يمكن أن نضيف الكثير على لائحة المفردات الثقافية التي تغيرت في هذا البلد، وفي بلدان الغرب عامة، رغم ثبات القاعدة المادية للمجتمعات. ولا يفوتنا أن نذكر أن أكبر تغير حصل في الثقافة الدنماركية، بشكل خاص، ترتب على مشاركة البلد في غزو العراق عام 2003، والذي أدى، من ناحية، إلى القضاء على الجوانب المشرقة في ثقافة العراق بتدمير قاعدته المادية، ونشر الفساد والثقافة الطائفية فيه، وإعادة المرأة ألفي سنة إلى الوراء، ومن ناحية أخرى إلى انتقال البلد نفسه، أي الدنمارك، إلى وضع ثقافي مختلف.
كاذب من يدعي أنه يعمل على تحرير الإنسان في مكان، لكنه يعمل كل شيء لإعادته إلى العبودية وسحقه في مكان آخر. نحن البشر إما أن نكون أحرارا جميعا، أو بدرجة أو أخرى عبيدا جميعا. قد نرى أننا أحرار، لكن لا ندرك أن عبودية غيرنا تنتقص من كوننا أحرارا.
مشاركة الدنمارك في غزو العراق كانت انتكاسة للثقافة الدنماركية، وأكبر هزيمة تلحق بالنخب الثقافية الدنماركية التي تغاضت عما يقوم به نظامها السياسي خارج الدنمارك، وآثرت الانشغال بتطوير أفق الثقافة الديمقراطية في الداخل. كانت كبوة هذه النخب تكمن في تجاهلها العلاقة الديالكتيكية بين ما يحدث في الخارج، وما يحدث في الداخل. إذا كان الداخل قد سمح، أو أرغم على السماح، للنظام السياسي بارتكاب مخالفة قانونية دولية من الطراز الثقيل في الخارج فإن تداعيات تلك المخالفة كان لا بد لها أن تنعكس سلبا على الداخل.
كانت حصيلة عدوان عام 2003 على العراق توسيع دائرة تهمة الإرهاب لتتعدى القاعدة وطالبان في أفغانستان فتشمل كل من يقف بوجه الهمجية الأمريكية في العالم، وبالدرجة الأولى الشعوب المسلمة التي تعتبر أكبر المستهدفين من الامبريالية الأمريكية. صار الإرهاب تهمة يوصم بها كل من يعارض السياسة الأمريكية في العالم، وطبعا كل من ينتمي إلى الإسلام حتى لو كان ملحدا، أو يدعي الإلحاد، ولم يكن مباليا للسياسة، ولا حتى معارضا لسياسة العدوان والنهب الأمريكية. أنت مسلم فأنت مشتبه بك في موضوع الإرهاب.
لقد كان أمرا مفهوما في تلك الحال لو أن المجتمع بدأ يتوجس خيفة من خطر الإرهاب الذي شارك البلد بنفسه في خلقه. لكن ما حصل كان أكبر من مجرد التوجس، فقد وقع انقلاب ثقافي لم يتوقف عند حدود الحذر، وتغيير السلوكات تحسبا لوصول المد الإرهابي إلى الدنمارك. لقد تعدى الانقلاب تلك الحدود، ونشأت عام 2005، بما سميت بالرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى الرسول الأعظم محمد، ثقافة استفزاز الآخرين، وثقافة ازدراء أقليات أصبحت جزءً لا يتجزأ من نسيج المجتمع الدنماركي.
إنه من الثقافة الدنماركية أن تبذل كل الجهود التربوية لتمنع ظاهرة تنمر تلاميذ المدارس الصغار بعضهم على بعض، فكيف يمكن أن يكون التنمر على الكبار، أو استفزاز أقليات مجتمعية، مباحا في نفس الثقافة؟ كان ذلك الاستفزاز سلوكا غريبا ومستهجنا في الثقافة الدنماركية القديمة، ولم يعد كذلك! لقد أصبح حقا مقدسا اسمه “حرية التعبير”.
