العراق يلعب لگو!
اضحوي جفال محمد*
احتياطيات البنك المركزي العراقي من العملة الصعبة تناهز المئة مليار دولار (يتحاشى المسؤولون تقديم ارقام شفافة لاسباب نعود اليها) مودعة في الخارج، والجزء الأكبر منها في الولايات المتحدة (وايضاً لا تتمتع بالشفافية). يضاف إلى ذلك صادرات نفطية تناهز الاربعة ملايين برميل يومياً تفيض عائداتها عن الحاجة فيرسل الزائد منها إلى ذلك الركام عديم الشفافية في البنوك الأمريكية. ومع ذلك يقلق الموظفون كل شهر على رواتبهم وتتناهبهم الشائعات حول عجز المالية عن تغطيتها، وأحياناً تتأخر الرواتب بالفعل فتحصل الشائعات الدورية على جرعات مصداقية.. فأين العلة؟!.
أساس العلة ان العراق ليس حرا في التصرف بأمواله وانما يخضع لوصاية امريكية زالت اسبابها ويجري تمديدها بصمت. وهناك طريقتان للفكاك من قيودها لم تأخذ الحكومات العراقية بأي منهما. الاولى هي إعلان التمرد، ولن ادخل فيه لأن الذي لم يسع لتحرير ارادته في عهد اوباما يستحيل ان يفكر بذلك مجرد تفكير في عهد ترامب. ثم ان اللجوء إلى هذه الطريقة (الاولى) يحتاج قبلها أن يستنفد الطريقة الثانية لتخفيف الاضرار. فالتمرد على الوصاية يضع في الحسبان ان البلد قد يفقد جميع امواله في امريكا. ذلك ان الذي جمّد اموال دولة مثل روسيا لا يعييه مصادرة اموال بلد في مثل حالنا. اذن لا بد من تقليل تلك الاموال قبل المغامرة بها.. هذا بالنسبة للحل الثوري غير الوارد في حسابات احد. وتقليل الاموال هناك هو الطريقة الثانية للفكاك من الهيمنة الأمريكية على أموالنا دون ثورة او تمرد بل ضمن الابواب المتاحة داخل قيود الوصاية ذاتها.
بعد عام 1996 وحين سُمح للعراق بتصدير النفط (مقابل الغذاء) ولم يكن حرا في التصرف بالعائدات بدأت السلطات باستيراد كل ما تسمح به العقوبات، حتى اصبحت مفردات البطاقة التموينية ضخمة جداً، كماً ونوعاً. وهي الفكرة ذاتها التي على الحكومة الحالية اعتمادها في مجالات الحاجة. فما دام الامريكان يعترضون على تسليمنا أموالنا نقداً إلا بقدر لا بأس من صرفها في مجالات لا يعترضون عليها وترفع أعباء ثقيلة عن كاهل البلاد الآن ومستقبلاً، وتحد من الضرر إذا قررت الولايات المتحدة مصادرتها او تجميدها.
على العراق الان ديون بعشرات مليارات الدولارات فما الضرر من إيفائها والتخلص من تبعاتها على الاجيال القادمة!. من الطرائف التي تروى أن رجلاً اقرض آخر مبلغاً ثم راح المدين يماطل في السداد، وذات يوم تصادفا داخل حافلة في رحلة إلى مدينة بعيدة، فذكّر الدائن المدين كما في كل مرة بالمبلغ. وكما في كل مرة اعتذر المدين عن التسديد. وخلال الطريق اعترضتهم عصابة واوقفت الباص وبدأت تسلبهم نقودهم، وحين رأى المدين ذلك اخرج من جيبه المبلغ ودفعه إلى صاحبه وهو يقول (توافينا). وكان على حكامنا الاخذ بحكمة ذلك الشخص ما دامت عصابة ترامب على باب الباص تفتش الجيوب. غير أن الحاصل عكس ذلك تماماً، فالحكومات المتتالية تقترض من الخارج والداخل وتجمع اموالها في خزائن ترامب. والسبب ان كل حاكم يأتي يحاول ارضاء الامريكان عنه ويتجنب اثارة شكوكهم، وكل تقليص للأموال العراقية في بنوكهم يثير الشكوك بأن الفاعل ينوي التمرد.
لو جمع رئيس وزراء عراقي خبراء المال واستشارهم لأرشدوه الى مئة طريقة وطريقة يستطيع بها سحب الاموال وصرفها على حاجات البلاد الملحة وحتى الكمالية إذا اقتضى الحال.. لكن هيهات، يعرفها ويحرفها.
لعبة اللگو معروفة للجميع رغم انقراضها، فمن لم يلحق بها سمع عنها من الذين سبقوه، وهي مضمونة الربح لصاحب اللعبة، فالمقامرون عادة من الأطفال ولا يفقهون أن لهم احتمالاً واحداً وللمرابي خمسة احتمالات. نظرياً يمكن ان يربح الطفل باستمرار، أما عمليا فذاك مستحيل. لكن قد ياتي طفل واعٍ ولديه قدر جيد من النقود فيكرر المراهنة على ذات المربع بعد كل خسارة، ويضاعف المبلغ في كل مرة بحيث يعوض كل خسائره مضاعفة عند اول ضربة للحظ، وطبعاً تاتي ضربة الحظ بالتأكيد، إلا أن صاحب اللعبة وبعد جولتين او ثلاث فقط مع هذا الطفل يدرك ما يقصده، فيعيد اليه نقوده الذاهبة ويطرده. وما على أولياء الشأن العراقيين إلا ان يقتدوا بذلك الطفل ليضطروا صاحب اللگو (ترامب) على تسليمهم اموالهم مع دفعة على الظهر، ولا أظنهم فاعلين.
( اضحوي _ 2289 )
2025-11-29