السّياسة التركية البرغماتية في التعاطي مع الحرب الروسية على أوكرانيا!
عميرة أيسر
تعتبر تركيا من أهم الدول المحورية الفاعلة جيواستراتيجياً في منطقة أوراسيا، باعتبارها تربط بين القارتين الأوروبية والأسيوية، ونظراً لأهميتها الكبيرة في السّياسة الإقليمية في المنطقة، فإنها عملت على الاستفادة القصوى من كل الأحداث السّياسية و الاقتصادية والجيوسياسية التي حدثت منذ استلام أردوغان زمام السلطة في عام 2013م، عندما شغل لأول مرة منصب رئيس وزراء تركيا لغاية 2014م، ثم انتخب بعدها رئيساً لها لغاية اليوم، فالسّياسة البرغماتية التي انتهجها أردوغان، والتي اعتمدت على تغليب المصلحة العليا للدولة على سياسة التحالفات الدولية التقليدية للدولة التركية، وهو الذي حاول موازنة موقع تركيا الجغرافي وموروثها التاريخي والديني المشرقي، مع قيم الحداثة الأتاتوركية الغربية الأوروبية، التي نظّر لها وأرساها مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك سنة 1924م، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية سنة 1923م، حيث أصبح أول رئيس للجمهورية التركية إلى غاية 1938م، فالمخاض التاريخي العسير الذي خاضته تركيا لتتحول لدولة شرق أوسطية إقليمية مهمة في توازنات السّياسة الدولية، مرّ عبر العديد من المحطات المهمة، فتركيا التي انضمت لحلف الناتو بتاريخ 18 فيفري/ شباط 1952م، وأصبحت من أهم أدواته الفاعلة في الإقليم، والدولة التي تضم أكبر قواعده العسكرية، وهي قاعدة أنجرليك التركية، بالإضافة لذلك فإن جيشها يعتبر ثاني أكبر جيش في حلف التاتو بعد الولايات المتحدة الأمريكية، اتخذت مواقف متباينة من الغزو الروسي لأوكرانيا، وذلك بناء على مجموعات من المعطيات والمؤشرات السّياسية والاقتصادية والعسكرية، المرتبطة بتغير موازين القوى على الأرض في أوكرانيا، وذلك وفقاً لحسابات المكاسب والأضرار، فأروغان الذي يرى في أوكرانيا دولة ذات اهمية جيواستراتيجية في أوروبا الشرقية، سارع لإدانة الغزو الروسي لهذه الدولة، تماشياً مع مواقف دول حلف الناتو، حيث أكد أردوغان الذي تقصف طائرات بدون طيار من نوع بيرقدار تي بي 2 التركية، والتي زود بها الجيش التركي نظيره الاوكراني، أرتال الجيش الروسي حالياً، بأن أنقرة ترى في التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، مخالفاً للقانون الدولي، وتعتبره ضربة قاصمة تضر بأمن المنطقة واستقرارها ورخاءها. كما ذكر موقع الحرة، بتاريخ 24 فيفري/ شباط 2022م، في مقال بعنوان( “الغزو الروسي لأوكرانيا”، يضع أردوغان أمام خيرات صعبة).
فتركيا التي تحاول أن تكون من أهم المستفيدين من الصراع الروسي الأمريكي في أوكرانيا، والتي تربطها اتفاقيات صداقة وتعاون واتفاقيات اقتصادية وعسكرية مع كييف، لا تريد خسارة روسيا التي تعتبر حليفاً مهماً لها في سوريا، فروسيا التي تتقاطع مصالحها مع تركيا في سوريا، فكلا الدولتان تريدان كبح جماح الحركات والمنظمات الإرهابية في الشمال السوري، والمدعومة أمريكياً وغربياً كتنظيم ” قصد”، ” قوات سوريا الديمقراطية”، بالإضافة ” لوحدات حماية الشعب الكردية”، والتي تعتبر أهم تهديد استراتيجي وأمني لتركيا على حدودها الشمالية مع سوريا، بينما تتضارب وتتصارع مصالح الدولتان في مناطق تماس جغرافي مهمة على رقعة الشطرنج الدولية كليبيا وأذرابيجان، فعلاقات الشدّ والجذب بين موسكو وأنقرة، دفعت بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لزيارة تركيا، والتي وصلها مساء الثلاثاء، لمناقشة العديد من المواضيع السّياسية والاقتصادية التي تشغل بال القيادات السّياسية في كلا البلدين، كالوضع في شمال سوريا، والعملية العسكرية التي تنوي أنقرة شنها ضدّ ما تصفهم بالجماعات الإرهابية، بالإضافة لمناقشة مسألة كيفية نقل الحبوب الأوكرانية من موانئها إلى وجهاتها التصديرية، والتي لابد لها من أن تمر عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، وهي المضائق المائية التي تسيطر عليها أنقرة بشكل كامل، تنفيذاً لما جاء في اتفاقية مونترو الدولية، والتي تنص على أن لتركيا الحق في باعتبارها جزء من حلف الناتو، في السيطرة على مرور السفن بين البحر الأبيض المتوسط، و البحر الأسود.