تداعيات الإرهاب في “مكافحة الإرهاب”
كان من تداعيات توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل حركات التحرر، والقوى التي لا تريد الخضوع للهيمنة الأمريكية، سن ما يسمى بـ “قوانين الإرهاب”. هذه القوانين كانت بحد ذاتها انقلابا على الإطار العام للثقافة، أي النظام السياسي والقضائي في البلدان الغربية جميعها. في الثمانينيات من القرن الماضي لم يكن مسموحا للشرطة استحصال المعلومات من المؤسسات المدنية عن أي شخص. مثلا، تستحصل الشرطة معلومات معينة عن شخص طلب اللجوء في الدنمارك وحصل عليها، ثم تم تحويله إلى هيئة مساعدة اللاجئين التي تتولى أمر دمجه في المجتمع الدنماركي. لم يكن بإمكان الشرطة الاتصال بتلك الهيئة بغرض التحقق من تطابق معلوماتها مع ما لدى الهيئة. وكان تسرب تلك المعلومات مخالفة يعاقب عليها القانون. وكانت الحياة الخاصة للمواطن مصونة إلى أقصى حد، وكان أي تسجيل للانتماء الديني للمواطن ممنوعا بسبب ما تسببت بها تلك السجلات لليهود أثناء الحرب العالمية الثانية. إن المواطن الدنماركي نفسه تنازل الآن عن هذه المنجزات الرائعة التي تحققت بكفاح وتضحيات أجيال من النخب الدنماركية المؤمنة بالقيم الإنسانية، لماذا؟ لأن المواطن صار يرى تقييد الحريات والحقوق مقابل ضمان الأمن شيئا لا اعتراض عليه. لكن من الذي أخل بالأمن؟ اليمين الذي زج البلد في الحروب، في العراق أولا، ثم في ليبيا، وغيرها، ثم ابتدع ذريعة الإرهاب للتضييق على الحريات. إن اليمين أصبح منذ ذلك الوقت صاحب المبادرة في صياغة ثقافة المجتمع.
الظروف المتشابهة تخلق ثقافة متشابهة
لقد أدى الخوف من “الإرهاب الإسلامي” إلى التنازل عن مكتسبات في الثقافة الديمقراطية كانت تبدو راسخة رسوخ الجبال. في عام 2003 قام الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، بزيارة قصيرة إلى العاصمة الدنماركية، وجرى حينها قطع بعض الطرق التي كان من الممكن أن يمر فيها موكبه، فتعطل السير. لا يمكن نسيان مشهد ذلك الرجل الدنماركي الذي نزل من سيارته، وتوجه إلى شرطي يقف على مقربة منه، وسأله عن سبب قطع الطريق، فأجاب الشرطي بأن بوش يزور المدينة، فوقف الرجل في وجه الشرطي وقفة تحد قائلا: “هل يتوجب علي التنازل عن حريتي في التنقل لأن أحدهم يزور المدينة؟ هذه مصادرة لحريتي.” لم يحر الشرطي جوابا، فعاد الرجل إلى سيارته غاضبا.
مثل هذا النموذج من الدنماركيين الكلاسيكيين الذين لا يجدون في زيارة رئيس أكبر دولة لبلدهم مبررا لتأخير برامجهم اليومية لبضع دقائق (لنتذكر أن المواطن العربي متعود على قطع الطرق لساعات، ومرتين كل يوم بسبب مرور موكب السيد الرئيس)، صاروا بعد فترة قصيرة لا يرون بأسا في أن تقوم قوات الأمن بمداهمة البيوت بعد منتصف الليل، والدخول فيها بعد كسر الأبواب، والعوائل نيام، تماما كما تفعل قوات الأمن في بلدان الشرق الأوسط. نعم حصل هذا، فالأمن صار مبررا للتراجع عن الثقافة الديمقراطية، وحكم القانون.
ليس المقصود هنا مناقشة مشروعية عمليات أمنية صادمة من هذا النوع، فالجهات الأمنية تتخذ إجراءاتها وفقا لحساباتها وضرورات تحقيق الأمن، ولا بد أنها تستحصل الموافقات الرسمية السياسية والقضائية للقيام بها. المهم هو التشديد على أن ثقافة إرهاب العوائل الآمنة ليست حكرا على عرق دون آخر، بل هي تنشأ مع الظروف التي يمر بها أبناء ذلك العرق. في الدنمارك أيضا يمكن أن يحصل هذا، وليس فقط في عراق صدام حسين، وفي الصومال.
