عميرة أيسر
لا تزال السلطات الجزائرية تعتقد بأن انتقاد الأوضاع الحالية الكارثة على جميع الأصعدة والمستويات، والمطالبة بإحداث تغيير راديكالي في منظومة الحكم المتعفنة، وتحسين المستوى المعيشي لمعظم الشعب الجزائري الذي يعيش في بؤس وشقاء، ويعاني من ارتفاع رهيب جداً وغير مبرر في أسعار المواد الغذائية الواسعة الاستهلاك، والتي أصبح الكثير منها مفقوداً من الأسواق، ونحن على أعتاب شهر رمضان الفضيل، كالزيت والقمح بنوعيه اللين الصلب وحليب الأكياس، وهي المواد التي أصبح الظفر بها في بعض المناطق حلماً صعب المنال للكثيرين، بالإضافة للانتشار الرهيب والغير مسبوق للآفات الاجتماعية كالفقر الذي زادت معدلاته منذ وصول عبد المجيد تبون لسدّة الحكم، وهذا حسب بيان صادر عن الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، والتي ذكرت فيه بأن عدد الجزائريين الذين يعيشون تحت خط الفقر قد قفر إلى 15مليون شخص أي نحو 38%، وهو ما يعني أن بين كل 3جزاءريين يوجد جزائري يعيش في فقر مدقع.
جريمة لا تغتفر حيث بدل انتهاج سياسة الحوار واشراك شباب الحراك في عملية التغيير، وتقديم الاقتراحات و الحلول للأزمة العميقة التي تعرفها البلاد، وخاصة النخب الناقمة على الأوضاع التي ألت إليها الجزائر في السنوات الفارطة، انتهجت السلطات عوضاً عن ذلك سياسة ردعية قمعية ظالمة وعادت لاستعمال أساليبها وطرقها الكلاسيكية المعروفة، فقامت باعتقال المئات من المتظاهرين من نشطاء الحراك، وزجت بهم في غياهب السجون وبدون محاكمات حتىّ للعشرات منهم، وضيقت على حرية التجمع السلمي، وقيدت حق التظاهر بقوانين تعسفية قمعية لا تمت لحقوق الإنسان بصلة، واستعملت التعذيب النفسي والجسدي للمعتقلين، وهذا ما أشار إليه المتحدث باسم المفوضية العليا لحقوق الإنسان روبرت كولفيل، الذي دعا السلطات الجزائرية صراحة لوقف الاعتقالات التعسفية واستعمال العنف ضدّ المتظاهرين السلميين، حيث استندت الامم المتحدة في ذلك على تقارير ذات مصداقية، والتي مفادها أن حوالي ألف شخص تمت ملاحقتهم بتهم المشاركة في الحراك، أو لنشر رسائل تنتقد الحكومة في مواقع التواصل الاجتماعي. كما ذكر موقع فرانس 24، بتاريخ 5مارس/أذار 2021م، في مقال بعنوان (الامم المتحدة تدعو الجزاءر لوقف فوري للاعتقالات التعسفية، والعنف ضدّ المتظاهرين).
بالإضافة لاستعمال أساليب التهميش والاقصاء ومحاولة تشويه سمعة كل من يحاول كشف قضايا الفساد، أو ينتقد المسؤولين الحاليين في السلطة بمختلف مستوياتهم، كما قامت السلطات الجزائرية باعتقال الكثير من السّياسيين و الإعلاميين المعارضين، كما فعلت مع رشيد نكاز، الذي أصيب بمرض السرطان وهو في السجن، وعند خروجه منه تم وضعه تحت الإقامة الجبرية في مسقط رأسه بولاية شلف الجزائرية، تحت حراسة مشددة من 15قبل شرطياً، مع مصادرة جواز سفر ومنعه من السفر خارج البلاد، لتلقي العلاج المناسب أو لرؤية زوجته وابنه الوحيد وذلك منذ أزيد من عام ونيف، في مخالفة صريحة لكل الأعراف والمواثيق الدولية المتعلقة بحرية المواطنين في التنقل بكل حرية داخل بلدانهم أو السفر خارجها، و هو عينه بسيطة فقط من أمثلة كثيرة جداً، لا يتحدث عنها أو يشير إليها الإعلام في الجزائر والمسيطر عليه في معظمه من طرف السلطة الحاكمة.
وبالرغم من المحاولات المستمرة من طرف أزلام النظام المدعومين مادياً ومعنوياً من طرفه، والذين تفتح لهم خزائن المعلومات التي يمدهم بها مسؤولون أمنيون ومدنيون، في مختلف أجهزة الدولة، وذلك لضرب مصداقية نشطاء وصحفيين وسياسيين معارضين، وذلك عن طريق محاولة النيل منهم باستعمال أساليب قذرة كنشر معلومات تخص حياتهم الشخصية أو تسريب صور لهم في أوضاع غير لائقة، أو نشر محادثات هاتفية لهم، من أجل الضغط عليهم وابتزازهم للرضوخ للأمر الواقع، أو حتى تهديدهم بالاغتيال والتصفية الجسدية.
إلا أن استعمال كل تلك الأساليب الاجرامية، لم تثني هؤلاء الذين لا ننكر بأن بعضهم وخاصة أولئك الذين ينتقدون الأوضاع من خارج الجزائر، ويقيمون في عواصم دول غربية بل ويحملون جنسيتها، ويعيشون في كنفها و تحت حمايتها، هم أشخاص فارون من العدالة الجزائرية، ومتورطون في قضايا جنائية أو فساد مالي أو قضايا أخلاقية، ولهم ارتباطات مباشرة مع مخابرات تلك الدول التي يقيمون فيها، عن قول كلمة الحق والدفاع عن المظلومين، وفضح تورط مسؤولين كبار في ابرام عدة صفقات اقتصادية مهمة ومشبوهة دون الرجوع للبرلمان للمصادقة عليها، وخاصة مع شركات بترولية غربية تستحوذ على عدد من أبار البترول والغاز وبالمجان تقريباً.
فالرئيس تبون الذي هو امتداد لبوتفليقة وفي كل خرجاته الإعلامية تقريباً، يؤكد بأن عهده سيكون عهد الحرية والديمقراطية وحرية التعبير التي يكفلها الدستور الجزائري الحالي، وبأنه لا وجود لمعتقلي الرأي، فحسب رأيه فإن كل الذين يقبعون في السجون هم أشخاص مذنبون خالفوا قوانين الجمهورية، وذلك في تجاهل تام وصلف لكل التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان الوطنية، أو الدولية “كأمنستي انترناشيونال”
أو ” منظمة صحفيون بلا حدود”، والتي تشير إلى أن الجزائر قد ضريت بكل تلك المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها عرض الحائط، وعادت لنقطة الصفر، وأكبر دليل على ذلك هو غلق العديد من وسائل الإعلام المعارضة وطرد عدد من الصحفيين المعارضين، ومنع نشر مقالات عدد من الكتاب والصحفيين المعارضين في مختلف وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية الجزائرية، بالإضافة لفرض شروط مجحفة للسماح بالعمل النقابي، وحل عدد من الأحزاب السّياسية العريقة المعارضة أو تقييد نشاطها كما هو الحال من حزب العمال، وهو ما يؤكد بأن النظام الحالي أكثر فساداً وظلماً وقمعاً للمعارضين من النظام السّابق وبأنه يقود البلاد نحو الهاوية وبخطى متسارعة.
_كاتب جزائري
2022-03-28