واشنطن تفاوض الكرملين ب”الصهر”،
وأزمات كييف تتفاقم
آزر الرئيس ترامب موفده ويتكوف بصهره كوشنير للتفاوض مع القيصر في موسكو، فيما تتراكم الضغوط على نظام كييف بما يضعف موقفه التفاوضي ويهيئ الأجواء لتقبل التسوية الأمريكية للصراع
سعيد محمد*
يشهد شتاء 2025 لحظة مفصلية في مسار الأزمة الأوكرانية؛ فبينما تتسارع الخطى الدبلوماسية لوقف الحرب، يفرض الميدان واقعاً مغايراً بتصعيد عسكري لافت براً وفي البحر الأسود فيما تزداد عزلة كييف مع تعثر حصولها على التمويل الأوروبي المنتظر، بالتوازي مع هزات سياسية تضرب الدائرة اللصيقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي جراء شبهات الفساد.
وشهد الكرملين (مساء الثلاثاء) اجتماعاً استثنائياً، استمر لما يقرب من خمس ساعات، جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالموفدين الأمريكيين: ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس دونالد ترامب، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس ومستشاره غير الرسمي. الاجتماع الذي امتد لما بعد منتصف الليل بحضور يوري أوشاكوف، مساعد بوتين للسياسة الخارجية، وكيريل ديمترييف، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، هدف إلى مناقشة تفاصيل الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب.
وبحسب مصادر مطلعة على مضمون المحادثات فقد ناقش الطرفان مقترحاً أمريكياً للتسوية يتألف من 28 نقطة تم تقديمه في أربع وثائق. ورغم وصف أوشاكوف الاجتماع ب”مفيد للغاية وبناء وجوهري”، إلا أنه لم يتم التوصل إلى أي تسويات محددة، ولم يتم الاتفاق على صياغة البنود الخلافية أو تحديد موعد لقمة جديدة مفترضة بين ترامب وبوتين.
أبرز نقاط الخلاف تمحورت حول مسألة “الأراضي”. ووفقاً للجانب الروسي، فإن بعض الصياغات الأمريكية بدت “مقبولة نوعاً ما” ولكنها تحتاج لنقاش، بينما قوبلت مقترحات أخرى برفض قاطع و”موقف سلبي” من قبل بوتين، خاصة تلك التي قد تتطلب انسحاباً روسياً أو تنازلات في المناطق الشرقية التي تسيطر عليها موسكو (إقليم دونباس).
زيارة ويتكوف (وهي السادسة له منذ يناير / كانون ثاني الماضي) وكوشنر أتت بعد يومين فقط من مفاوضات أمريكية-أوكرانية في ميامي بالولايات المتحدة، ما يشير إلى عزم من إدارة ترامب لإغلاق الملف سريعاً.
بوتين استبق الاجتماع بسلسلة من التحركات الإعلامية والميدانية لإظهار “اليد العليا” لروسيا، مؤكداً استمرار التقدم العسكري (خاصة في مدينة بوكروفسك الاستراتيجية) ومقللاً من شأن القيادة الأوكرانية التي وصفها بأنها “تعيش على كوكب آخر”، والرسالة كانت واضحة: موسكو منفتحة على مبدأ التسوية، لكنها ليست في عجلة من أمرها لتقديم تنازلات، وتراهن على تحسين شروط التفاوض عبر الضغط الميداني المستمر، مع تحييد الدور الأوروبي الذي وصفه بوتين بأنه “يهدف فقط لعرقلة عملية السلام”.
بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي، دشنت أوكرانيا مرحلة جديدة من الحرب الاقتصادية والعسكرية عبر استهداف ما يُعرف بـ”الأسطول الشبح” الروسي، وهي السفن التي تستخدمها موسكو لنقل النفط والتحايل على العقوبات الغربية.
وأقرت كييف رسمياً، ولأول مرة، بشن هجمات مباشرة باستخدام طائرات مسيرة بحرية ضد ناقلات نفط في البحر الأسود، مستهدفة السفينتين “كايروس” و”فيرات”، بالإضافة إلى الناقلة “ميدفولغا 2”. يمثل هذا التحول انتقالاً من ضرب البنية التحتية الثابتة للطاقة داخل روسيا إلى استهداف الأصول المتحركة والحيوية لصادرات موسكو النفطية.
ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني، تسببت الهجمات في أضرار جسيمة أخرجت السفن المستهدفة من الخدمة، في محاولة لخنق العوائد المالية التي تمول آلة الحرب الروسية. يأتي هذا التغيير في قواعد الاشتباك في وقت يقدر فيه “معهد كييف للاقتصاد” حجم الأسطول الشبح الروسي بنحو 526 ناقلة.
أثار هذا التطور غضباً واسعاً في موسكو، حيث وصف الرئيس بوتين الهجمات بأنها “قرصنة”، مهدداً برد جذري قد يصل إلى “قطع أوكرانيا عن البحر تماماً” لمنع أي نشاط بحري لها مستقبلاً. كما أدانت تركيا، التي تسيطر على مضايق البحر الأسود، هذه الهجمات ووصفتها بأنها “تصعيد مثير للقلق” ينتهك سيادتها البحرية ويهدد الملاحة التجارية، مما يعقد موقف كييف مع أنقرة التي تلعب دور الوسيط.
