القمع السّياسي بلغ مستويات غير مسبوقة في عهد تبون!
عميرة أيسر
يعد العهد الحالي برئاسة عبد المجيد تبون واحداً من أكثر عهود الدولة الجزائرية ظلامية، حيث لم يسبق أن اتهم ناشط سياسي أو صحفي معارض أو كاتب أو إعلامي أو مثقف بالإرهاب لمجرد مقال كتبه أو لرأي قاله أو منشور كتبه على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي، فحتى أنا يريد بعض ضباط الشرطة الفاسدين تلفيق تهمة المساس بأمن الدولة وتشكيل حكومة سرية لي، وهي التهمة التي لا أساس لها من الصحة بل تثير السخرية والضحك والاستهزاء، وذلك بسبب حربي التي كنت أخوضها ولا أزال ضدّ المسؤولين الفاسدين في مختلف أجهزة الدولة ومؤسساتها، وهي تهمة جائرة ظالمة يعرف القاصي والداني بأنها ملفقة، حيث بدأت المضايقات تطالني وتطال حتىّ أفراد العائلة منذ ذلك الوقت، وأنا أحمل السلطة الحالية المسؤولية الكاملة عن أي شيء قد يصيبهم جراء ذلك.
فالرئيس عبد المجيد تبون الذي شدد في أكثر من مناسبة على أن حرية التعبير حق مكفول دستورياً، وطالب الجميع بأن يساعدوه في بناء دولة الحق والعدل والقانون، ولكن يبدو بأن كل ما قيل كان عبارة عن مجرد شعارات لا أساس واقعي يدعمها، حيث زادت حملات الاعتقالات لكل الأصوات المعارضة وتم إغلاق عشرات الصفحات في الفضاء الأزرق التي فضحت وعرت المسؤولين الفاسدين وتمّ إيداع الكثير من مدراءها غياهب السجون، بالإضافة لنشطاء الحراك المبارك الذين يعدون بالمئات، بل تلك الحملة طالت حتى الأصوات المعتدلة التي دعت للحوار مع السلطة الحالية كالناشط السياسي والمرشح السّابق لرئاسة الجمهورية السّيد رشيد نكاز الذي يعاني أصلاً من مرض السرطان، حيث تم إيداعه السجن رفقة المحامي الاستاذ عبد القادر شهرة بالإضافة لمحامي أخر وأحد النشطاء السّياسيين، وذلك بأمر من قاضي التحقيق لدى محكمة شلف، بتهمة التحريض على مظاهرة غير مرخصة، والمساس بالنظام العام. كما ذكر موقع الشرق الأوسط، بتاريخ 16ماي/ أيار 2022م، في مقال بعنوان (سجن رشيد نكاز ومحاميه بتهمة ” التحريض”).
فتلفيق التهم واستعمال القضاء الشامخ كأداة للضغط على النشطاء والمعارضين لإسكاتهم، بدل استعمال لغة الحوار والانفتاح على الآخر والاعتراف بأن هناك مشاكل عويصة في البلاد وعلى جميع الأصعدة والمستويات تحتاج إلى تظافر جهود الجميع لحلها، والاعتماد على القبضة الأمنية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وزيادة منسوب السخط على السلطة الحالية، التي أثبتت بأنها لا تقل قمعاً على سابقاتها، فهي لا تريد أن ترى الأمور بعين الحكمة والتبصر والعقل، وتقوم باتهام كل من يخالفها بأنه مجرد عميل لجهات أجنبية ينفذ أجنداتها ويتأمر على أمن البلاد والعباد، وهي نفس الممارسات التي أدت لإسقاط النظام السّابق الذي وثق في أناس فاسدين وسلمهم زمام إدارة الحكم في البلاد المليون و النصف مليون شهيد للأسف، فكانت النتيجة ماثلة أمام أعين العالم أجمع، وذلك بعد حوالي 20 سنة من الظلم والقهر والاستبداد، وأخشى ما أخشاه أن تتطور الأمور مستقبلاً لما لا يحمد عقباه، خصوصاً مع وجود أعداء كثر متربصين بهذا الوطن الذي تحمّل كثيراً طوال عشرات السنين وبقي صامداً رغم كل الخيانات التي تعرض لها ولا يزال من طرف أبناءه قبل غيرهم.
