاق النار”. كما ذكر موقع المسار الاخباري، بتاريخ 25 جانفي/يناير 2024م، في مقال بعنوان ( بريطانيا: تفكيك قدرات حماس العسكرية، وخروج قادتها وعودة السلطة الى غزة).
فهذه الدول الاستعمارية مسؤولة عن مقتل عشرات الملايين من الأبرياء عبر قرون في مختلف قارات العالم، وخاصة في نيوزيلندا والأمريكيتين، والتي كانت ولا تزال من أكبر الدول الداعمة للكيان الصهيوني الغاصب، وقد صوتت ضدّ قرار يقضي بوقف إطلاق النار في غزة، والانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية، والتي أدانت محاكمة إسرائيل من طرف محكمة العدل الدولية بعد الدعوى القضائية التي رفعت ضدها من قبل جنوب افريقيا، ودعت لتدخل قوات حلف الناتو في حرب غزة دعماً للكيان الصهيوني المجرم، تريد إنهاء كافة أشكال المقاومة في فلسطين المحتلة، فالقوات الخاصة البريطانية تشارك في العمليات الميدانية إلى جانب القوات الإسرائيلية في غزة، وهي التي شنت هجوماً بحرياً وجوياً في باب المندب دعماً للقوات الأمريكية لضرب الحوثيين الذين أعلنوا الحرب على تل أبيب وكل حلفاءها الذين يشاركون في حصار شعب غزة وحصاره وقتله.
فهذه الدول العظمى لم تكتفي بدعم الكيان الصهيوني الذي تستنزف قدراته العسكرية ومقدراته الاقتصادية، ويعيش حالة من الخوف والهلع وعدم اليقين في قدرة قواته على حسم المعركة في غزة، خصوصاً بعد عملية كمين المغازي التي راح ضحيتها أزيد من 21 جندياً صهيونياً، وهي العملية التي زادت من حدة الهجوم الاعلامي والانتقاد السّياسي لحكومة نتنياهو الذي يعاني من انقسامات حادة بين اعضاءها، دفعت بنتياهو لمنع وزير دفاعه يواف غالانت من حضور الاجتماعات التي تعقد بصفة دورية وتهديد الأخير بأنه سيستعين بلواء غولاني من أجل اقتحام مبنى الحكومة بالقوة واعتقال نتنياهو إن اقتضى الأمر، فكل الخطط والاستراتيجيات العسكرية المطبقة في قطاع غزة، أدت لنتائج كارثية على سير العمليات العسكرية، وهذا ما أدى لسحب العديد من الفرق والألوية العسكرية، وتخفيض عدد القوات في غزة للنصف تقريباً، مع استمرار فصائل الجيش الفلسطيني في توجيه ضربات موجعة يومياً للكيان المحتل، الذي فقد أكثر من 1000 دبابة وألية عسكرية وأزيد من 12ألف مصاب، بالإضافة لغير غير محدود من القتلى، حسب تأكيدات فصائل الجيش الفلسطيني في غزة، فيما تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن الجيش الصهيوني، لمقتل 531عسكري بين ضابط جندي، كما ذكر موقع Sky Newsعربية، بتاريخ 21جانفي/يناير 2024م، في مقال بعنوان (الجيش الاسرائيلي: ارتفاع عدد القتلى بمعارك غزة إلى 581).
فالجيش الصهيوني العاجز عن الفوز عسكرياً في هذه الحرب التي خاضها رغم معارضة الكثير من الأحزاب السّياسية والنخب العسكرية لشنّ عملية برية واسعة النطاق في غزة، لأن الجيش الاسرائيلي المجرم غير مدرب على حرب المدن والشوارع، وأكدت هذه النخب بأن الغزو البري مصيره سيكون الفشل الذريع، داعين تل أبيب لتغيير نهجهم إزاء الفلسطينيين بوضع حدّ لاحتلال أراضيهم في إطار حلّ الدولتين، منهم الناشط بن صهيون ساندرز الذي يعمل كمدير لبرنامج القدس في منطقة “أكستند”، الحقوقية المعنية بربط قيادات جماعات حقوق الإنسان الفلسطينية و الإسرائيلية بالجالية اليهودية الأمريكية، وهو من الذين شاركوا في الاجتياح البري لغزة سنة 2014م، إذ و في مقال نشر في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية ذكر كيف كان يعتقد بأن الخسائر التي تكبدها الجيش الاسرائيلي لها ما يسوغها من أجل تحقيق الهدف المرجو وهو القضاء على الخطر الذي تمثله حركة المقاومة الإسلامية حماس قضاءً مبرماً، وأوضح أن ذلك ما قالوه لهم، يقصد “قادة إسرائيل” حينئذ واصفاً ما قيل لهم بأنه أكذوبة، وهي الكذبة ذاتها التي يرددونها اليوم، “أي” استئصال خطر حماس تماماً. كما ذكر موقع الجزيرة نت، بتاريخ 29أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، في مقال بعنوان ( حارب في غزة….جندي إسرائيلي سابق، الهجوم البري مصيره الفشل).
فالنخبة الحاكمة في تل أبيب وبعد أن أدركت أن الفوز بهذه الحرب شبه مستحيل عمدت إلى محاولة إقامة منطقة عازلة تفصلها عن قطاع غزة، وبرمجت تدمير 1100 مسكن هناك كمرحلة أولى، وذلك في سيناريو يشبه ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الكورية، عندما قامت ببناء منطقة عازلة محروسة بأجهزة وكاميرات مراقبة متطورة بطول 250 كلم وعرض 4 كلم، وتدار من قوات مشتركة بين البلدين، برعاية الأمم المتحدة، فهذه المنطقة العازلة التي وافقت واشنطن على انشاءها تحت ضغط اللوبي الصهيوني، بعدما كانت من أشد المعارضين لإقامتها، تأتي في سياق الجهود الأمريكية لتطمين الداخل الاسرائيلي بأن أمريكا ملزمة بالدفاع عن أمن الكيان الصهيوني، وإعادة كل المستوطنين الذين فروا من مناطق غلاف غزة، بعد أحداث طوفان الأقصى، وأقاموا بفنادق وخيم ممولة من طرف الحكومة الإسرائيلية في مختلف المدن والمغتصبات الصهيونية، ولكن يبدو بأن نتنياهو وحكومته الفاشلة قد أدركوا بأن الحل الوحيد لاستمرارهم هو استعمال مزيد من القوة والتطرف، فهذه السّياسة الرعناء ستؤدي لحدوث حرب اقليمية كبرى ستتحول لحرب عالمية مدمرة في نهاية المطاف بكل تأكيد.
– كاتب جزائري
2024-01-28