وليس هذا وحسب، بل إن كون الممارسات الثقافية، السياسية منها وغيرها، لا علاقة لها بالعرق، بل بالظروف، تجعل الإنسان الذي وضع كل ثقته بالنظام الديمقراطي الإنساني يشعر بالقلق. إن ثقافة الخوف والقلق تتعزز باستمرار. في ظل الحرب العالمية الثانية تعرض اليهود في أوروبا للاضطهاد النازي. لقد ساعد كثير من الدنماركيين اليهودَ في الهروب إلى السويد حيث كان من السهل عليهم الاختفاء. أما على مستوى رسمي فإن إلقاء القبض على اليهود الدنماركيين كان سهلا بفضل تحديد الدولة في سجلاتها الانتماء الديني للمواطنين – والدنمارك تم احتلاله أصلا من قبل النازيين. وقد جرى في حالات كثيرة تسليم اليهود إلى الألمان. وعلى إثر ذلك منع بعد الحرب العالمية الثانية إدخال الانتماء الديني في سجلات الدولة. هل من أحد يضمن الآن، في زمن قوانين مكافحة الإرهاب، وجود سجلات بأسماء المسلمين في الدنمارك؟ لا، لا ضمان، فالشرطة الدنماركية تسأل طالب اللجوء ليس فقط عن دينه، بل وحتى عما إذا كان شيعيا أو سنيا؟ هل تتلف تلك السجلات بعد التحقيق؟ طبعا لا، وإلا لماذا يريدون أن يعرفوا السني من الشيعي؟ وهل سيكون الخوف بعد الآن من جهة خارجية، كالنازيين؟ لا، فاليمين المتطرف ليس أقل شرا من النازيين.
فايروس كورونا .. وتوسيع دائرة الخوف
وفقا لعالم النفس الأمريكي ابراهام ماسلو (1908-1970) صاحب نظرية “تسلسل الحاجات الهرمي”، التي صنف ماسلو بموجبها الأولويات في حياة الإنسان الفرد، فإن الحاجة إلى البقاء على قيد الحياة، ومن مقوماتها الحصول على الطعام، والقيام بالعمليات الحياتية، والنوم والجنس، تعتبر على رأس أولويات الإنسان، تليها حاجة الشعور بالأمان، ثم تأتي الأشياء الأخرى. وعلى هذا يشهد أن الناس في مناطق الاضطرابات والحروب يخرجون إلى العمل والكسب رغم مخاطر الموت أو غيرها. ويشهد على ذلك أيضا أن الجنود ينامون عندما ينهكون في ساحة المعركة، مع استمرار القصف عليهم. وكذلك فإن بعض المجانين ينحرفون وهم في ذروة الاشتباك مع العدو إلى ترك سلاحهم والانشغال باغتصاب النساء. كما يشهد على ذلك أيضا أن النساء يصبحن حوامل، وينجبن وهن في المخيمات التي تنعدم فيها أبسط شروط الحياة، وترتفع مستويات التعرض للأخطار، بما في ذلك الهروب، أو الموت بالرصاص، أو القنابل، أو جوعا. وتجد أحيانا عوائل لدى كل منها سرب من الأطفال ولدوا، وترعرعوا في ظل الحروب المتواصلة، وأهوالها. هكذا هم الفلسطينيون، والعراقيون، والسوريون، واليمنيون.
