واشنطن تغلق السماء على فنزويلا: جنون ترامب إلى آخره
في ذروة جديدة للتصعيد الأمريكي ضد الحكومة البوليفارية، أغلق ترامب سماء فنزويلا بفرمان افتراضي، كإيحاء بالتمهيد لغزو عسكري؛ فيما تسربت أنباء عن مكالمة هاتفية بين الرئيسين الأمريكي والفنزويلي جرت الأسبوع الماضي لم يكشف عن مضمونها
سعيد محمد*
في سابقة لا يمكن وصفها إلا ب”بلطجة جوية” تتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصته “تروث سوشيال”، إغلاق المجال الجوي لجمهورية فنزويلا البوليفارية “بالكامل”. هذا الإعلان، الذي يذكر بمراسيم القوى الإمبريالية في عصور الاستعمار، يأتي على خلفية تصعيد عسكري غير مسبوق في البحر الكاريبي، وتصنيف واشنطن لهياكل الدولة الفنزويلية كمنظمات إرهابية أجنبية في إطار حرب مزعومة على الناركو (صناعة المخدرات)، وأقرب ما يكون إلى تمهيد لمسرح عمليات حربي يهدف إلى خنق كاراكاس وإسقاط نظامها الشرعي، في مغامرة يمكن أن تشعل القارة اللاتينية بأسرها.
غطرسة القوة دفعت ترامب لينشر رسالة إلى “جميع شركات الطيران والطيارين” باعتبار سماء فنزويلا مغلقة. ورغم أن الرئيس الأمريكي لا يملك أي سلطة قانونية على الأجواء السيادية لدولة مستقلة، إلا أن هيئة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) أصدرت تحذيرات أمنية بشأن تحليق الطائرات المدنية في المجال الجوي الفنزويلي دفعت شركات الطيران العالمية للخضوع خوفاً من العقوبات.
كاراكاس لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التهديد الصلف، ووصفت الخارجية الفنزويلية تصريحات ترامب بأنها “تهديد استعماري” و”عدوان غير مبرر” ينتهك ميثاق الأمم المتحدة. وكإجراء سيادي للمعاملة بالمثل، ألغت حقوق التشغيل لست شركات طيران كبرى تماهت مع التحذيرات الأمريكية، كما أعلنت تعليقاً أحادياً لرحلات ترحيل المهاجرين التي كانت واشنطن تعول عليها، موجهة بذلك صفعة لبرنامج الترحيل الجماعي الذي تتبناه إدارة ترامب.
بالتوازي مع الحصار الجوي، تنفذ واشنطن ما تسميه عملية “الرمح الجنوبي” (Southern Spear) التي تبدو كأنها عملية قرصنة بحرية منظمة. تشير التقارير الميدانية إلى أن القوات البحرية الأمريكية، التي حشدت أسطولاً ضخماً يشمل أكبر حاملة طائرات في العالم ومدمرات وغواصة نووية، نفذت أكثر من 21 غارة في البحر الكاريبي، ما أسفر عن مقتل أكثر من 83 شخصاً حتى الآن.
تصف واشنطن هذه القوارب بأنها تابعة لمهربي مخدرات، لكن التقارير – حتى تلك الصادرة عن مؤسسات غربية – تصف ما يجري بعمليات “قتل خارج القانون”. ونقلت الصحف عن مصادر استخباراتية ما مفاده أن أوامر شفهية صدرت من بيتر هيغسيث، وزير الدفاع الأمريكي، بقتل “كل من على متن القوارب”، بل وتنفيذ ضربات لاحقة لقتل الناجين في الماء. هذه الممارسات الوحشية تضع الجنود الأمريكيين في مأزق أخلاقي وقانوني، حيث يجدون أنفسهم، كما أشار خبراء قانونيون عسكريون، أمام أوامر غير قانونية بشكل صريح ترقى لجرائم حرب، بذريعة محاربة كارتيلات وهمية.
