هل يجوز أن يعيش المتفرد {زياد الرحباني} بعد أن تصحرت المنطقة؟

هل الواقع اللبناني، والسوري، والعربي الآن، يسمح {لزياد الرحباني} أن يمارس قدراته، ويعمل على تحقيق أمانيه؟
إذاً يملك هذا الرجل الاستثنائي، كل المبررات للمغادرة من الحياة؟
محمد محسن
كان زياد الرحباني موسيقياً لا يرقى إلى ذروته الموسيقية أحد؟ بل كان صاحب مدرسة موسيقية خاصة، ومنتمٍ إلى أسرة موسيقية متميزة، ويكفيه أن أمه فيروز أيقونة عصرنا، التي لحن لها وهو في الخامسة عشر من العمر، كما قدم برنامجاً إذاعياً تحت عنوان (بعدنا طيبين قولوا ألله) ولم يكن قد تجاوز الثامنة عشر من العمر.
كما كان متحدثاً متفرداً في انتقائه لمفرداته، التي يوظفها بعناية فائقة في مقاصده، في حالة نقده لآخر، أو الثناء عليه، والتي كان يرفقها بحركات وجهه، ويديه، فيعطيها أبعاداً خاصة، (وبمسحة تهكمية)، يختص بها زياد وحده، ولا يجاريه بها أحد، حتى ولم تكن لتخطر على بال الإنسان العادي، مما تثير ذهول المستمع، وتمنحه أبعاداً استثنائية عن المقصود.
وكان زياد الرحباني اشتراكياً منتمياً، منحازاً لقضية الفقراء في العالم، ويعلن مواقفه المعادية للرأسمالية، في موسيقاه، وأحاديثه، ومسرحياته، ولكن لم يكن يخضع لأية أيدولوجية خاصة، بل كان انتماءه، وطريقة ممارسته لذلك الانتماء، هو وحده الذي يرسم أبعادهما، محباً لسورية التي كانت الفضاء الرحب، للأسرة الرحبانية، أما فيروز فلها كل صباحات السوريين، والأماسي.
ولا يماري زياد أحداً في انحيازه المطلق للمقاومة اللبنانية، وللقضية الفلسطينية، مما أكسبه عداوات من جهات سياسية متعددة في لبنان وخارجها، ولقد تحمل الكثير من النقد الجارح، من أعداء هذا الاتجاه.
هذه الميزات الخاصة، والمتعددة، وتلك الطاقات التي يمتلكها زياد الرحباني، وأسلوب حياته، وقناعاته التي تفرد بها، جعلته غريباً عن واقعه الذي يعيش فيه، والذي لا يتلاقى معه في ميزاته الخاصة، وفي طاقاته، وقدراته، وصدق انتمائه للقضايا الإنسانية، فعاش غريباً.
فكيف وبعد أن تصحرت المنطقة، وسقطت في وهدة لا قرار لها، وأصبح الحقد الطائفي، والمذهبي، هو الحَكَمُ في العلاقات الاجتماعية، في لبنان وسورية، بل في المنطقة.
في ظلام هذا الواقع: ضاع حلم زياد الإنساني، وساد الزمن الإسرائيلي، وتحول لبنان، قيثارة الطرب، وموطن المطربين الكبار، إلى مجتمعات، وليس مجتمعاً مفككاً، الكل يعادي الكل، على أسس سياسية، ومذهبية بغيضة.
بعضهم يحب الحياة تحت المظلة الإسرائيلية، ووظف محطاته الإعلامية، وجميع منابره، لنصرة إسرائيل، ومحاربة من يعاديها، والبعض الآخر يجد في مقاومة إسرائيل المغتصبة حد الشهادة، واجباً دينياً، وإنسانياً، بل ومبرراً للحياة الكريمة، والعزيزة.
في هذا الزمن الأغبر:
قرر زياد الرحيل؟؟؟؟
2025-07-31