استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على النظام الدولي الجديد!
عميرة أيسر
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر الدول المستفيدة من كل الأحداث التاريخية الكبرى، التي حدثت في القرن العشرين، حيث يمكن اعتبارها بمثابة الدولة المركزية في النظام العالمي القديم، الذي صاغته وتحكمت بكل مؤسساته وهيأته و هياكله، ودفعت تكاليف باهضة من أجل أن تبقى الدولة العظمى الوحيدة، التي تدير الاقتصاد العالمي الذي بالرغم من كل 9الهزات والأزمات المالية التي عرفها، ولكن استطاعت واشنطن أن تحافظ على ثباته واستقراره النسبي بما يخدم مصالحها الجيو اقتصادية، حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية وبدافع الهيمنة اعتبرت أن مصالحها الطاقية والأمنية هي المحرك الرئيسي لسياستها الدفاعية، فهي لطالما ربطت تلك الحاجة الماسة للأمن بمصالحها الوطنية، حيث أن واشنطن تعتبر بأن مصلحتها الوطنية مرهونة بالمكانة التي تحتلها دوماً في التوزيع العالمي للقوة، فالحصول على مصادر الطاقة هو ما دفعها لغزو واحتلال دولة كالعراق، وذلك في عهد الرئيس جورج بوش الابن من أجل السيطرة على آبار النفط فيها، باعتبار أن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية للأمن القومي لسنة 2006م، كانت تقضي بمنع أية دولة من استخدام البترول كسلاح طاقي موجه ضدّ المصالح الأمريكية، وهذا ما ذكره الكاتب الأمريكي بوب وودز في كتابه ” خطة الهجوم”، عندما تحدث عن اقتراح أحد أركان الإدارة الأمريكية في تلك الفترة، وهو بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد على الرئيس بوش بإمكانية اقحام الجيش الأمريكي لاجتياح واحتلال أبار النفط في جنوب العراقي، حيث يتواجد حوالي ألف بئر من النفط تصل طاقتها الإنتاجية الكلية لحوالي ثلثي نفط العراق، فجميع الآبار هناك كانت تقع في منطقة لا تزيد عن ستين ميلاً عن الحدود الكويتية، وقد أعلن وولفويتز ” ليس ثمة ما يمنعك من احتلال المنطقة”، حمل الاقتراح عنوان ” استراتيجية الجيب”، ومن الجيب كان سيتم تقديم الدعم للمعارضة التي كانت ستتولى مهمة استنفار و حشد باقي البلاد للإطاحة بالديكتاتور “.( من كاتب بوب وودز، خطة الهجوم، ص 39).
ولكن استعمال بلاد العم سام القوة العسكرية من أجل السيطرة على مصادر الطاقة، بالإضافة إلى انفاقها المتزايد لمليارات الدولارات في حربها على الارهاب، أدى لاستنزاف ثرواتها المالية، وبالتالي كان ذلك سبباً مباشراً لتراكم دينها العام، والذي تخطى حاجز 30 ترليون دولار، مما ترتب عنه ارتفاع كبير في نسب التضخم لمستويات قياسية، خاصة بعد عجز السّياسة المالية التي أدى رفض اعتمادها من قبل إدارة جون كيندي لاغتياله في سنة 1963م، والقائمة على اغراق الأسواق العالمية بعملة الدولار دون غطاء من الذهب يمنع قيمتها من الانهيار المالي الحر، إذ ولإنجاح هذه السّياسة عملت واشطن على منع بيع عملتها في أسواق العملة الدولية الموازية، وقامت بربطها بسعر برميل النفط، وهذا ما رفع من قيمته العملة الأمريكية التي أصبحت مهيمنة على أسواق المال والأعمال الدولية، وعلى البورصات المالية العالمية، ولكن سرعان بما بدأ هذا الواقع في التغير تدريجياً، مع ظهور التنين الصيني الذي أصبح المنافس الأول لواشنطن في الأسواق المالية والاقتصادية و التجارية، وأصبحت الصين أحد أهم أقطاب الاقتصاد العالمي، بعدما نجحت في بناء استراتيجية اقتصادية ناجحة جعلتها الممون الرئيسي للكثير من الدول بكل ما تحتاج إليه من السلع والخدمات، والممول لمشاريع اقتصادية ضخمة جعلتها محط أنظار الدول الرأسمالية الغربية، التي أضحت تعتبرها المهدد لاستمرار هيمنتها المنفردة على الاقتصاد الدولي.