ولتبرير بلطجتها، لجأت إدارة ترامب إلى تكتيكها التقليدي: شيطنة الخصم. قامت واشنطن رسمياً بتصنيف الرئيس نيكولاس مادورو وكبار مسؤولي الدولة كقادة لما يسمى “كارتل الشموس” (Cartel de los Soles). ، وهو تشكيل وهمي هوليوودي لا وجود له في الواقع، بل مجرد وصف صحفي ساخر أُطلق قبل 30 عاماً للإشارة إلى فساد بعض الضباط في الجيش الفنزويلي (بسبب شارات الشموس على رتبهم).
تحويل هذا المصطلح الساخر إلى “منظمة إرهابية أجنبية” رسمية هو محاولة لشرعنة استهداف رأس الدولة الفنزويلية، وربما تبرير عمليات اغتيال أو اختطاف، خاصة مع رصد مكافأة قدرها 50 مليون دولار أمريكي للقبض على الرئيس مادورو وأخرى ب25 مليون دولار للقبض على وزير داخليته، فيما تتظاهر واشنطن بتجاهل حقيقة أن الكوكايين يأتي بشكل أساسي من كولومبيا (حليفتها الوثيقة إلى وقت قريب) وأن الفنتانيل “الذي يقتل الأمريكيين” يأتي من المكسيك والصين.
تصريحات وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، الذي ألمح إلى أن “حدوث شيء ما في فنزويلا” قد يؤدي إلى انخفاض أسعار النفط جددت كشف الوجه القبيح للحملة ودوافعها الحقيقية: لا المخدرات، ولا الإرهاب، ولا الديمقراطية، وإنما محاولة استعمارية كلاسيكية للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم وثروات فنزويلا الطبيعية الأخرى لخدمة الاقتصاد الأمريكي.
في خضم هذا التصعيد، تسربت أنباء عن مكالمة هاتفية جرت الأسبوع الماضي بين ترامب ومادورو، بحضور الصقر اليميني وزير الخارجية ماركو روبيو. ورغم أن بعض المحللين اعتبروا الاتصال بادرة للتهدئة، ومحاولة لتقديم “إنذار أخير” أو مخرج يحفظ ماء الوجه لواشنطن، إلا أن السياق العام يشير إلى تكتيك “المسار المزدوج” الذي يفضله ترامب: التفاوض تحت النار، حيث استمرار التهديدات بشن عمليات برية – “قريباً جداً”، وفق ترامب – يجعل من هذه الدبلوماسية مجرد غطاء لكسب الوقت أو تضليل الرأي العام، خاصة وأن الاستطلاعات تظهر رفضاً شعبياً أمريكياً واسعاً (70%) لأي حرب جديدة.
ويقول الخبراء بشؤون أمريكا اللاتينية أن ترامب قد وضع الجيش الأمريكي، والمعارضة الفنزويلية اليمينية، ونفسه، في “مأزق استراتيجي”. إذ أن منهجية “الضغط المتصاعد” منذ سبتمبر \ أيلول الماضي لم تؤدِ إلى انهيار الجيش الفنزويلي كما كانت تأمل واشنطن، بل دفع كاراكاس لتعزيز تحصيناتها (بما في ذلك نشر مصائد الدبابات على الطرق الساحلية) وتعبئة الميليشيات الشعبية.
ونحن الآن أمام سيناريوهين رئيسيين، كلاهما يمثل خسارة استراتيجية لواشنطن وحلفائها: فإما أن تكتفي واشنطن بالاستعراض العسكري والضربات الجوية المحدودة في البحر دون غزو بري شامل، ثم تسحب قواتها تدريجياً. والنتيجة أن الرئيس مادورو سيخرج من هذه الأزمة أقوى من أي وقت مضى، باعتباره القائد الذي تحدى “الإمبراطورية” وصمد أمام أعتى أساطيلها. هذا السيناريو سيمثل ضربة قاضية لمصداقية واشنطن كقوة مهيمنة في “حديقتها الخلفية”، فيما ستدفع المعارضة اليمينية، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، ثمناً باهظاً بعد أن رهنت كل أوراقها بالتدخل العسكري الأجنبي، وستجد نفسها معزولة ومحتقرة داخلياً، وستُترك “لتلملم حطام الأطباق المكسورة” بمفردها بعد رحيل الأساطيل الأمريكية.
