هل هناك طائفية اجتماعية في العراق؟
علي رهيف الربيعي
إن انبثاق فتنة طائفية اجتماعية في اي مجتمع، يعني الانجرار الي حرب لا يستطيع أحد التهكن بنتائجها، وما ستؤول إليه ، والسقف الزمني الذي ستغوص في اوحاله، إلا أن حصول مثل هكذا حرب في المجتمعات المتماسكة ليس بالأمر الهين ، وفي ما يتعلق بالتجربة العراقية، فإن ثمة عوامل عديدة تقف بالضد من نشوب مثل هكذا فتنة، وفي مقدمة ذلك العاملان الاجتماعي والجغرافي ، بما يشكلانه من قوة يتميز بها المجتمع العراقي في تركيبته العفوية التي جبل عليها، والتي لم تحصل نتيجة لتخطيط مسبق يرتبط بنوايا ومصالح لهذه الطائفة أو تلك ، وهذا العرق وتلك الديانة.
فإذا بدأنا بالجانب الجغرافي، سنجد بكل سهولة ان التوزع الطائفي في العراق ( سنة وشيعة)، يشمل جميع انحاء العراق، من أقصى شماله مثل تلعفر، إلى أقصى الجنوب في البصرة، مرورا بجميع المدن والقرى والمحافظات، مثل العمارة والكوت وديالى وصلاح الدين والرمادي والموصل وكركوك، أما بغداد العاصمة فأنها الانموذج المتفرد لتعايش جميع الاطياف والاعراق والاديان فيه ( بما في ذلك وجود اليهود العراقيين في بغداد ، وكان عددهم قبل الاحتلال الأمريكي 38 يهوديا عراقيا عاشوا بأمن وسلام). وهذه الصورة مخالفة لتلك التي يتخيلها الكثيرون ، الذين يعتقدون ان العراق مقسم إلى ثلاث رقع جغرافية، ( للسنة والشيعة والاكراد)، وهذا ما حاولت ترسيخه وسائل الإعلام الأمريكية والغربية. في حين تشهد الخريطة الجغرافية العراقية انتشار للطوائف والأعراق في جميع المدن العراقية ، وهذا امر معروف لجميع العراقيين ، ولا يختلف بهذا الخصوص اثنان. هذا التداخل في المكمن الحياتي العراقي ، عنصر قوة واضح وجلي في الوقوف بوجه محاولات من يبغي إثارة الفتنة الطائفية في العراق ، لأنه لا توجد الحدود الجغرافية، التي تفصل بين طائفة وأخرى ، كما يتصورها الكثيرون.
أما إذا ناقشنا العامل الإجتماعي فنجد انه ينقسم إلى جانبين ، يشكلان بمجموعيهما عنصر قوة فريدا ومتميزا في التصدي لمحاولات إثارة الفتنة الطائفية، فهناك القبائل والعشائر العراقية ، التي يتوزع أفرادها على الطائفتين ، وليست هناك إحصائيات أو مصادر في العراق تشير إلى الأنتماء الطائفي ، بين قبائل وعشائر العراق ، ومن أهم الدراسات الموثوقة عن عشائر العراق ، ما كتبه المؤرخ العراقي الشهير المحامي عباس العزاوي في كتابه ( العشائر العراقية)، الذي صدر بعدة طبعات في أربعة أجزاء ضخمة ، ولم يتطرق في تلك الدراسات الواسعة والشاملة إلى الأنتماء الطائفي ، مثله مثل الكثير من الدارسين والباحثين الموضوعين من بعده . ولكن يعرف العراقيون الأنتماء الطائفي لمجاميع أو عشائر وافخاذ من هذه العشيرة أو تلك، وعشائر العراق جميعها يتوزع ابناؤها على الطائفتين، مثل ( عشيرة شمر والدليم والجبور والعزة وبني زيد والسعدون وزبيد وربيعة والجناببين وسواهم)، وهذا التوزع العشائري والتداخل ، يعني بكل بساطة، ومن منظور اجتماعي، إن العراقيين وعبر تاريخهم الطويل غير معنيين بالجانب الطائفي.
وهنا لا بد من الإشارة ، إلى أن الغالبية العظمى من هذه القبائل تعود إلى إمارة واحدة ، مع الولاء لها والعودة إلى زعاماتها في كثير من الأمور العشائرية والشخصية، رغم إختلاف انتمائها المذهبي ، من دون أن يؤثر ذلك على بنيتها والتزام رجالها بمبادئ وتقاليد القبيلة أو العشيرة.
وخلاصة القول ، بهذا الشأن، إن الأنتماء إلى طائفة معينة ، لم يقف عائقا أمام الأنتماء القبلي والعشائري ، ولم يؤثر على هذا الارتباط ، وهذه سمة معروفة وواضحة من سمات تشكيل وتركيب ر المجتمع العراقي .
أما الوجه الاجتماعي المهم الآخر في العراق، فهو مسألة التزاوج بين أبناء الطائفتين ، وهذا امر بارز وواسع الإنتشار في العراق ، ومع ان احصاءت رسمية لا توجد بهذا الخصوص ، إلا أن المسح الإجتماعي المتعارف عليه في أوساطِ العراقيين ، يؤكد ان التزاوج بين الرجال والنساء من الطائفتين، يشكل ظاهرة كبيرة، وكما هو التداخل والتوزيع في العشائر والقبائل، فهو كذلك بين العوائل وعلى نطاق واسع . وهذا التمازج يحمل الكثير من عناصر القوة، التي تقف بوجه محاولات إثارة الفتنة الطائفية الاجتماعية في العراق.
2026 /04 /16