وأقول لعبد المجيد تبون اتق الله في شعبك، فأنت مسؤول عنه في الدنيا قبل الآخرة، وإياك ثم اياك أن تغتر بمن حولك من بطانة السوء، الذين يظلمون الناس باسمك ويتحدثون بلسانك ويضايقونهم في أرزاقهم ويزحمونهم حتى في أقواتهم ويلفقون لهم التهم جزافاً، فالجزائر في عهدك قد أصبح دولة للخوف والرعب والقمع لا تختلف كثيراً عن كوريا الشمالية في شيء.
وإن أردت فعلاً تغيير الواقع المؤلم الذي نعيشه فعليك أولاً بإقالة كل المسؤولين الذين فشلوا في أداء المهام الموكلة إليهم مهما كانت مناصبهم، والعمل على استقطاب الكفاءات الوطنية من مختلف التيارات والتوجهات السّياسية، والعمل على إطلاق سراح جميع المعتقلين السّياسيين وتعديل قوانين الإرهاب الجائرة، والسماح بحرية الرأي والتعبير، وأن تتقبل النقد بصدر رحب، فليس كل من انتقدك أراد بك سوءً، وكما قيل لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه إن فلاناً يهجوك فقال: الحمد لله الذي أهدى إلى عيوبي، وأيضاً العمل على مراجعة كل القوانين القضائية، وتسهيل منح القروض الاستثمارية للشباب وبفوائد رمزية، ودعم المشاريع التي تعتمد على استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي والنانو تكنولوجي، أو تلك التي تأتي بحلول مبتكرة للمشاكل العويصة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، وتعديل قوانين الاستثمار بما يتماشى مع التحولات العميقة في بنية الاقتصاد العالمي، وتقديم كافة أنواع الدعم المالي والمعنوي لأصحاب المصانع والشركات العالمية الكبرى من أجل تشجيعهم على الاستثمار في الجزائر وفي جميع المجالات، وخاصة تلك التي تنتج أشباه الموصلات التي أصبحت عصب تكنولوجيا الاقتصاد العالمي حالياً، كما فعلت الهند وخاصة في مدينة تشيناي في ولاية تاميل نادو التي تقع في جنوب الهند، والتي تعد موطناً لمجموعة من الشركات العالمية كهيونداي ورينو_ نيسان اللتين تمتلكان مصانع كبيرة للسيارات، أما شركة دال فتصنع أجهزة الحاسوب هناك، بينما تنتج شركة سامسونغ أجهزة التلفزيون والغسالات و الثلاجات، بالإضافة إلى تفاهم حكومة ولاية تاميل نادو التي يقول عنها كوراج كومار المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أي جي اس اس ” انه من المحتمل جداً أن تكون مصنعاً للرقائق ترغب شركته في بناءه في غضون ثلاثة أعوام”، وذلك بعد مذكرة التفاهم التي وقعت تلك الشركة السنغافورية مع المسؤولين في هذه الولاية. كما ذكر موقع الاقتصادية، بتاريخ 4 سبتمبر/ أيلول 2022م، في مقال بعنوان (في خضم سباق صناعة الرقائق……الهند تصر على البقاء).
فبناء دولة ديمقراطية عصرية محال أن يتأتى دون ايقاف كل المتابعات القضائية والمضايقات الأمنية التي استهدفت ولا تزال نشاط الحراك وشباب مواقع التواصل الاجتماعي وكل الأصوات المعارضة، بل وصل الأمر لاتهام صحفيين مستقلين بالإرهاب كمدير “راديو أم” السيّد قاضي إحسان، وهو الذي لم يحمل سوى قلمه الذي يدافع به عن تصورته لواقع الدولة ومستقبلها، في محاولة من طرف السّلطة لإسكات آخر المنابر الاعلامية الحرة في بلادنا، بعدما سيطرت على كل وسائل الاعلام الخاصة وكان أخرها جريدة الخبر، التي أصبحت رئيس تحريرها السّابق مديراً عاماً للإذاعة الوطنية الجزائرية.
وان استمرت الأمور على ما هي عليه في ظل التحديات التي تشهدها الدولة، فإني أتوقع عودة قوية للحراك المبارك مرة آخرى، الذي يبدو بأنه لم ينجح في تحقيق كل أهدافه المرجوة منه، والتي كان من أبرزها تحويل الجزاءر لواحدة من الديمقراطية وحقوق الإنسان، فالرئيس الحالي أمام فرصة تاريخية عليه أن يستغلها أحسن استغلال إن أراد دخول التاريخ من بابه الواسع.