السيناريو الآخر أن يقرر ترامب، مدفوعاً بصقوره (روبيو وهيغسيث) ولوبي النفط والغاز في واشنطن، تحويل التهديدات إلى غزو حقيقي، سواء بضربات جوية مكثفة داخل الأراضي الفنزويلية أو إنزال بري محدود للسيطرة على حقول النفط. هذا الغزو لن يكون نزهة، فالجيش الفنزويلي والميليشيات الشعبية استعدونا لحرب عصابات طويلة الأمد، وإسقاط الحكومة بالقوة لن يؤدي إلى ديمقراطية، بل إلى “فراغ في السلطة” وفوضى عارمة تشبه ما حدث في العراق وليبيا وسوريا، وستغرق فنزويلا في صراع دموي قد يمتد لسنوات، وتتحول إلى بؤرة عدم استقرار يمتد إلى دول الجوار (كولومبيا والبرازيل). وفي هذا السيناريو أيضاً، لن تستطيع المعارضة اليمينية الحكم فوق دبابات الاحتلال، فإي حكومة تنصبها واشنطن ستكون فاقدة للشرعية، وتواجه مقاومة وطنية شرسة.
لقد وضعت إدارة ترامب نفسها في موقف مستحيل. فإما التراجع الذي يعني نصراً سياسياً لـ “الثورة البوليفارية”، أو التورط في حرب استنزاف دموية غير شرعية ولا شعبيّة نقادها حتى في القاعدة الانتخابيّة لليمين الأمريكي أكثر من مؤيديها.
في المقابل، يقدم الشعب الفنزويلي، الذي يتعامل مع جنون ترامب بروح من السخرية والصمود في آن واحد، نموذجاً متقدماً في التصدي لإملاءات “الغرينغوز – الاسم المحلي الذي يطلق على الأمريكيين استحقاراً”. إن إغلاق الأجواء قد يمنع تحليق الطائرات فوق سماء فنزويلا لبعض الوقت، لكنه لن يكسر إرادة شعب إذا أراد أن يكون حراً.
——————–
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2025-12-01
تعليق واحد
هل سيفلت من العقاب المعتل والمتغطرس ترامب عند استهدافه لقوارب في اعماق المحيطات مدعيا انها قوارب لتهريب المخدرات وتحديدا الكوكائين دون ان يثبت ماذا في القوارب وكم عدد من في المركب ويقتلهم بدون ان يثبت انها للمخدارات وان كانت عليه الاثبات او القاء القبض عليهم من قبل السفن الحربية الامريكية التي تملئ المحيطات باستعراض لم يسبق له مثيل . بدأت منظمات حقوقية وقانونية تثير هذاا بانها جريمة حرب مكتملة الوجوه والادعاءات . تعودنا من الرجل البرتقالي والمقيم في البيت الاسود ان يمارس التهديد ولغة الترهيب والقتل على الدول الفقيرة لعلها تضعف وترضخ لمطاليبه وتهديداته لذلك هدد فنزويلا واستعرض قوته وقرر بدون سابق انذار لااغلاق المجال الجوي الفنزويلي امام الطيران المدني والتجاري لعل الرئيس مادورو سيرضخ ويستجيب لمطالبه ويسلم خيرات البلد النفطية الى امريكا كابتزاز وبنفس الوقت يطلق اللقاء والحوار مع مادوروا وعندما رفض مادور قرر الرجل البرتقالي ان يطالب اما بتنحيت الرئيس او الانزال البري والقصف الجوي على فنزويلا ومعتمدا على المعارضة الداخلية لفنزويلا المرتبطة بامريكا واجندتها . كيف لرئيس دولة ان يطالب رئيس دولىة مستقلة وذو سيادة ان يتنحى من منصبه ، انها قمة الغطرسة والبلطجة ، لكن نرى ان هذا البرتقالي لم يمارس نفس اللفة والاسلوب امام كوريا الديمقراطية ولا امام الصين الشعبية ولا حتى ايران لانه يعرف حجمه بانه سيهمش وان المواجهة ستتخذ ضده وضد قواته التي لم تنتصر يوما منذ ايام فيتنام مرورا بالصومال والعراق ولبنان واخرها صورة الذل في افغانستان