كل هذه الأمور نفهمها، بصرف النظر عن منطقيتها. وقد تجرنا نظرية ماسلو في الظروف العادية إلى الحديث باستغراب عن عكس تلك الظاهرة، أي أن تتوفر للإنسان كل حاجاته، من أولها إلى آخرها، ويعزف مع ذلك عن إنجاب الأطفال، أو الاكتفاء بالحد الأدنى منهم، مثلا طفلين. الدنمارك مثال حي على هذه الحالة، فالدنماركيون يقولون بأنفسهم أنهم شعب مدمن على الأمان. الإنسان الدنماركي يكون في رعاية الدولة من ساعة تشكله كجنين في بطن أمه إلى ما بعد وضعه في القبر، فهذا الإنسان تتوفر لأمه كل الرعاية الصحية قبل الولادة، وأثناءها وبعدها. وبمجرد أن يولد تصرف الدولة لأمه مساعدة شهرية لتخفيف عبء مصروفاتها. وهذا الإنسان يتمتع بحق الرعاية الصحية، ورعاية الأسنان، وحق الدراسة، والحماية القانونية حتى من تسلط والديه، وبمجرد أن يبلغ من العمر ثمانية عشرة عاما تحق له مساعدة الدراسة. وإذا عمل وأصبح عاطلا عن العمل، يضمنه صندوق البطالة لفترة طويلة. وإذا سافر وجد من حوله أنواعا من التأمينات، منها الصحية، ومنها حق الإعادة إلى البلد، وفي المكان الذي يسافر إليه يجد دولته متمثلة بالسفارة تؤمن له كل الرعاية. لماذا ظل هذا الشعب طوال عقود من الزمن محافظا على عدد أبنائه، بحدود خمسة ملايين، في الوقت الذي قفز عدد سكان العراق المبتلى بالحروب، والفقر، وانعدام الأمن، من ثلاثة عشر مليونا إلى أربعين مليونا؟ الأغرب من هذا هو أن الأسر الدنماركية، ومع تصاعد الخوف من الإرهاب، صارت تعيد النظر في عدد الأطفال الذين تريد إنجابهم. هناك الآن رغبة ملحوظة في إنجاب أكثر من طفلين. نقول مع غمزة من العين أن ذلك تقليد دنماركي لثقافة العرب المغلوبين على أمرهم!
لكن، كما ألمحنا، فإن النظرية يمكن أن تجرنا إلى مثل ذلك الحديث. ونحن نُعرض عنه، فالنظرية لها أهمية أكبر في جانب آخر، فنحن نسجل أن الحاجة إلى الشعور بالأمن – وليس إلى الأمن نفسه لأنه متوفر، أصبحت القوة المتحكمة بالثقافة في بلدان الغرب عامة. إن ثقافة الخوف هي السائدة اليوم، فبعد سنتين من الصراع مع فايروس كورونا الذي حل محل “الإرهاب الإسلامي” بدأت ملامح جديدة تظهر للعلن.
الكورونا إرهاب قبل أن يكون أي شيء
إن ثقافة الخوف والتخويف وادعاءات الضرورات الأمنية تقوض أصلا حالة الشعور بالأمن، وتبعث على القلق. وكل هذا بفضل اليمين العنصري الذي بادر إلى المشاركة في الحروب العدوانية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، ومن ثم نشر الخوف، وضيّق على الحريات تحت ذريعة الإرهاب. إن اليمين المتطرف كان على الدوام يحاول بث سمومه عن طريق التأكيد على الشعار الشعبوي “نحن الأخيار .. وهم الأشرار”. لكنه لم يدرك حتى الآن أن هذا التحريض على “هم” انتهى بوضع إشارة التساوي بين “نحن” وبين “هم”، فقد تساوينا في السلوك المنافي للإنسانية. وصل الأمر حد سلب النساء السوريات، طالبات اللجوء في الدنمارك، أساورهن وأقراطهن للصرف على إطعامهن! خزي ما بعده خزي.
إن أكذوبة ارتباط الثقافة بالعرق التي ينشط اليمين العنصري في نشرها، لا تكف عن تسجيل الفضيحة تلو الأخرى، معلنة إفلاس هذا اليمين. هذا المجتمع الذي بلغ من الرقي حدا صار معه يترفع عن اضطهاد الأقليات أو الإساءة إليها حتى لفظيا، فلم تعد عبارة “غجري” توحي إليه بشيء سلبي، يبدو أنه كان في سريرته يبحث عن ضحايا آخرين، غير الغجر، ليميز بينهم على غرار “نحن الأخيار .. وهم الأشرار”. بعد أن كان الضحية الإسلام والمسلمون، برزت الآن، في ظل جائحة كورونا، فئة جديدة لتتعرض للاضطهاد، فتحول الشعار إلى “نحن الأخيار آخذو اللقاح ضد كورونا .. و هم الأشرار الرافضون للقاح”. هناك اليوم تمييز مضحك ضد فئة الرافضين لأخذ اللقاح، ليس فقط على المستوى الفردي والشعبي، بل وعلى المستوى الرسمي، فلا مكان في سوق العمل بعد اليوم لمن يرفض الانضمام إلى حزب المتلقحين، أو ما يمكن أن نسميه من باب السخرية “حزب البعث الفايزري الدنماركي“.
