العلاقات السياسية بين الرغبة والواقع …!
عماد قطينة
السياسة في التعريف هي تعبير مكثف عن الإقتصاد من ناحية , وفن إدارة الصراع من زاوية أخرى , وفن الممكن من جهة ثالثه . ولم أقرأ أو أسمع عن ان السياسة تلبية لرغبة أو تطابق مصالح أو أو أو .. الخ من التعبيرات التي نسمعها كرد عاطفي على موقف او حالة .
السياسة اختصاص دول وأحزاب وحركات سياسية , وكلٌّ من هذه له اهدافه ومصالحه ورؤيته التي يعبر من خلالها عن نفسه وما يمثله .
وبما أن السياسة تعبير مكثف عن الإقتصاد , إذن هي تعبير مكثف ن مصالح الإقتصاديين , أو الدولة التي تسيطر على الإقتصاد إن كانت اشتراكية , أو تتحالف مع رجال المال وتعبر عن مصالحهم إن كانت رأسماليه .
مثل هذا التعبير لا يعني ولا يتوقف عند حدود الكلمة أو التصريح , بل يتجاوزه الى الآليات التي تؤمن هذه المصالح بشقيها الإستراتيجي والتكتيكي , وهذا ما يذهب بنا الى فن إدارة هذه العملية , من مواقف وبرامج وتحالفات استراتيجية او تكتيكية , وفق الإمكانيات والتقاطعات .
وبناء على ما سبق فإن وظيفة السياسيين قراءة تفاصيل حالتهم وإمكانياتهم وأعدائهم , وترتيب أولويات أعمالهم وواجباتهم , وما تستوجبه كل مرحلة منها من استحقاق .
وهذه الإستحقاقات تشمل كل ما يتعلق بالهدف وآلية الوصول اليه ومراحلها , وما يمكن المناورة به وما لا يمكن . وما يستوجب تحالفات داخلية او خارجية , آنية أو دائمة , والآليات الأنجع والأقل كلفة مادية ومعنوية وزمنية ايضا .
وفي الحالة السورية والتي تجاوزت العادي والمألوف في كل شيء تقريبا , من حيث حجم المؤامرة وإتساع مساحتها والشركاء والأدوات والأساليب والأسلحة والشراسة والضخ والتمويل الهائل المُقَدّر بمئات المليارات , ومن حيث الأهداف أيضا .
وبعد عشر سنوات من العدوان والتدمير للبناء التحتي والتفتيت والفتنة الإجتماعية والمذهبية والطائفية الهادفة لتدمير مكونات الدولة , لا زال البعض لم يقرأ جيدا اللوحة بكاملها , ولا زالت بعض القضايا ملتبسة بما يكفي لتبني موقف ملتبس من المسألة السورية , مما يؤدي لرضى هنا ورفض هناك .
الموضوع السوري شائك جدا , ولا يحتمل المواقف القطعية المنسجمة في كل شيء , فليس المطلوب تطابق أهداف وآليات وتكتيك وتحالفات وووو الخ .
المطلوب أولا فهم أولويات الدولة السورية , وفهم آلية ربطها بالمصالح القومية والوطنية الأخرى التي على أساسها نسمح لأنفسنا بمناقشة الموضوع بهذه الدرجة أو تلك . فمنطلقات الدولة السورية تختلف عن البقية من عدة جوانب , أهمها أنها هي المُستَهدَف المباشر , وهي من يتلقى السياط , وهي من عليها أساسية تحمُّل العبء , وايضا قرار الخروج من الأزمة ورسم معالم الأحداث وتفاصيل المعركه العسكرية والدبلوماسية وكل التفرعات الأخرى .
الأولويات السورية كانت منع الإنهيار أولا , والتقاط الأنفاس ثانيا , واستعادة المبادرة ثالثا , والبدء بالمعالجات والتسويات الداخلية رابعا , وإعادة بناء هياكل الدولة ومؤسساتها في المناطق المحررة , و ترميم ما تبقى من البناء التحتي خامسا , وصولا الى بسط السيادة على كامل تراب الوطن سادسا .
غالبا ما يلتقي حلفاء سوريا على هذه الأهداف , وقد يختلفوا على الترتيب أو بعض التفاصيل . ولكل مبرراته استنادا لأولوياته , وهذا أمر مفروغ منه وطبيعي في ذات الوقت .
لكن ليس من الحكمة السياسية إسقاط المواقف على الدولة السورية في تحديد سلوكها وممارسة سيادتها على أرضها وتحديد اولوياتها , أو وضع فيتو على تحالفاتها . أخذين بعين الإعتبار أن معطيات ومعلومات الدولة السورية وخاصة الأمنية , أكثر وأعمق وأشمل وأدق من تحليلاتنا المبنية على معطيات الإعلام ,او حتى المبنية على جزئيات المعرفة .
من المواضيع التي تُثار كثيرا هو الوجود الروسي وحجم التنسيق معه في إدارة المعركة على الأرض السورية في مواجهة الأعداء الدوليين والإقليميين المتحالفين مع الجهات التكفيرية في جبهة واحدة . ولا ننسى مسألة حزب الله وايران وفصائل المقاومة العراقية الذين ليسوا عنوان موضوعنا هنا .
البعض يرى في الوجود الروسي والقواعد العسكرية الروسية على الأرض السورية استعمارا مقنعا , ويساويه بالوجود الأمريكي والتركي مع الفوارق الشاسعة بينهم . وهذه مسألة يجب البت فيها استنادا لمنطق السياسة وليس لمنطق مصالح الأفراد والأحزاب .
