العلاقات الاستراتيجية بين روسيا والصين تتوطد أكثر بعد خطاب جوزيف بايدن!
عميرة أيسر
عرفت العلاقات الصينية الروسية تطوراً ملحوظاً بعد قدوم فلاديمير بوتين كرئيس لروسيا، والذي يدرك جيداً مدى أهمية الصين كدولة كبرى لها تاريخ عريق واقتصاد يعد ثاني أقوى اقتصاد في العالم، كما أنها تعبر دولة متطورة من الناحية العسكرية ، وتمتلك أسلحة نووية استراتيجية تستطيع بواسطتها حسم نتائج الحروب لصالحها في أية مواجهة عسكرية محتملة مع الغرب، وذلك لحماية وجودها ونفوذها كدولة عظمى لها نفوذ تقليدي في منطقة وسط وجنوب شرق أسيا، وهي التي تعمل منذ سنوات لاستعادة جزيرة فرموزا التي تعتبرها بكين جزءً لا يتجزأ من أراضيها، ويعمل الحزب الشيوعي الصيني الذي يدير البلاد منذ أكثر من 70 عاماً على استرجاعها باستخدام كافة الطرق والوسائل المتاحة، حتى ولو تطلب الأمر القيام بتنفيذ عملية عسكرية لاحتلالها، وإكمال أعمال ماوتسي تونغ الذي كان يستعد لغزوها سنة 1950م قبل أن تصرفه الحرب الكورية عن ذلك. كما ذكر موقع الجزيرة نت، بتاريخ 17أكتوبر/تشرين الأول 2021م، في مقال بعنوان ( الثالثة من نوعها في عهد بايدن….. صفقة أسلحة أمريكية لتايوان تثير غضب الصين).
فالعلاقات التاريخية بين البلدين والتي تعود لخمسينيات القرن الماضي، قد عرفت نوعاً من التنافس خلال فترة الحرب الباردة من أجل قيادة دول المعسكر الشيوعي في تلك الفترة، وعرفت حالة من الفتور والتراجع، وخاصة بعد الانفتاح الصيني على أمريكا في عهد نيكسون الذي قام بزيارته التاريخية إلى الصين سنة 1972م، والتي أنهت القطيعة الدبلوماسية بين البلدين، حيث أستغل نيكسون قيام الاتحاد السوفياتي بحشد حوالي مليون جندي على حدوده مع الصين، وذلك لحماية المناطق التي حصل عليها بعد توقيع معاهدة 1969م، والتي حصلت بموجبها موسكو على حوالي 1.5مليون كلم من الأراضي الصينية الحدودية بين البلدين وهو ما تعادل مساحته 3أضعاف مساحة فرنسا، وانفتح على الصين وذلك بمشورة من هنري كسنجر الذي كان يشغل منصب مستشار الأمن القومي في عهده، حيث قام كل من ماوتسي تونغ ونيكسون بتوقيع معاهدة شنغهاي، التي حاولت من خلالها الصين حماية نفسها من الغزو السوفياتي، وذلك في إطار سياسة توازن القوى العالمية أنذاك. وهذا ما جاء في كتاب هنري كسنجر (” سنوات التجديد الذي هو ملخص لمذكراته” ص 118).
