الإدارة الأمريكية ترفض إنهاء الحرب على قطاع غزة؟
عميرة أيسر
لايزال الجيش الاسرائيلي بكل قوته يحاول تحقيق انجازات عسكرية في قطاع غزة، لكي يبرر للرأي العام الصهيوني الناقم سياسة نتنياهو الفاشلة، وعجزه عن القضاء على مختلف فصائل الجيش الفلسطيني في غزة، أو تحرير الأسرى المختطفين، أو حتى استعادة الوثائق الفائقة السّرية التي وجدنا عناصر الجيش الفلسطيني الذين اقتحموا المستوطنات والثكنات العسكرية الموجودة في غلاف القطاع المحاصر، واستطاعوا بالتالي سحق فرقة غزة التابعة للمنطقة الجنوبية، والتي تعتبر واحدة من أقوى الفرق العسكرية في الجيش الصهيوني وأكثرها تدريباً وتسليحاً، ومزودة بأخر ما توصلت إليه تكنولوجيا التجسس العسكري الأمريكية والإسرائيلية، فالفشل الذي مني به نتنياهو وحكومته، وعجزهم بعد مضي أزيد من 40 يوماً من القتال عن تقديم ولو دليل مادي ملموس واحد يبرر الجرائم الوحشية التي يرتكبها جنوده وضباطه بشكل يومي في غزة، جعل دولاً
جنوب إفريقيا ترفع دعوى قضائية لدى محكمة الجنايات الدولية تتهم فيها الكيان الصهيوني بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الانسانية، بهدف إبادة سكان قطاع غزة، وتهجيرهم قسراً من أراضيهم، بالإضافة لإيداع مكتب المدعي العام في اسطنبول طلباً لوزارة العدل من أجل فتح قضية جنائية ضدّ رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو، ويتضمن طلباً للمثول أمام محكمة الجنايات الدولية. كما ذكر موقع اليوم السابع، بتاريخ 15، أكتوبر/ تشرين الثاني 2023م، في مقال بعنوان (رئيس جنوب افريقيا يعلن تقديم بلاده شكوى ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية).
بالإضافة إلى أن حلف الناتو الذي كان الداعم الأبرز للكيان المحتل، منذ نشأته والمزود الرئيسي له بكل ما يحتاجه من أسلحة ذكية متطورة، ومعلومات استخباراتية تعيش، دوله انقسامات حادة بشأن الحرب الدائرة رحاها في قطاع غزة، ففي حين دعت فرنسا على لسان ماكرون لوقف الحرب، يعارض رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك ذلك، وهذا رأي الأغلبية حتى داخل مجلس العموم البريطاني الذي صوت أغلبية أعضاءه على رفض عريضة قدمت للحكومة البريطانية تدعوها لدعم مقترح الوقف الفوري للحرب على قطاع غزة، اذا ذهب رئيس حزب العمال كريستارمر الذي خلف جيرمي كوربن للقول بأنه سيفصل أي عضو من حزبه اذا أيد مقترح وقف إطلاق النار في غزة، أو دعم القضية الفلسطينية، وهذا الموقف ليس غريباً عليه لأنه من الذين أيدوا قطع الكهرباء والماء على قطاع غزة في بداية الحرب البشعة، ويقول بأن الإسرائيليين لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم ضدّ الارهاب الفلسطيني.
فبريطانيا ومختلف دول الاتحاد الأوروبي تتعرض لضغوط شعبية كبيرة، تطالبهم بوقف العدوان الغاشم على قطاع غزة، وكذلك من طرف جمعيات حقوقية كبيرة تضغط على حكومات دولها لاجبار نتنياهو على إدخال المساعدات الانسانية، وشحنات من الوقود لغزة، وذلك بعد نفاذه من المستشفيات، وهذا ما أدى لوفاة العشرات من المرضى والأطفال، وقد نجحت في ذلك واستطاعت هذه الضغوط إجبار الحكومة الإسرائيلية على إدخال 150 ألف لتر من الوقود، عن طريق معبر رفح الحدودي، بواسطة مصرية، وبعد أن تأكدت الإدارة الأمريكية في واشنطن بأن هناك تياراً شعبياً متعاظماً يضم مختلف أطياف الشعب الأمريكي لم يعد يصدق روايات الإعلام الأمريكي المضللة فيما يخص سير الأحداث في غزة، ويدعم وقف إطلاق النار ويتهم تل أبيب بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضدّ الانسانية بعدما بلغ عدد الشهداء رقماً قياسياً لم يعد من الممكن تجاهله لدى الرأي العام الغربي، ولكن بالرغم من أن إدارة بايدن قد ضغطت على نتنياهو لإعلان هدنة انسانية يومية لمدة 4 ساعات، وساهمت في إدخال المساعدات لقطاع غزة، في مقابل السماح لمزدوجي الجنسية بمحاضرة القطاع المكنوب، بما فيهم الرعايا الأمريكان والغربيين وبموافقة إسرائيلية، وقال أثناء زيارته للكيان المحتل، ولقاءه نتنياهو، ” وافقت إسرائيل على إمكانية بدء نقل المساعدات الانسانية من مصر إلى غزة”، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل مع شركاءها من أجل تحرك الشاحنات عبر الحدود في أسرع وقت ممكن. كما ذكر موقع فرانس 24 ، بتاريخ 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، في مقال بعنوان ( إسرائيل توافق على دخول المساعدات لغزة، وبايدن يحذر تل أبيب من تكرار أخطاء بلاده في 11 سبتمبر).