إن إفشال المؤامرة على سوريا , والتي هي الحصن الأخير في الدفاع عن الأمة العربية برمتها , استوجب واستحق بناء تحالفات وتقديم تنازلات على قاعدة الخطوة للأمام والخطوتين للوراء . أي أن التنازلات والمساومات التي نقدمها للمضي خطوة للأمام مشروعة في حدود خدمة إنجاز المهمة الآنية وهي حماية الدولة واستعادة وحدتها وتفشيل المؤامرة .
لا الروس ولا غيرهم مستعد للتضحية لزراق عيون سوريا ولا غيرها . وللروس كما لإيران وحزب الله والعراق ولسوريا أيضا مصالح تتقاطع . وللدخول في محور او تحالف له أثمان من الجميع ومن ضمنها سوريا . هذه الأثمان تتقاطع في اتفاقات عبر مساومات تأخذ المصالح بعين الإعتبار , بعضها يتبدى على شكل صارخ والآخر ضمني .
ومن ضمن الصارخ ما يمكن رؤيته في المعالجات الروسية للتدخل التركي , والمسألة الكردية , والتي يظهر وكأن الروس هم المقرر في تلك المسائل . لكن وبقليل من الروية والربط نرى أن الدور الروسي هو ترجمة الموقف السوري في معالجة هذه القضايا , حيث يحظى الروس بموقع خاص لدى جميع الأطراف , لأسباب تتعلق بثنائية العلاقة به .
فالتركي ولأسباب جيوسياسية واقتصادية , ولمراهنات على توازنات في العلاقة مع الغرب ترى في الروس ورقة للضغط لأجل تحسين مصالحها مع الغرب , وترى في مستقبلا القادر على إخراجها من الوحل السوري بشرف .
والكردي وبتجربته الخاصة بالأمريكي , وإمكانية التضحية به لصالح تركيا , وتحسبا من اجتياح تركي يدمر مشروعهم الإنفصالي , يرى في الوجود الروسي واحتواءه للأزمة خيارا ومخرجا يقربه من الدولة السورية على قاعدة الإدارة الذاتية , ويحول دون إضعافه في معادلة حل الأزمة السورية .
وسوريا التي انهكتها حرب العشر سنوات الكونية عليها , والتي استعادة بعض عافيتها وصحتها العسكرية والأمنية , وبعض الإستقرار وتمكين الدولة في المناطق المحررة , لا ترى ضرورة لمزيد من التضحيا , وتراهن على دور روسي يحقق لها عودة للجزيرة بلا قتال , وبتوافق سياسي مع الكرد بدعم روسي , فالجزيرة مساحة وقيمة اقتصادية مهمة للدولة السورية . وإضعاف علاقة الكرد بأمريكا مصلحة سورية , من شأنها المساهمة في تسريع إنهاء الوجود الأمريكي العسكري على الأرض السورية .
ولسوريا في ظل العداء مع تركيا على خلفية تبني فصائل ارهابية ووجود عسكري لا مشروع لها في الشمال السوري , وفي ظل غياب علاقات دبلوماسية مع تركيا ( رغم وجود بعض التواصل الأمني ) مصلحة في لعب دور في التمهيد لإنسحاب تركي بضمانات روسية من الشمال السوري مستقبلا وعودته لحاضنة الدولة بأقل الأثمان .
هذا السيناريو لا يعني بالضرورة نجاحه المطلق , وبالتالي فإن خيار الحسم لا يغيب عن التكتيك السوري الروسي المشترك , ولكنه لا يتصدر المشهد , لأنه يتعارض مع المهمة الروسية في الشمال السوري .
أما القضية الأخرى التي تؤرق البعض فهي تواصل العدوان الصهيوني بين فينة وأخرى على المرافق السورية . وهذا موضوع له حساباته الدقيقة , وأهم هذه الحسابات عدم جاهزية الإمكانات السورية لفتح جبهة إضافية تعطي مساحة للإرهاب في الشمال وبعض الخلايا النائمة من العودة للتخريب , ولعدم الإنجرار لمعركة لا تقررها مع الكيان بحكم الموازين , وأخيرا لأن الروس يقوم حضورهم على انجاز مهمة محددة لها صلة مباشرة بمحاربة الإرهاب الداخلي وحماية الدولة واستعادة وحدتها وفق الأولويات .
وبمقاربة الأمور يمكن رؤية النفس الطويل لدى سوريا وروسيا في تحقيق الأهداف , مع الأخذ بعين الإعتبار ان الإنتصارات سيكون على هوامشها خسائر , والكثير من الأثمان لتجنب خسائر أكبر . وهذا ما ينطبق على الردود على الإعتداءات الصهيونية .
وهكذا علينا أن لا نصبّ جام غضبنا على الروسي والإيراني, فالأصل أن نمتلك من القوة ما يغني عنهم . ومتى احتجنا لهم علينا القبول ببعض التنازلات التي تتناسب مع حجم خدمتهم والتي يمكن وصفها بإمتيازات .
ما ينطبق على سوريا ينطبق على العراق وغيرها في فهم التداخلات والتحافات والعلاقات التي لا نستسيغ بعضا لو كانت الظروف مختلفة أكثر , وهنا نعود للسياسة بوصفها فن الممكن . حيث امكاناتنا هي التي ستتحكم بمناوراتنا السياسية للوصول لأهدافنا , وهي من يتحكم بحجم التازلات او المكتسبات التي نحققها .
2021-12-09