يبدو أن طهران قد عزمت على المضي قدماً في مشروعها النووي، بعدما أدركت بأن الولايات المتحدة الأمريكية غير جدية فيما يخص التوصل لإبرام اتفاق نووي يكون مرضياً لجميع الأطراف، خاصة بعد أن عارض الكثير من أركان الإدارة الأمريكية المحيطين بجوزيف بايدن تقديم تنازلات حاسمة تؤدي بطهران لتخفيض نسب تخفيض اليورانيوم أو على الأقل تجميد عمليات تخصيبه مؤقتاً، فيما ذهب عدد من الخبراء في أمريكا إلى التحذير من تساهل الإدارة الأمريكية في التعامل مع البرنامج النووي الإيراني المعيب بشدة كما وصفوه، و اعتبروا ذلك بمثابة الفرصة الذهبية التي تمنحها إدارة بايدن لطهران، من أجل تحسين شروطها التفاوضية، وبالتالي امتلاك قدرة أكبر على المناورة السّياسية واستعادة عافيتها الاقتصادية، بعد أن يتم رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من طرف واشنطن منذ أكثر من 3 عقود، ومن هؤلاء الخبراء الدكتور مجيد رافع زاده، رئيس المجلس الأمريكي للشرق الأوسط، الذي أكد في تقرير نشره معهد ” جيتستون الأمريكي”، بأن إدارة الرئيس جوزيف بايدن ليس هدفها هو الوقف الدائم للبرنامج النووي الإيراني المعيب بشدة، ولكن مجرد تقييد البرنامج النووي الإيراني لفترة زمنية، ترفع خلالها العقوبات التي تضر إيران اقتصادياً، وأضاف بأن إدارة بايدن اقترحت فترة تقييد جديدة مدتها 25عاماً، مفترضة أن إيران لن تخفضها إلى عشر سنوات أو خمس سنوات. كما ذكر موقع DW الألماني، بتاريخ 12 ديسمبر/ كانون الأول 2021م، في مقال بعنوان (بايدن يخطىء في محاولته أحياء البرنامج النووي الإيراني). فبايدن الذي يعاني من مشاكل داخلية تتعلق بمستوى رفاهية المواطن الأمريكي، والمشاكل الاجتماعية المنجرة عن ارتفاع ثمن السلع والمواد الاستهلاكية الأساسية، وأسعار المحروقات، وما يتبعه من ارتفاع في أسعار الوقود العادي ووقود الطائرات، ونتائج استطلاعات الرأي التي تشير إلى احتمال تراجع عدد مقاعد الحزب الديمقراطي في التجديد النصفي لأعضاء مجلس النواب، بالإضافة للضغوط التي يتعرض لها من صقور الكونغرس، والإعلام الأمريكي، والتي تطالبه بضرورة فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية وحتى العسكرية على إيران، وعدم رفع اسم الحرس الثوري الايراني من قائمة التجمعات والأحزاب والكيانات والتنظيمات التي تتهمها واشنطن بأنها راعية للإرهاب، وهو الذي أدرج أحد فروعه، ” فليق القدس”، في قائمة عقوبات مكافحة الإرهاب سنة 2017م، حيث أن المؤسسة العسكرية والأمنية، متمثلة في رئيس هيئة الأركان الجنرال مارك ميلي الذي قال في شهادته أمام أعضاء الكونغرس الأمريكي، بأن فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، منظمة إرهابية ولا أؤيد شطبه من قائمة المنظمات الإرهابية، وهو المتهم أمريكياً بأنه قد درب وسلح كوادر حزب الله اللبناني، وبأنه المسؤول عن تطوير برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، واتهمه بأنه من يقف خلف مقتل العشرات من جنود الجيش الأمريكي في سوريا والعراق، وهو التنظيم الإيراني المتهم إسرائيلياً بأنه المسؤول الأول عن تقديم الدعم المالي والعسكري والعملياتي لمختلف حركة المقاومة الفلسطينية في قطاع عزة، والمسؤول كذلك عن تزويدها بالكثير من المعلومات الاستخباراتية العالية الدقة، التي مكنتها من القيام بعمليات نوعية في العمق الصهيوني، فيما يرى المؤيدون لرفع الحرس الثوري الايراني من قائمة الإرهاب الدولي، بأن التهديد الذي يشكله الحرس الثوري الايراني، وغيره من الكيانات المدرجة في قائمة الإرهاب سيكون أسوء بكثير اذا حصلت إيران على أسلحة نووية، كما يعني ضرورة إتمام الانفاق، وفقاً ” وول ستريت جورنال”. كما ذكر موقع SKY NEWESبتاريخ 7 أفريل/نيسان 2022م، في مقال بعنوان ( فيلق القدس وقائمة الإرهاب …. رئيس الأركان يحدد موقفه). فالولايات المتحدة الأمريكية حالياً تعيش تقريباً نفس الظروف السّياسية، التي عاشتها خلال عملية الغزو الأمريكي لفيتنام، عندما انقسمت النخب السّياسية والعسكرية الأمريكية لفريقين، حيث أيدت إدارة نيكسون الغزو الأمريكي لفيتنام، بينما وقفت النخب الديمقراطية، والكثير من أنصار التيار اليساري ، الذي قاد المظاهرات في شوارع أمريكا المختلفة ضد الحرب، حيث رفع المتظاهرون حينها لافتات تدين استمرار الحرب