لا تزال واشنطن تعتبر الداعم الأبرز للكيان الصهيوني منذ نشأته ككيان استيطاني عام 1948م، والتي تعتبر أمن الكيان المحتل هو امتداد جيواستراتيجي للأمن القومي الأمريكي، والرافعة لشعار الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، تعتبر من أهم الدول الكبرى في المنظومة الدولية والتي ترفض بشكل قاطع وقف العدوان الغاشم على غزة المحاصرة، وتوفر الحماية لنتنياهو لارتكاب المزيد من الجرائم ولتدمير البنية التحية للقطاع، فأمريكا التي تبرر ما يقوم به نتنياهو وجيشه، بل وتوفر لهم الغطاء القانوني الدولي، وترفض صدور أي قرار من مجلس الأمن تحت البند السابع الذي يجيز استخدام القوة المسلحة اذا لزم الأمر لحماية الشعوب المحتلة والمضطهدة، ولإيقاف جرائم الحرب التي تمس الأمن الانساني، فالدولة التي تسوق نفسها عالمياً بأنها المسؤول عن حفظ السّلام والأمن الدوليين، تحمي هذا الكيان حتى داخل المؤسسات التشريعية الأمريكية، حيث أن الجميع في الحزبين الجمهوري والديمقراطي رغم خلافاتهم السّياسية والايديولوجية، الذي يقدمه الكونغرس يسمح لنا بمواصلة مساعدة أوكرانيا في دفاعها عن ديمقراطيتها وأرضها وشعبها ضدّ الحرب العدوانية الروسية، وسوف تعزز موقفها من المنافسة الاستراتيجية المكثفة مع الصين، وسوف يضمن قدرتنا على مساعدة إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بينما تساعد المدنيين الفلسطينيين الذين وقعوا في مرمى النيران المتبادلة التي هي من صنع حماس. كما ذكر موقع السفارة الأمريكية في القاهرة، بتاريخ 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، في مقال بعنوان ( انتوني بلينكن: الدفاع عن إسرائيل أمر ضروري، وكذلك مساعدة المدنيين في غزة).
فالإدارة الأمريكية لم تكتفي بدعم الكيان الصهيوني سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، بل ولأول مرة في تاريخ هذا الكيان تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بإرسال القوات الأمريكية الخاصة التي كانت متواجدة في قواعدها في جنوب شرق أوروبا، للقتال إلى جانب الجيش الاسرائيلي، وهي القوات التي تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وذلك حسب البيانات الصادرة من فصائل الجيش الفلسطيني في غزة، هذه القوات التي تتمركز في قاعدة عسكرية أمريكية سرية في صحراء النقب مثلما كشف عن ذلك موقع انترسبت، وتبعد حوالي 32 كلم عن قطاع غزة، وتسمى قاعدة رقم 512، والمخصصة للتجسس ومراقبة إيران من داخل إسرائيل، وهي التي فشلت في معركة نوايا فصائل الجيش الفلسطيني في غزة، أو إحباط مخططاتها، وتعتبر إلى جانب قاعدة أنجريك التركية من أهم القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، المزودة بأحدث أنظمة التجسس الالكتروني والتشويش والاعتراض، والتي تعتبرها واشنطن قاعدة عسكرية أمريكية فائقة السرية، وكأن موقعها مجهولاً لسنوات حتى لدى كبار القادة العسكريين والسّاسة في أمريكا، حيث ذكرت التقارير أن البنتاغون بذل قصارى جهده لإخفاء الطبيعة الحقيقية للموقع الذي بلغت تكلفته 35.8 مليون دولار، إذ تصفه في السجلات بأنه مجرد مشروع سري موجود في جميع أنحاء العالم، وتصفه أحياناً بأنه منشأة لدعم الحياة، كما تحدث الجيش الأمريكي عن هياكل تشبه ثكنات الجنود. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، في مقال بعنوان ( موقع انترسبت يكشف عن وجود قاعدة عسكرية أمريكية بصحراء النقب ).
فأمريكا مستمر في دعم إسرائيل التي يبدو أنها تريد توريطها في حرب اقليمية كبرى مع عدة دول كمصر، ورفع العديد من الجنود الصهاينة للعلم الاسرائيلي ذو اللون الأحمر الرامز لمستوطنة غوش قاطيف، والتي كانت ممتدة من مدينة العريش المصرية لغاية قطاع غزة قبل حرب 1973م، رافعين شعار من غوش قطيف لغزة كلها لنا، يعتبر بمثابة امتداد للحملة المنظمة التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي في الكيان الصهيوني، فالجيش الاسرائيلي الذي يعتزم تنفيذ عمليات عسكرية في جنوب قطاع غزة، وبالتالي إجبار سكانه على النزوح نحو الحدود المصرية، والتسبب في مواجهات مع حرس الحدود المصري، يريد استفزاز الجانب المصري الرافض لأية عمليات تهجير قصرية، والتي يدعمها الاتحاد الأوروبي يفاوض الحكومة المصرية من أجل تقديم مبلغ 10 مليار دولار تقريباً في مقابل السماح لأهالي غزة بالاستيطان في سيناء، وهي الخطوة التي تعارضها إدارة بايدن اعلامياً، ولكنها تدعم تنفيذها على أرض الواقع.
– كاتب جزائري
2023-11-19