فالولايات المتحدة الأمريكية التي قامت بتقديم حزمة من المساعدات الاقتصادية المهمة للصين، من أجل مساعدتها على عملية الإقلاع الاقتصادي، و ضخت مليارات الدولارات لتطوير الاقتصاد الصيني، محاولة الاستفادة من انخفاض تكلفة الإنتاج، وكذا تدني الأجور ووفرة اليد العاملة المؤهلة في الصين، التي تعتبر أكبر سوق استهلاكي في قارة أسيا، بالإضافة لاستفادة الطلاب الصينيين من دورات تكوينية في مختلف المجالات الصناعية والتكنولوجية في المدارس والمعاهد والجامعات الأمريكية، سرعان ما تغيرت سياستها اتجاه الصين بعد سنة 2010م، حيث أصبحت الصين تنافس الولايات المتحدة الأمريكية في عدة مجالات اقتصادية وتجارية وصناعية وعسكرية حساسة، و تغيرت نظرة صناع القرار في البيت الأبيض إليها، إذ أصبحت الصين في نظرهم العدو الأول لأمريكا، من الناحيتين الاقتصادية و التجارية والأمنية على الأقل، وخاصة بعد توقيع بكين لاتفاقيات للشراكة الاستراتيجية الشاملة مع العديد من الدول في أمريكا اللاتينية، والتي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية بمثابة الجنة الخلفية لها، بالإضافة لإعلان الرئيس الصيني شي جينغ بينغ سنة 2013م، لمبادرة الحزام والطريق، والتي هي مبادرة تنموية استراتيجية تتمحور حول التعاون والتكامل الاقتصادي بين الدول، إذ أن الصين تخصص سنوياً مبلغ 150مليار دولار للدول 68 التي وافقت على هذا المشروع الاقتصادي والتنموي الضخم. كما ذكر موقع BBC NEWS، بتاريخ 15ماي/أيار 2017م، في مقال بعنوان( مشروع طريق الحرير الصيني).
و حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تحد من نمو الصين الاقتصادي وتعاظم قوتها ونفوذها في السّياسية الدولية، فقامت بفرض عقوبات اقتصادية عليها، وخاصة في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي اعتبر الصين تهديداً جدياً لاستمرار أمريكا كدولة حامية لمنظومة القيم الرأسمالية الليبرالية، و لمكانتها في المجتمع الدولي، وهذا ما دفع بكين للانفتاح أكثر على موسكو التي زادت من حجم وارداتها إلى الصين وخاصة الطاقية منها، وارتفع حجم التبادل التجاري بينها بنحو 38.5 بالمئة في أول شهرين من عام 2022م، ليبلغ 26.431 مليار دولار، وأوضحت البيانات الصادرة عن الجمارك الصينية أن حجم التبادل التجاري بين الصين وروسيا خلال عام 2021م، قد ارتفع بنسبة 38.8 بالمئة، وحقق رقماً قياسياً ليبلغ 146.887 مليار دولار. كما ذكر موقع وكالة الأنباء الأردنية، بتاريخ 7مارس/أذار 2020م، في مقال بعنوان (ارتفاع التبادل التجاري بين الصين روسيا بنسبة 38.5 بالمئة).
فإلى جانب التعاون التجاري والاقتصادي بينهما، وتوقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في آخر زيارة قادته للعاصمة الصينية بكين، لأربع مذكرات للتفاهم والشراكة الاستراتيجية وفي عدّة مجالات وقطاعات حيوية مهمة، فإن بوتين قد أكد خلال افتتاح الألعاب الشتوية الصينية بأن بلاده في شراكة لا محدودة مع الصين، وبالتالي فإن هناك دعماً متبادلاً بينهما في العديد من الملفات الإقليمية والدولية التي تهم البلدين، وخاصة فيما يخص قضية تايوان وأوكرانيا، وذلك لمواجهة التهديدات الأمريكية والغربية التي تسعى للضغط على القيادات السّياسية في كل من روسيا والصين، وتحاول استغلال هذه القضايا كأوراق ضغط علي البلدين من أجل زعزعة الأمن والاستقرار في مناطق أوروبا الشرقية ووسط وجنوب شرق أسيا، ضف إلى ذلك فإن كلاً من روسيا والصين متفقان تماماً على ضرورة إنهاء الهيمنة الأمريكية، و بأن إعادة صياغة قواعد النظام الدولي أضحت ضرورة ملحة للغاية، ولهذا فإن الصين دعمت روسيا بقوة في أثناء غزوها لأوكرانيا واعتبرت بأن مطالب موسكو محقة، وبأن الغرب يسعى لخنقها وتفكيكها كما فعل مع الاتحاد السوفياتي سابقاً تمهيداً للاستفراد بها، وتصريحات رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ في أثناء إجابته على سؤال لأحد الصحفيين بعد اختتام الدورة السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب (بمثابة البرلمان) تؤكد ذلك، حيث كانت الأسئلة تتمحور حول الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ أشار إلى متانة العلاقات الصينية الروسية، وصرح بأنّ العقوبات الغربية المفروضة على موسكو تضر بالاقتصاد العالمي. كما ذكر موقع DW الألماني، بتاريخ 15 مارس/أذار 2022م في مقال بعنوان ( بعد عزو أوكرانيا…….هل أصبح التحالف مع روسيا ” عبئاً على الصين” ).
وقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية تغيير مواقف الصين اتجاه روسيا، وخاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا ولكنها فشلت في ذلك، لأن واشنطن تريد الحدّ من تعاظم نفوذ الصين في العديد من المناطق الجيواستراتيجية والحيوية لأمريكا، و قيامها بإنشاء قاعدة استراتيجية عسكرية ضخمة في اليونان، وبالتحديد في منطقة ألكسندر روبولي ” دادا اغاتش”، والتي تضم أكثر من 1000دبابة وعربة مدرعة و100 طائرة مروحية عسكرية، والتي تقع على الحدود التركية، الهدف الرئيسي منها هو مراقبة القطع البحرية الصينية في كل من بحر ايجه والبحر الأبيض المتوسط، ولحماية خطوط إمداد الغاز اليوناني المتواجد في شرق المتوسط، والذي تأمل الولايات المتحدة الأمريكية بأن يكون بديلاً عن الغاز الروسي وذلك بعد ضخم استثمارات أمريكية أوروبية مشتركة في مجال الطاقة في 5سنوات القادمة على أقل تقدير. كما ذكر موقع القدس العربي، بتاريخ 13 نوفمبر/تشرين الثاني، في مقال بعنوان (لماذا تؤسس أمريكا لقاعدة عسكرية ضخمة قرب الحدود اليونانية التركية؟).
وعندما فشلت واشنطن في ثني بكين عن المضي قدماً في تحالفها الاستراتيجي مع روسيا، وجه لها الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن تهديداً صريحاً في أحد خطاباته بأنها ستدفع غالياً ثمن وقوفها إلى جانب روسيا، واتهمها صراحة بتقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية لموسكو، وبأنها تحاول وباستعمال شتى الطرق والوسائل الحدّ من تأثير العقوبات الغربية على روسيا، وتدعمها في الكثير من قراراتها التي تعتبر عدائية في نظر الغرب، وخاصة قرار موسكو القاضي ببيعها للغاز والغذاء للدول الغير الصديقة بالعملة الوطنية الروسية الروبل بدل الدولار أو اليورو، وهذا يعني بأن على الدول الأوروبية أن تفتح حسابات مصرفية في البنك المركزي الروسي بعملة الروبل، وهذا فيه تحد واضح وعلني لقرار واشنطن وسياساتها العقابية المنتهجة اتجاه موسكو، الماضية قدماً في عمليتها العسكرية في أوكرانيا، والتي يزداد تحالفها مع الصين قوة وصلابة مع ازدياد الضغوطات الغربية عليها، لأنها باتت تدرك بأن الصين هي أكبر حليف موثوق يستطيع مجابهة الولايات المتحدة الأمريكية وكل حلفاءها، لأنها قد أضحت لاعباً استراتيجياً مهماً في رقعة الشطرنج الدولية، لا تستطيع أي دولة مهما بلغت قوتها أن تتجاهله، فالتحالف الصيني الروسي أصبح بمثابة النواة لتشكيل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، غير خاضع للهيمنة الأمريكية والغربية.
_كاتب جزائري
2022-04-07