الأمريكية على فيتنام، وقاموا بإحراق بطاقات التجنيد، وذلك بعد أن وصل عدد القتلى الجنود الأمريكيين خلال الحرب لحوالي 58220 ألف مقاتل، مما اضطر نيكسون لسحب قواته منها سنة 1973م، قبل أن تسقط فيتنام بشكل كامل عام 1975م، من قبل حكومة الشمال الشيوعية ، وقوات ” فيت كونغ”. وهو نفس السيناريو الذي يتكرر اليوم، حيث أن أمريكا تشهد انقساماً داخلياً عميقاً فيما يخص الملف النووي الإيراني، باعتبار أن إيران مصنفة من قبل المؤسسات السّيادية الرسمية في البلاد، بأنها من أعداء الولايات المتحدة الأمريكية الذين يشكلون تهديداً حقيقياً على الأمن القومي الأمريكي ومصالحها الأستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط. كما ذكر موقع INDÉPENDANT في مقال بعنوان (في ذكراها ال 50 كيف غيرت حرب فيتنام أمريكا ثقافياً وسياسياً وعسكرياً؟). فبايدن يعيش فترة حرجة جداً، فهو من جهة مطالب بالضغط على إيران من أجل الامتثال لمطالب الأمريكية المتعقلة بمنع إيران من رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، والسماح لفرق التفتيش الدولية بإجراء زيارات روتينية ودورية للمفاعلات النووية بما فيها تلك التي تقع تحت سطح الأرض، ومنع إيران من امتلاك القنبلة النووية، وهو ما يتخوف منه قادة البنتاغون لأن التقارير الاستخباراتية التي تصلهم، تأكد بأن إيران إلى جانب سعيها للاستفادة القصوى من الطاقة النووية، واستعمالها للأغراض السلمية البحتة، كتوليد الطاقة الكهربائية أو توظيفها في مشاريع طبية أو صحية أو زراعية…الخ، فإنها إلى جانب برنامجها النووي السلمي فإنها تمتلك برنامجاً نووياً عسكرياً سرياً لتطوير صواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية ذات شحنات متفجرة متفاوتة الأحجام والمديات، وتمتلك قدرة تدميرية عالية جداً. ومن جهة أخرى فهو مطالب بالالتزام بتعهداته التي قطعها خلال حملته الانتخابية و الوفاء بالتزاماته الدولية، والقاضية بالعودة لبنود الاتفاق النووي الذي ابرمته إدارة الرئيس باراك أوباما إلى جانب القوى الدولية مجموعة (5+1)، في العاصمة النمساوية فيينا، والتي تشمل تقليص النشاطات النووية الإيرانية، في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها، وصرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما في حينه للصحافة الدولية قائلاً : بأن هذا الاتفاق المبرم سيقطع الطريق أمام إيران للحصول على الأسلحة النووية. كما ذكر موقع BBC عربي، بتاريخ 14 جويلية/ يوليو 2015م، في مقال بعنوان ( الإعلان الرسمي عن اتفاق ” تاريخي” بشأن برنامج إيران النووي). ويبدو بأن إيران تدرك ذلك جيداً، خاصة وأن جهود الولايات المتحدة الأمريكية منصبة بالكامل على أوكرانيا، وتسعى جاهدة وبكل الطرق والوسائل الممكنة من أجل إخراج القوات الروسية من أوكرانيا، وستحاول بالتالي كسب مزيد من الوقت، وستقوم بتقديم تنازلات أكثر من أجل إرضاء الجانب الإيراني، الذي يبدو بأنه مصمم على المضي قدماً في برنامجه النووي، ورفع نسبة اليورانيوم المخصب، وزيادة إنتاجه بما يسمح لها مستقبلاً بتصنيع القنابل النووية، وحتى الهيدروجينية، فالقيادة الإيرانية لن تغتر بالوعود والتطمينات الأمريكية برفع العقوبات الاقتصادية الدولية عندها، والافراج عن كل الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الغربية، في مقابل إيقاف برنامجها النووي، مادام أن استمرار العقوبات الاقتصادية ضدها لسنوات طويلة، قد اكسبها خبرة سياسية واقتصادية كبيرة، وتعلم الشعب الإيراني خلاب تلك الفترة، كيف يتعامل مع هذه العقوبات الاقتصادية الخانقة، ويكيف نمط حياته على أساسها، ويتحول من شعب مستهلك إبان فترة الشاه محمد رضا بهلوي، لشعب منتج و أصبحت إيران من الدول الرائدة في صناعة مختلف أنواع الصواريخ المتطورة البعيدة المدى، وأصبحت جامعاتها تحتل المراتب الأولى عالمياً، من حيث عدد البحوث الجامعية المنشورة، وتخرج ألاف الخبراء سنوياً، وهم الذين ساهموا في نهضتها وتقدمها في مجالات عدة، فطهران تعلم علم اليقين بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تستعمل القوة العسكرية ضدّها لإجبارها على التخلي عن برنامجها النووي، لأن ذلك سيؤدي لإشعال فتيل حرب اقليمية كبرى لن تكون في صالح واشنطن بالتأكيد. _ كاتب جزائري 2022-05-08