فروسيا بوتين لا تريد الدخول في صراع سياسي أو عسكري مع تركيا، التي تستطيع عرقلة مرور السفن التجارية و العسكرية الروسية عبر مضائقها البحرية، وذلك إن أقدمت موسكو على توتير العلاقات الدبلوماسية معها، فأروغان الذي يريد استمالة روسيا بعد توتر علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، الذي وجه نقداً لاذعاً لتركيا كما قال رئيس البرلمان التركي مصطفى شطوب، عندما قتل في تصريح صحفي بأن الاتحاد الأوروبي يرى بأن هناك هوة عميقة في القيم بينه وبين تركيا، في إشارة ضمنية لما يراه قادة الاتحاد الأوروبي، ازدواجية في المعايير، في سياسة أردوغان الخارجية، في تعاطيه مع الملف الأوكراني، فهو من جهة يدين بأشد العبارات عزو روسيا لأوكرانيا، ولكنه يقوم في المقابل باستقبال وزير خارجيتها سيرغي لافروف، الذي يعد من أهم الشخصيات السّياسية في حكومة فلاديمير بوتين، التي شملتها العقوبات الغربية ضدّ روسيا.
سيرغي لافروف الذي حظي باستقبال بروتوكولي قلما حظي به وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين زاروا أنقرة في السنوات الفارطة، قد أعرب في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التركي جاوييش أوغلو عن أمله في حل المشكلات المتعلقة بنقل شحنات الحبوب من موانىء أوكرانيا، بشرط نزع كييف للألغام البحرية من المياه المحيطة بتلك الموانىء، فيما أكد نظيره التركي على أن هناك آلية يمكن انشاءها بين الأمم المتحدة وروسيا وأوكرانيا وتركيا، لاستحداث ممر لنقل الحبوب، وأنقرة ترى بأن هذه الآلية فاعلة للتطبيق. كما ذكر موقع العربي، بتاريخ 8 جوان/يونيو 2022م، في مقال بعنوان(لافروف في أنقرة، تركيا تتحدث عن إمكانية فتح ممر لنقل حبوب أوكرانيا).
فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يراقب ما يجري أوكرانيا منذ شهرين، في ظل الانتصارات المتتالية التي حققها الجيش الروسي هناك، لا يريد اغضاب موسكو، خاصة وأن تركيا تعتبر من أهم الدول المستوردة للغاز الروسي، فهي التي تزود انقرة بحوالي 50 بالمئة من احتياجاتها من هذه المادة الطاقية المهمة للاقتصاد التركي، فأروغان يعتبر تلك العلاقات التي تربط بلاده بموسكو في المجال الطاقوي علاقة استراتيجية، لا يمكن له كسرها أو التخلي عنها بسهولة، خاصة في الظروف الراهنة التي يمر بها الاقتصاد التركي، الذي يعيش حالة من التراجع، إذ تعاني تركيا من انخفاض سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، وارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة وارتفاع الأسعار، هذا إلى جانب الركود الاقتصادي بفعل تداعيات جائحة كورونا، فأروغان الذي يفكر في عهدة رئاسية جديدة، لا يبيد خوض غمار مغامرة سياسية غير محسوبة العواقب، والوقوف في صف كييف، على حساب موسكو، لأنه يعيي جيداً بأن اقدامه على اتخاذ خطوة كهذه، يمكن لها إنهاء مشواره السّياسي للأبد.
فالرئيس التركي سيستمر في تزويد أوكرانيا بأسلحة دفاعية وليست هجومية، و غير كاسرة للتوازنات العسكرية فوق الأراضي الأوكرانية، وسيسمح لبوتين بالسيطرة على شرق أوكرانيا، مبقياً على علاقاته الودية مع الرئيس زلينسكي، وستسمر أنقرة في استيراد القمح من أوكرانيا، واستقبال اللاجئين الأوكران، وذلك تأكيداً على علاقات الصداقة بين البلدين، و بالمقابل فإن القوات التركية لن تقوم بأعمال عسكرية تصعيدية في سوريا، أو الاقدام على إغلاق مضائقها البحرية في وجه السفن الروسية، وستتجنب أي نوع من الصراع مع روسيا، فالسّياسة البرغماتية التركية ستحاول الاستفادة لأقصى حدّ ممكن من الحرب الروسية على أوكرانيا، مادام أن السّياسة الدولية قائمة على لغة المصالح، التي تجبر أردوغان على تغيير مواقفه السّياسية في كل مرة، وذلك تماشياً مع مصالح الدولة التركية في النهاية.