فواشنطن التي تعتبر بمثابة العقل المتحكم والذي يدير كامل المنظومة الغربية، عملت خاصة بعد التحالف الوثيقة بين موسكو وبكين، واقدام روسيا على غزو أوكرانيا، على منع تشكيل حلف عسكري على غرار حلف وارسو الذي كان بمثابة المظلة العسكرية الجامعة لدول أوروبا الشرقية في فترة الثنائية القطبية، وكان بمثابة الموازن الاستراتيجي لحلف الناتو، وقامت أمريكا بناء على توصيات هنري كيسنجر بافتعال الكثير من المشاكل والأزمات لهذه الدول وذلك بغية اضعافها وتشتيت قوتها، فعملية غزو الجيش الروسي لأوكرانيا كانت بمثابة الطعم الذي ابتلعه الدب الروسي الذي وفق رؤية ألكسندر دوغين يعتبر أوكرانيا بمثابة خط الدفاع الأول لروسيا ضدّ الغرب، فالمعضلة التي واجهت الفكرين الاستراتيجيين في روسيا منذ قيام الاتحاد السوفياتي سنة 1922م، كانت كيفية تأمين وحماية الحدود الغربية للاتحاد، باعتبار أن الحدود الشرقية محمية لأنها عبارة عن سلسلة من الحواجز الجبلية الطبيعية الشديدة الوعورة والبرودة، والتي تشكل حاجزاً طبيعياً ضدّ أي عزو أجنبي محتمل، ولكن الحدود الغربية لطالما شكلت نقطة الضعف الوحيدة أمامهم في مواجهة دول أوروبا، فنابليون بونابرت سنة1812م، خلال ما عرف بالحرب الوطنية، أو أدولف هتلر في أثناء الحرب العالمية الثانية سنة 1941م، في ما عرف بعملية برباروسا، حاولوا احتلال روسيا عن طريق اختراق تلك الحدود الطويلة والسهلية، وبما أن أمريكا تعرف ذلك، فقد عملت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي على التوسع شرقاً باتجاه روسيا عن طريق العمل على توسعة حلف شمال الأطلسي، وهذا ما تم طرحه رسمياً في مؤتمر بروكسل سنة 1994م، وهذا ما أكدت عليه توصيات سنة 1997م متجاهلة تحذيرات يلتسن، وهي الاستراتيجية التي أثبتت فشلها في قمة مدريد الثانية، المنعقدة في شهر جوان/يونيو، التي اعتبرت روسيا الدولة الضعيفة والمنهارة قبل 30سنة، بمثابة التهديد الاستراتيجي الجديد للغرب في أوروبا. كما ذكر موقع العين الاخباري، بتاريخ 29 جوان/يونيو 2022م، في مقال بعنوان ( قمة مدريد 2022″ شرارة” حرب عالمية ثالثة).
أما فيما يخص الصين فإن الإدارات الامريكية المتعلقة قد عملت منذ الخمسينيات من القرن الماضي، على تقوية جزيرة فرموزا وجعلها من أهم المراكز الاقتصادية في أسيا، وإحدى الأوراق المهمة في لعبة التفاوض الاستراتيجي مع الصين، فبكين تعتبر تايوان بمثابة الذراع العسكري والاقتصادي والتجاري لأمريكا في تلك المنطقة من العالم، وهي الدولة التي تعمل بالتنسيق مع حلفاءها في المنطقة على اشعال حرب أطلسية صينية من خلال الاستفزازات الأمريكية المتكررة للصين كان آخرها قيام رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي بزيارة لتايوان، وهو ما اعتبرته بكين عملاً عداءياً يستهدفها بشكل مباشر وانتهاكاً صارخاً لكل الأعراف والبروتوكولات الدبلوماسية، فأمريكا تريد أضعاف كلاً من الصين وروسيا، وادخالهما في دوامة من الحروب والنزاعات الإقليمية، وذلك لاستنزافها مادياً واقتصادياً وعسكرياً، وهذا ما فعلته واشنطن حتى مع حلفاءها الأوروبيين، فأمريكا التي اتخذت من الحرب الروسية على أوكرانيا، وما خلفته من أثار طاقية مدمرة على أوروبا، ذريعة من أجل ابتزاز هذه الدول سياسياً واقتصادياً، لترضخ للشروط والاملاءات الأمريكية فيما يخص تشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا، وهذا ما أكده كريستوفر دومييك، مسؤول الأبحاث والاستراتيجية في (ساكسو بنك)عندما قال: بأن تأثيرات العقوبات الاقتصادية التي فرضت حتى الآن على روسيا ضعيفة للغاية”. وأضاف ” لا يزال هناك المزيد من العقوبات التي يمكن أن تؤثر سلباً في روسيا، لكن العواقب ستكون وخيمة لدول أوروبا أيضاً”. مثلما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 26فيفري/ شباط 2022م، في مقتل بعنوان (عقوبات الغرب ضد موسكو، تأثيرها نسبي ومادة للسخرية).
فالولايات المتحدة الأمريكية تسعى لزيادة قوتها، واستعادة أمجاد إمبراطورتيها السّابقة، وهيمنتها المطلقة على القوى الدولية، في اطار ما أطلق عليه عالم السّياسة ” ووليت ستين”، التنافس التفكيكي إذ أن التنافس الذي هو بمثابة أداة بالنسبة لواشنطن تستعملها من أجل زيادة قوتها وحرمان دول كالصين وروسيا والهند والبرازيل وغيرها من الحصول عليها، في إطار مبدأ ” اللاتكافؤ في المجتمع الدولي”، باعتبار أن ميزان القوى العالمي حالياً في غير صالح واشنطن، وهذا الأمر الذي يجب أن يتغير مستقبلاً أن أرادت استعادة زمام السيطرة على قيادته مجدداً.
_كاتب جزائري
2022-09-14