مرة أخرى، ليس السياق هنا كون هذا الإجراء صحيحا أو خاطئا، لكنْ، المهم هو أن أية ظاهرة ثقافية تُسجل عند شعب من الشعوب في ظل ظروف معينة، يمكن أن تسجل مثيلتها عند أي شعب آخر إذا تعرض لنفس الظروف. وكما يقال، فشر البلية ما يضحك. في عراق صدام حسين كنت تواجه عند الدخول إلى أية دائرة حكومية يافطة كتب عليها “الموظف الجيد هو البعثي الجيد”. نكاد اليوم نرى اليافطة نفسها في كل مكان في الدنمارك “المواطن المتلقح هو المواطن الجيد”، ويجري تجريد غير المتلقح من حريات عامة كثيرة، وحقوق أساسية بما في ذلك الحصول على عمل. صرنا نشهد مكافأة المتلقح ومعاقبة غير المتلقح كما كان يتم مكافأة المنتمي إلى حزب البعث ومعاقبة غير المنتمي إليه في العراق. وفي عراق صدام حسين كان العراقي يتجنب من ليس بعثيا فقد كانت العلاقة مع شخص غير بعثي قد تجر عليه المصائب، حتى لو كان قريبا، ومن العائلة. واليوم صار لدى المواطن الدنماركي ما يجعله يفر من غير المتلقح، ويرفضه حتى في المناسبات العائلية .. بمباركة رسمية.
انقلاب ثقافي جديد
بعد سويعات من وصول هذه المقالة إلى خاتمتها، أقدمت السلطات السياسية، مدعومة بتوصيات من السلطات الصحية، على إصدار قرار مفاجئ برفع كل التقييدات المتعلقة بفايروس كورونا وآخر متحوراته، الأوميكرون، اعتبارا من الأول من شهر شباط المقبل. هكذا فجأة، مع أن فصل الشتاء لم ينته بعد؟ لا إنه ليس هكذا، وليس فجأة.
لا ندعم أية نظرية للمؤامرة عندما نسجل استغرابنا لهذه المفاجأة، إنما نرى أن القرار ثقافي أكثر من كونه صحيا، فقسم كبير من الدنماركيين لم يعد يثق بما جرى اتخاذه من تدابير لمكافحة كورونا. كورونا ما يزال، كما كان، فايروسا خطرا وقاتلا لفئات عمرية معينة، والإصابات به سجلت أرقاما قياسية في الأيام الأخيرة. وزاد أيضا عدد الداخلين إلى المستشفيات بسببه، والمتوفون. لماذا، إذن؟
الشعب الدنماركي يحب الحرية ويعشقها، ولا يمكن أن يستمر في الصبر على مصادرة هذه الحرية منه. ويبدو أن النظام السياسي الدنماركي مستعد الآن لدفع ثمن ما مقابل عدم التعرض لهذه الحرية، إذ يمكن دائما تبرير وقوع أعداد من الإصابات، وفقدان بعض المصابين. أما ثمن مصادرة الحرية فقد يكون أكبر من ذلك بكثير، مثلا أن يعاقب المواطن هذا الحزب أو ذاك في الانتخابات القادمة قريبا!
مرة أخرى لا علاقة بين هكذا ممارسات وبين الأعراق. إنها في كل الأعراق، وكل شيء يشير إلى نتيجة حتمية .. إفلاس اليمين العنصري، فكونه دنماركيا لا يعني أنه لن يرتكب ما يرتكبه كل المتخلفين في أية أمة، ودائما.