وصفة انتحار أُمَّة!
سعود قبيلات
يحدث، في بلادنا العربيَّة، عكس ما يحدث في العالم كُلِّه..
ففي أميركا اللاتينيّة، وفي أنحاء مختلفة مِنْ أوروبَّا وإفريقيا (بل وحتَّى في الولايات المتَّحدة الأميركيَّة، رأس الإمبرياليَّة العالميَّة والمركز الأوَّل بين مراكز النِّظام الرَّأسماليّ الدَّوليّ)، يصعد اليسار ويتسلَّم مراكزَ أساسيَّة في سُلطات بلدانه، ويتقدَّم بوصفه اقتراحاً بديلاً لمظالم الرَّأسماليَّة، وبكونه يمتلك وصفاتٍ شديدةَ الثَّراء والتَّنوُّع، لبرامج التَّحرُّر الوطنيّ والنُّهوض والتَّقدُّم الاجتماعيّ والدِّيموقراطيَّة..
أي أنَّ الأمم، على اختلافها، تواجه مشاكلَها بحلول حقيقيَّة، تنتمي إلى واقعها وتنتمي إلى العصر..
أمَّا في بلادنا العربيَّة، فتسود غيبوبةٌ شديدة، وكُلُّ شيء يتَّجه يميناً؛ بل إلى أشدِّ أنواع اليمين انغلاقاً؛ ألا وهو اليمين الماضويّ الظَّلاميّ..
وحتَّى اليسار، نفسه، (والأصحّ، ما يُسمِّي نفسَه يساراً) فإنَّه، في بلادنا، أصبح يميناً في الواقع؛ بل إنَّه، في الكثير من الأحيان، يقف على يمين اليمين؛ وهويّتُه اليساريَّة المزعومة، ليست سوى فلكلور؛ وبدلاً من الطَّبقة العاملة والكادحين والمثقَّفين الثَّوريين، تتصدَّر واجهاته القياديَّة فئات بورجوازيَّة طُفَيْليَّة رثَّة.
بل إنَّ مسمَّى الثّورة، في بلادنا، أصبح يُطلَق، زوراً وبُهتاناً، على أسوأ أنواع الثَّورة المضادَّة؛ أمَّا التَّغيير، فأصبح يتمثَّل بالنُّكوص إلى الوراء، وإدارة الظهر للعصر وشروطه ومعطياته، بدلاً مِنْ أنْ يكون إلى الأمام ومنسجماً مع اتِّجاه التَّاريخ ومساراته.
إنَّها وصفة انتحار أمّة. هكذا وصفها سمير أمين مبكِّراً؛ حيث رأى – آنذاك – أنَّ أُمّتنا، بدلاً مِنْ أنْ تلتحم مع التَّاريخ، لتوظِّف آليَّاته لصالحها، وتستنبط مِنْ معطيات العصر حلولاً لمشاكِلها، تتَّجه إلى إدارة ظهرها للعصر، وتهرب إلى ماضٍ متوهَّم، باحثةً عن الحلول المطلوبة فيه!
وهذا ما شخَّصه الدّكتور فوزي منصور، أيضاً، بالتَّفصيل، في أوائل تسعينيَّات القرن الماضي، ووصفه بأنَّه خروجٌ من التَّاريخ، في كتابه الموسوم “خروج العرب من التَّاريخ”.
العودة إلى الماضي مستحيلة؛ لأنَّها تعني شطب كُلّ ما تراكم عبر العصور مِنْ معطيات (وإنجازات) إنسانيَّة ثقافيّة وعلميَّة، وإحلال ماضٍ متوهَّمٌ محلّها، ليعمل في زمنٍ ليس زمنه، وفي ظروف وأحوال لا تُلائمه.
وفي الحقيقة، فإنَّ ما يجري باسم “العودة إلى الماضي” ليس سوى محاولة كاريكاتيريَّة لإلباس الحاضر أقنعة زائفة يزعم أصحابها أنَّها تنتمي إلى الماضي.