هذا التصعيد البحري يحمل دلالات سياسية تهدف كييف من خلالها إلى رفع تكلفة الحرب على موسكو وتحسين شروطها التفاوضية قبل أي اتفاق محتمل، لكنه في المقابل يرفع مخاطر توسيع رقعة الصراع وتهديد خطوط الملاحة الدولية بشكل أوسع، وقد يدفع بالجيش الروسي إلى استهداف أوديسا، أكبر ميناء بحري رئيسي لأوكرانيا.
على الجانب المالي، واجهت كييف انتكاسة كبرى في بروكسيل، حيث رفض البنك المركزي الأوروبي (ECB) توفير غطاء مالي لخطة الاتحاد الأوروبي الرامية لجمع قرض بقيمة 140 مليار يورو لصالح أوكرانيا بضمان الأصول الروسية المجمدة.
وخلصت التحليلات الداخلية للبنك المركزي الأوروبي إلى أن مقترح المفوضية الأوروبية ينتهك ولاية البنك. وكانت الخطة تقتضي أن تقوم دول الاتحاد الأوروبي بتقديم ضمانات حكومية للقرض، وفي حال عجزت الدول عن السداد السريع، يتدخل البنك المركزي الأوروبي كمقرض ملاذ أخير لـ “يورو كلير”، المؤسسة المالية البلجيكية التي تحتفظ بالأصول الروسية.
ورفض المركزي الانخراط في هذه الآلية لأنها تعني عملياً تمويلاً مباشراً للحكومات، وهو ما تحظره معاهدات الاتحاد الأوروبي لما له من آثار تضخمية وتهديد لمصداقية البنك.
يضع هذا الرفض الاتحاد الأوروبي في مأزق حقيقي قبل قمة 18 ديسمبر المخصصة للبحث في سبل تمويل نظام كييف. بلجيكا، التي تستضيف مؤسسة “يورو كلير”، ترفض المضي قدماً في القرض دون ضمانات قانونية ملزمة وغير مشروطة من الدول الأعضاء الـ 26 الأخرى، خوفاً من أن يؤدي رفع العقوبات مستقبلاً (كجزء من صفقة سلام أمريكية-روسية) إلى مطالبة موسكو باستعادة أصولها، مما قد يؤدي لإفلاس “يورو كلير” إذا كانت قد تصرفت في الأموال.
هذا التعثر يعني أن الحزمة المالية الضخمة التي كانت تعول عليها كييف للصمود خلال العامين المقبلين باتت في مهب الريح، ما يزيد من ضعف موقفها التفاوضي أمام موسكو التي تراهن على الإرهاق الاقتصادي للغرب ولأوكرانيا.
ولم تقتصر المصاعب الأوكرانية على أعدائها وحلفائها، بل ضرب زلزال سياسي الدائرة الأضيق للرئيس زيلينسكي، بعدما استقال مدير مكتبه، أندري يرماك، الرجل الذي كان يُنظر إليه باعتباره “الرجل الثاني” في نظام كييف والأكثر نفوذاً في البلاد
جاءت استقالة يرماك يوم الجمعة الماضي وسط فضيحة فساد حكومية متدحرجة، وبعد ساعات قليلة من تفتيش منزله من قبل المحققين. يرماك، الذي كان يرافق زيلينسكي كظله منذ بدء الحرب ويتحكم في مفاصل القرار الداخلي والتعيينات، سقط ضحية لضغوط داخلية متزايدة وتهم بالفساد طالت مقربين منه.
هذه الاستقالة تكتسب خطورة استثنائية نظراً لتوقيتها ودور يرماك المحوري. فقد كان يرماك يقود الوفد الأوكراني في المفاوضات الحساسة مع المسؤولين الأمريكيين في جنيف وميامي، وكان مكلفاً بمهمة تليين بنود خطة السلام الأمريكية. خروج مهندس المفاوضات الأوكراني من المشهد بشكل مفاجئ يترك فراغاً كبيراً ويربك الحسابات الأوكرانية في لحظة حرجة تتطلب تماسكاً داخلياً مطلقاً. كما أن استقالته تعكس تآكل الشعبية الداخلية للنخبة الحاكمة (حيث أشارت استطلاعات الرأي إلى أن 17.5% فقط يثقون بالنظام)، وتعطي مادة دسمة للدعاية الروسية التي دأبت على وصف القيادة الأوكرانية بالفاسدة والمنفصلة عن الواقع، وهو ما استغله بوتين في تصريحاته الأخيرة للإيحاء بضعف شرعية زيلينسكي وفريقه.
يشير مجموع هذه التطورات المتزامنة إلى أن مسار التسوية يمر بمرحلة مخاض عسير. فبينما تدفع إدارة ترامب بقوة نحو إنهاء الحرب عبر مبعوثيها، تبدو موسكو متمسكة بمكاسبها الميدانية وتوظف الورقة العسكرية والاقتصادية لتعظيم شروطها. في المقابل، تجد كييف نفسها محاصرة بين مطرقة الضغط العسكري الروسي وسندان الفساد وتعثر التمويل الأوروبي، مما قد يجبرها في النهاية على تقديم تنازلات مؤلمة كانت ترفضها سابقاً، خاصة فيما يتعلق بقضية الأراضي والضمانات الأمنية.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2025-12-05