دعوة العودة إلى الماضي، هي، في الواقع، ابنة الحاضر، وتعبِّر عن بعض المصالح الطَّبقيَّة والسِّياسيَّة الأنانيَّة والجهولة فيه، ولا تنتمي إلى الماضي سوى في خيال أصحابها وحسب أهوائهم..
إنّها، في الحقيقة، دعوة استلابيَّة إلى الاغتراب عن الحاضر وعن الماضي أيضاً.
وحتَّى لو اقترضنا المستحيل، وقلنا بأنَّ استعادة الماضي ممكنة؛ فسيُلحُّ علينا، عندئذٍ، السُّؤال التَّالي: أيّ ماضٍ، هذا، الذي تجبُ استعادتُه؟
فالماضي ليس كياناً واحداً مُصْمَتَاً ووقائعه متماثلة. وأوضح دليل على ذلك، هو أنَّ الماضي شهد الكثير الكثير من الصِّراعات الدَّمويَّة الوحشيَّة، الَّتي تعبِّر عن اقتراحات متناقضة لانهائيَّة.. سياسيَّة، واجتماعيَّة، وثقافيَّة، وأخرى لفهم النَّصّ الدِّينيّ وتفسيره.
واختيار أيٍّ مِنْ هذه الاقتراحات القديمة، الآن، إنَّما يُعبِّر عن أهواء ومصالح موجودة في الوقت الحالي، وليست تنتمي إلى الماضي، بأيّ حالٍ من الأحوال.
وللمزيد من التَّوضيح، نسأل: هل محاولة العودة إلى عصر المأمون، على سبيل المثال، هي مثلها مثل محاولة العودة إلى عصر المتوكِّل؟
المأمون، المعتزليّ، نهض بالدَّولة العربيَّة الإسلاميَّة، عبر الإعلاء مِنْ شأن العقل والتَّفكير العلميّ، وجَعَلَها مركزَ استنارةٍ للعالم كُلِّه في زمانه، وموئلاً للتَّحضُّر والتَّقدُّم العلميّ والثَّقافيّ..
أمَّا المتوكِّل، ابن أخي المأمون، فقد دشَّن عصر انحطاط الدَّولة العربيَّة الإسلاميَّة، سياسيَّاً وعسكريَّاً وثقافيَّاً، وقد تردَّتْ أحوالها كثيراً في عهده.. حتَّى أصبحت مطمعاً لكُلِّ طامعٍ؛ وذلك بانقلابه على الإرث المعتزلي لعمِّه (المأمون) وأبيه (المعتصم) وأخيه (الواثق)، ليقيم، بدلاً مِنْ ذلك، دولةً دينيَّةً منغلقة، تأسَّستْ على ابتداعه الفكرة القائلة إنَّ “الإسلام دين ودولة”.. تلك الفكرة الَّتي قادتْ، لأوِّل مرَّة، إلى دمْجِ سِلك الكهنوت الدِّيني بأجهزة الدَّولة، وتوظيف هذا السِّلك لخدمة السُّلطان.
هذا مثال واحد فقط، مِنْ طيف واسع من النَّماذج المتنوِّعة والمتناقضة؛ ومن الضَّروريّ أنْ نُشير، هنا، أيضاً، إلى النُّموذج “الاشتراكيّ” الَّذي قدَّمه القرامطة، عبر دولتهم الَّتي دامت مائتي سنة، وامتدَّت هيمنتها على مساحات واسعة من الأرض العربيَّة..
على أيَّة حال، سمير أمين، الَّذي تحدَّث عن هذا الاتِّجاه الانتحاريّ لدى الأمّة، قال أيضاً بأنَّ الفكرة الَّتي تقول إنَّ الأمم لا تفنى ولا تنقرض، ليست فكرةً صحيحة؛ فكثيراً ما شهد التَّاريخ انقراضَ أُممٍ كانت سائدة لأزمانٍ طويلة.
ومقارنةُ حالِ أُمّتنا، الآن، بأحوال الأمم الأخرى، لا تني تدقُّ ناقوس الخطر بشدّة.
2025-11-30